مشاركة

الغريزة الصقرية

last update تاريخ النشر: 2026-05-29 05:18:13

لم يكن النصل الفضي اللامع تحت ضوء الشموع الراقصة مجرد قطعة من الحديد المسموم، بل كان كفنًا باردًا يقترب بـ سرعة مروعة لـ يقطع أنفاس العهد الحقيقي في نجع الراوي. حاسة "السلطان" السادسة، تلك الغريزة الصقرية التي نمت في عروق "قاسم الراوي" طوال سنوات الدم والتار، لم تخطئ واصل؛ فـ بـ الرغم من سكون الليل المريب وغرقه في أنفاس ليلى الدافئة، إلا أن الهواء تغيرت برودته فجأة، وانبعثت ريحة "الحمض الكيميائي الحارق" الممتزجة بريحة أجساد غريبة تفوح منها وحشة الجبل الغربي.

في ذات الثواني الأخيرة والخاطفة للأنفاس، وقبل أن ينزل نصل كبير الشناوية إنشًا واحدًا لـ يغرس الموت في عنق ليلى، انفتحت عينا قاسم الصقريتان كـ جمرتين مشتعلتين بـ جنون الغضب والتملك الشرس!

لم يفكر، ولم يتردد لـ لمحة بصر؛ بـ حركة طاغية، مجنونة وسريعة كـ خطف البرق، لف بجسده الضخم العريض ليقذف بـ "ليلى" بقوة نحو الجانب الآخر من الفراش المخملي لحمايتها، ليتلقى هو الطعنة بـ كتفه العاري بـ جبروت لا يعرف الانكسار!

انغرس الخنجر المسموم في حافة كتفه، ليطلق قاسم زئيرًا رعديًا جريحًا هز أركان السرايا الكبيرة بالكامل، زئيرًا جمد الدماء في عروق الملثمين:

ـ "يا خاااينة!!! يا كلاب الجبل واصل!!"

انتفضت ليلى بـ ذعر صاعق، وشعرها الأسود الطويل يتطاير حول وجهها الشاحب، ورأت أطياف الملثمين يطوقون الفراش والخنجر منغرسًا في كتف قاسم والدماء الساخنة تسيل بغزارة. صرخت بـ لوعة وعشق جارف زلزل كيان الغرفة، واندفعت نحو خصر قاسم وهي تعتصر الخنجر الصغير البديل بـ يدها:

ـ "قاسم!!! لاء يا روحي واصل!!! الموت مش ع ياخذك مني!!"

بـ رغم ألم السّم الشناوي الحارق الذي بدأ يسري في عروق كتفه، نهض قاسم الراوي من فوق الفراش كـ المارد الموتور الكاسر. قبض بـ يده الحديدية الأخرى على معصم كبير الشناوية بـ قوة سحقت العظام بوضوح، ليتأوه الخائن بـ قهر ويسمع صوت تفتت عظام يده، ثم انتزع قاسم الخنجر المسموم من كتفه بـ دم بارد، وبـ حركة انتحارية غرس النصل في حنجرة كبير الشناوية بـ ضربة واحدة قاطعة أطاحت بـ أنفاسه لـ يسقط جثة هامدة تتلوى وسط بركة من الدماء فوق الرخام الأبيض!

انفتحت أبواب الجحيم داخل الغرفة الجوانية. الملثمون الخمسة الآخرون اندفعوا نحو قاسم بـ خناجرهم، لكن السلطان، المشتعل بـ نار غيرة التملك والخوف على وردته، كان يتحرك كـ الإعصار التدميري. التقط مسدسه الثقيل من تحت الوسادة بـ لمح البصر، وانطلقت الرصاصات بـ صوت مكتوم بـ سبب الأسلحة الحديثة، لتستقر في صدور ثلاثة من المهاجمين بدقة مروعة حصدت أرواحهم في ثوانٍ معدودة.

ليلى لم تقف تتفرج؛ بل بـ جبروت وعناد صعيدي أصيل تشربته من أحضان قاسم، اندفعت نحو الملثم الرابع الذي حاول الالتفاف حول الفراش لـ طعن قاسم من الخلف، وغرست خنجرها الصغير بـ قوة وحرقة في خاصرته، لـ يطلق صرخة ألم ويسقط سلاحه الآلي على الأرض وهو ينزف بـ غزارة.

التفت قاسم نحوها، وعيناه تقطران بـ عشق وجنون تملك تخطى حدود الفناء بمجرد أن رآها تقاتل كـ النمرة لحماية ظهره؛ اندفع نحو الملثم الأخير وقبض على رقبته بـ يده الحديدية، ورفعه عن الأرض بـ ضخامته الطاغية، وزأر بصوت جهوري شق عنان السماء:

ـ "مين اللي فتح لكم أبواب السرايا يا كلاب الشناوية واصل؟! انطق قبل ما أقطع لحمك بيدي للحال جوة داري!!"

بكى الملثم المذعور بـ رعب من هيبة السلطان، وقال بـ صوت متقطع ومخلوط بالدم:

ـ "الشيخ... الشيخ علام المخزومي!! هو اللي فتح لينا الباب الجواني للمطبخ.. وعيقلك إن التار ع يرجع بدم البنات الليلة!!"

لوى قاسم رقبة الملثم بـ ضربة واحدة حطمت فقراته لـ يلقيه جثة هامدة وسط الحطام، والتفت نحو ليلى بـ أنفاس متلاحقة وثقيلة، وصدره العريض المليء بالدماء يعلو ويهبط بـ عنف صاخب.

وفي ذات الثواني المشتعلة بالرعب في الجناح السفلي للسرايا، كانت المؤامرة الثانية لـ رجال الشناوية تتحرك بـ قسوة غاشمة. اقتحم عشرة من الملثمين غُرفة التوائم فرحة ونورهان بعد أن حطموا النوافذ الخشبية الجانبية بـ هدوء مريب.

انتفضت نورهان بـ ذكائها القاهري وجبروتها الصعيدي المولود من رحم العائلة، وسحبت سلاح قاسم الآلي البديل الذي تركته معها ليلى، ووقفت بـ ثبات أذهل الملثمين، وصاحت بـ فرحة التي كانت تبكي بـ رعب:

ـ "ورايا يا فرحة واصل!! دمنا مش عيكون رخيص في دار السلطان النهار ده!!"

انطلقت رصاصات بندقية نورهان بـ غزارة وعشوائية حاسمة لتخترق جدار الممر وتصيب اثنين من المهاجمين في مقتل، لتجبر بقية رجال التار على التراجع للخلف والاحتماء بـ أعمدة البهو السفلي، لتتحول السرايا الكبيرة بـ جبهتيها العلوية والسفلية إلى ساحة حرب طاحنة تُكتب فصولها بـ الدم الخاثر.

من أعلى الدرج الرخامي العريض، انطلق قاسم الراوي كـ المارد الجريح، ويده اليمنى تقبض على سلاحه واليسرى تلتف حول خصر ليلى بـ تملك شرس وجنوني لا يرحم؛ كان ينزل الدرج بـ خطوات رعدية ثقيلة زلزلت أركان البهو، وخلفه انطلق العشرات من حراسه الثقات الذين استيقظوا على زئير السلطان بـ الساحات الخارجية.

ـ "يا هوارة!! السلاح!!" صرخ قاسم بـ صوت جهوري ملأ أركان السرايا وتردد صداه في حضن الجبل الشرقي بالخارج. "الخيانة جوة الدار واصل!! عائلة الشناوية والشيخ علام الكلب باعوا العهد!! اضربوا بـ دون رحمة.. الليلة مفيش أسرى ومفيش صلح، والنجع ع ينغسل بدم الغدارين للحال!!"

انهمر رصاص رجال قاسم كـ المطر الأسود الغاشم فوق رؤوس الملثمين المتمركزين في البهو السفلي، لـ يتساقط رجال التار صرعى واحداً تلو الآخر بـ دقة مروعة صبغت الأرضية الرخامية الفاخرة بـ اللون القرمزي الحار وسط أدخنة الرصاص الخانقة التي ملأت الرئتين.

وفي غمرة المعركة الطاحنة والدخان الكثيف، كان "الشيخ علام المخزومي" يحاول التسلل عبر المخرج الخلفي للمطبخ للفرار نحو الجبل بعد أن أدرك بـ ذعر فشل خطة الاقتحام ومقتل كبير الشناوية.

ولكن، قاسم الراوي بـ عينه الصقرية التي لا تخطئ واصل، لمح خياله وعمامته المخزومية من بين سحب الدخان؛ ألقى بـ بندقيته التي نفدت ذخيرة مقبضها، واندفع بـ جسده الضخم كـ الفهد الكاسر الموتور، وبـ لمح البصر حاصر الشيخ علام عند عتبة الباب الخارجي وقبض على عمامته وجذبه للخلف بـ قوة هائلة رمت به أرضاً لـ يتمرغ في تراب الباحة بـ ذل وانكسار.

جثا قاسم فوق صدر الشيخ علام، وعيناه تقطران بـ رغبة عارمة في الفتك والتدمير؛ قبض على عنقه بـ يد واحدة حديدية، وسحب خنجره الصعيدي الحاد الملطخ بـ دماء المطاريد، وقربه من عينيه المشحونتين بـ الرعب بـ دم بارد:

ـ "بعت دمي وعيلتي يا علام واصل؟! فتحت الباب لـ كلاب الشناوية عشان يدبحوا مرتي وسلطانتي جوة غرفتي؟! والله النهار ده ع أقطع لسانك ورقبتك بيدي، وعائلتك كلها ع تطرد من الجبل الليلة بدمك العفن!!"

ـ "السماح.. السماح يا سلطان الجبل واصل!" تمتم الشيخ علام بـ صوت مخنوق متهدج والدموع تغسل وجهه الغائر كالقبر. "الغل عَمى عيوني.. مكنتش خابر إنك ع تفيق وع تفرمهم الكل في ثوانٍ! اعفُ عني ولحم عيلتي فداك!"

لكن قاسم لم يعرف الرحمة واصل النهار ده؛ فـ التملك والغيرة الشرسة لـ وردته ليلى جعلت قلبه كـ الصخر الصلد. وبـ حركة سريعة كالبرق، غرس نصل الخنجر الحاد بـ عمق في حنجرة الشيخ علام بـ ضربة واحدة صاعقة حطمت أنفاسه، لـ يطلق الخائن شهقته الأخيرة وسقط جثة هامدة تتلوى وسط تراب المطبخ المشتعل، لتنتهي صفحة خيانته الداخلية للابد بدم بارد وتحت مداس رجلين السلطان.

هدأ ضرب النار بالكامل في أركان السرايا الكبيرة بعد القضاء التام على جميع رجال الشناوية الملثمين وفرار بقاياهم نحو شقوق الجبل الغربي بـ قهر وانكسار. ساد المكان سكون رهيب، دافئ، يفوح منه ريح النصر المغموس بالدم الحار، والدخان الأسود بدأ ينقشع تدريجياً عبر النوافذ المحطمة لـ يترك الساحة لـ خيوط الفجر الجديدة التي بدأت تلوح بـ وميض مريب فوق النجع.

تقدم قاسم نحو ليلى بـ خطوات بطيئة، ثقيلة، وجسده الضخم يتصبب عرقاً ودماءً من جراحه المفتوحة طوال معركة الليل. سقط السلاح من يده الملطخة، وتحولت نظراته الصقرية الموتورة في ثانية واحدة لـ نظرات تفيض بـ لوعة وعشق وتملك جنوني أعمى تخطى حدود الكبرياء؛ جثا على ركبته الواحدة أمامها وسط البهو، وأمسك بـ كفيها بـ رفق حاسم تغلغل في عروقها.

ارتمت ليلى بـ كامل جسدها في أحضانه العريضة بـ لوعة وجنون وعاطفة طاغية هزت كيان المكان المهدوم؛ سحبها قاسم لـ أحضانه بـ قوة هائلة كادت تطحن عظام صدرها وضّمها بـ جنون تملك وعشق جارف غسل أوجاع الماضي وشكوك السنين، ودفن وجهه الحاد في عنقها يستنشق ريح عطرها المخملي الذي يمنحه الحياة والعهد الجديد.

ـ "ليلى.. إنتي زينة يا روح السلطان واصل؟!" همس قاسم بـ صوت رخيم عميق يحمل رجفة حنان لا يملكها أحد في الكون غيرها. "الخونة اندفنوا تحت رجلينا، والأرض طهرت بدمائهم النهار ده.. طمنيني على قلبكِ يا سلطانة عمري كله!"

نظرت ليلى في عينيه الحمراوين، وبيدين ترتعدان مسحت الدماء والرماد عن جبهته وفكه العريض، وقالت بـ نبرة تفيض بالرومانسية الحارقة والعشق الشرس:

ـ "أنا زينة طالما إنت جوزي وحبيبي وسلطاني واصل يا قاسم.. كنت خابرة إن جدار صدرك مش ع ينكسر قدام خناجرهم المسمومة! أنا ماليش عمر ولا دار بره حدود ضلوعك، وعشقي ليك ع يفضل قايد ويحرق كل غدر وضلال في الصعيد بحاله!"

أنزل قاسم شفتيه ليطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة امتزج فيها طعم الدموع بـ مرارة البارود وعذوبة الامتلاك الكامل، غمرها بـ أحضانه الضخمة كأنه يحاول إخفاءها عن عيون الدنيا بأسرها وثبّت عهدهما الأسطوري أمام شقيقاتها نورهان وفرحة والحراس الذين وقفوا يطأطئون رؤوسهم احتراماً وتأثيراً بـ هيبة السلطان وسلطانته.

انضمت نورهان وفرحة إليهما بـ دموع صافية غسلت أوجاع الماضي، وأمر قاسم بـ تنظيف البهو ونقل جثث المطاريد بره الأسوار، لـ تعود الزغاريد والاحتفالات بـ الفجر الجديد لـ تملأ نجع الراوي بـ بهجة وأمل بعد ليلة طاحنة صمد فيها العرين بـ فضل العشق والجبروت.

ولكن، بينما كان الحراس يرفعون جثة "كبير الشناوية" من فوق الفراش داخل الغرفة الجوانية، تحركت يده الميتة لـ يسقط منها جهاز لاسلكي عسكري حديث للغاية كان يصدر منه صوت فحيح خافت ونبرة ميكانيكية حادة لـ رجل يتحدث من قلب الجبل الغربي بـ كلمات جمدت الدماء في العروق:

ـ "يا كبير الشناوية واصل!! الهجوم الأول نجح في إشغال السلطان وذبح الحراس.. ودلوقت 'وحدة الألغام الأرضية الزلزالية' الكبرى انتهت من زراعة مائة لغم تحت أسوار نجع الراوي بالكامل بـ خطة إلكترونية صامتة، وقدامكم خمس دقائق بـ الظبط والنجع كله بـ بيوته وزرعه وسرايته ع ينفجر ويتحول لـ حفرة من نار، ومفيش مخرج ولا هرب للتوائم والثلاثة والسلطان واصل النهار ده!!"

تصلبت ملامح قاسم الراوي بـ شكل مرعب، واشتعلت النار في عينيه الصقريتين بـ جنون وتحدٍ غاضب أعنف من ذي قبل، ونظرت ليلى ونورهان وفرحة إليه بـ ذعر وذهول مطلق تجمعت معه الأنفاس في الصدور.. العداد الزلزالي بدأ بـ الصمت، والخمس دقائق بدأت تتحرك نحو الفناء الشامل تحت أقدامهم في ثانية واحدة خاطفة للأنفاس!

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

  • وردة في عرين السلطان   وادي الصمت

    بعد أن تجاوزا كهوف التاريخ، انفتح أمام ليلى وسليم ممرٌّ طبيعيٌ شاهقٌ يُعرف في أساطير الجبل بـ "وادي الصمت". لم يكن مجرد مكانٍ خالٍ من الضجيج، بل كان فراغاً مشحوناً بطاقةٍ غامضة، وكأن الهواء فيه كُثف ليصبح وسطاً ناقلاً للمشاعر لا للأصوات. بمجرد أن وطئت أقدامهما رماله الفضية، تلاشى هدير الرياح، وخمدت أنفاسهما القلقة، وكأن الوادي يمتص القدرة على النطق كما يمتص الغسقُ النورَ الأخير. كان الصمتُ هناك ثقيلاً، يضغط على طبلة الأذن ويثقل كاهل الروح، جاعلاً من أبسط حركةٍ تبدو وكأنها صرخةٌ مدوية.سار سليم في المقدمة، يده على خنجره، عيناه تجولان في الأفق بحذرٍ عسكريّ، بينما كانت ليلى تتبعه، تحاول بكل قوتها أن تضبط إيقاع أنفاسها. كان الصمت يضغط على أعصابهما لدرجة أن سليم أصبح يسمع دقات قلبه، وكان يشعر وكأن أفكارهما المتوترة تتصادم في الهواء كشراراتٍ مجهرية. لم يكن بوسعهما التحدث لكسر هذا الحصار الخانق، ففي "وادي الصمت"، يُقال إن أي كلمةٍ تنطقها قد تكون الأخيرة، لأنها تفتح ثغرةً في أمان المكان وتجذب الكيانات التي تعيش في طيات السكون.فجأة، وبدلاً من الحجارة الصماء، بدأت ليلى ترى شيئاً يلمع

  • وردة في عرين السلطان   محاكمة السلطان

    استفاق "قاسم الراوي" من غيبوبته الزمنية ليجد نفسه في فضاءٍ لا يحده بصر، فضاءٍ يمتزج فيه ضبابُ الأزل ببريقِ الحاضر. كان المكان عبارة عن قاعةٍ رحبةٍ جدرانها من صوانٍ أسود صُقلَ عبر دهورٍ من العزلة، وفي صدرِ القاعة، على مقاعدَ منحوتة من جذوع شجرِ جميزٍ عتيق، جلس سبعةُ رجالٍ يرتدون جلاليبَ صعيديةً من الكتان الخشن، مطرزة بخيوطٍ تبدو وكأنها ضوءُ النجوم، وجوههم محفورةٌ بتضاريس الجبل، ولحاهم البيضاء تنسدل كأنها شلالاتُ حكمةٍ لا تنضب. هؤلاء كانوا "حكماء العهد"، حراس أسرار الراوي الذين لا تدركهم العين البشرية إلا في لحظاتِ الحسم.وقف قاسم بوسط القاعة، جسده العاري إلا من آثارِ معارك الجبل، عضلاته المشدودة تنبض بقوةٍ لا تعرف الوهن. لم يكن خائفاً، بل كان واقِفاً وقفةَ الجبلِ الذي لا تهزه ريح. تقدم أكبر الحكماء سناً، وكان صوته أشبه بوقعِ الخطواتِ على أرضِ مغارةٍ سحيقة: "يا ولد الراوي.. يا مَن حملتَ العهدَ وكسرتَ القيد، لقد أتينا بك لتمتحن. النجعُ يا قاسم أمانة، والوردةُ اللي عشقتها هي قيدُك في دنيا البشر.. فإذا أردتَ النجاةَ والعودةَ للعرين، فعليك أن تختار. هل تضحي بالنجع، بدم أهلك، وبأرض أجد

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status