Share

مواقدُ الكبرياءِ

last update publish date: 2026-05-29 05:17:32

لم يكن الصباح الذي تمدد فوق نجع الراوي صباحاً عادياً ينفض عن عتباته غبار المعارك؛ بل كان صباحاً مخملياً دافئاً، تشبعت سماؤه بـ زرقة صافية نادرة بعد أن انقشعت سحب الدخان الأسود التي خلّفتها قذائف طارق السيوفي. رائحة البارود المحترق كانت قد تلاشت، تاركةً المكان لـ ريح الجبل الشرقي العليل الذي يهب محملاً بـ ندى بساتين الليمون وأزهار الرمان البعيدة، ليغسل جدران السرايا الكبيرة الحصينة التي أُعيد ترميم بوابتها الشرقية بـ سواعد مئات الرجال الذين عملوا دون انقطاع طوال الليل.

في الجناح العلوي، داخل الغرفة الجوانية الفاخرة، كانت الأجواء غارقة في دفءٍ خاص يفيض بـ الرومانسية الحارقة والتملك الأعمى. المباخر النحاسية العتيقة كانت تطلق سحب البخور الجاوي والمسك النقي، لتختلط برائحة التبغ الصعيدي الثقيل وعطر "السلطان" الطاغي الذي ملأ الأركان أماناً.

كانت "ليلى" تقف أمام المرآة الخشبية الكبيرة ذات الإطار المذهب، تمشط شعرها الأسود الطويل الذي كان ينسدل كشلال غسق متمرج فوق كتفيها، وثوبها الحريري الأبيض يعكس نقاء بشرتها وجمالها الطاغي الذي تربع على عرش الجبل. لم تعد تلك البديلة المنكسرة؛ بل أصبحت، وباعتراف الصعيد بأسره، سلطانة هذا العرين بلا منازع.

انفتح الباب الحديدي الثقيل للغرفة بـ رفق حاسم، ودخل "قاسم الراوي".. سلطان الجبل.

كان مظهر ضخامته وبنيته العضلية الفارهة كافياً ليفرض هيبته الطاغية على المكان بـ مجرد دخوله. كان يرتدي جلباباً صعيدياً ناصع البياض، وفوق كتفيه عباءة كشميرية فاخرة مطرزة بخيوط الذهب عند الأطراف، وعمامته الصعيدية ملفوفة بـ كبرياء جبار يخفي تحتها جراحه التي بدأت تندمل بفضل أعشاب الحكيم وقوة جسده الصخري. عيناه الصقريتان تحولتا إلى جمرتين من العشق والتملك بمجرد أن وقعتا على وردته الساكنة.

تقدم نحوها بخطوات وئيدة، ثقيلة، وصوت حذائه على الرخام كان يبدو لـ قلب ليلى كـ دقات طبول تعلن تملكه لـ كيانها. وقف خلفها مباشرة، وحاصر خيالها في المرآة بجسده الضخم. امتدت يداه القويتان لتستقرا على كتفيها بـ رفق حاسم، ونزل برأسه حتى لفحت أنفاسه الحارة الحارقة عنقها المخملي، وهمس بصوته الرخيم العميق:

ـ "صباح الخير يا سلطانة الجبل والقلب والعمر كله واصل.. شايف الورد منور في داري النهار ده، وكأن جحيم البارود اللي عشناه بالأمس ولَد فيكي جمال أعير وأقوى عيحرق كيان السلطان."

التفتت ليلى بجسدها كله داخل حصار يديه القويتين، ورفعت رأسها لتبادله النظرة بعناد رقيق وعشق جارف يعشقه فيها. وضعت كفيها الصغيرين فوق صدره العريض، وشعرت بدقات قلبه القوية المتلاحمة، وقالت بنبرة تفيض بالرومانسية الحارقة:

ـ "صباح النور يا سلطاني.. الجمال ده ملوش عازة لو ماكنتش عيونك الصقرية هي اللي عتتأمله وتتحامى فيه. جروحك زينة النهار ده؟ كتفك عيوجعك إياك من أثر طعنة الخنجر الملعون؟"

تصلبت ملامح قاسم الحادة، واقترب بوجهه أكثر حتى تلاقت نظراتهما الحارة، وقبض على معصم يدها اليمنى وضغط عليه بـ غيرة تملك شرسة وآمرة تغلغلت في أوصالها:

ـ "جروحي طابت من يوم ما سكنتِ داري وبقيتِ ملكي بعهد الدم والعشق يا ليلى! بس خابرة؟ غيرة السلطان النهار ده عتقلي إن الوردة دي مابقاش ينفع تخرج بره الأوضة الجوانية واصل. النجع بره صفي لينا، بس غيرة الجبل عتوِعر في صدري.. ماريدش عين إنس ولا جان تلمح طرف ثوبك، إنتي مِلكي أنا وبس، ومكانك في حضني وتحت حراسة قلبي وسلاحي ليوم الدين!"

ابتسمت ليلى بـ رقة ووضعت يديها حول عنقه، لتقرب وجهها من شفتيه الحادتين وهمست بـ ثقة وعشق:

ـ "وأنا ماليش مِلك ولا مخرج بره عرينك يا قاسم.. غيرتك على عيني وراسي، وأنا راضية بـ سجني وتملكك في حضنك طول ما فيا نَفَس عيتنفس في الدنيا."

أنزل قاسم شفتيه ليطبع قبلة حارة، طويلة، عميقة وعنيفة على شفتيها، قبلة امتزج فيها طعم العشق بـ جنون الغيرة الشرسة، غمرها بـ أحضانه الضخمة كأنه يحاول إدخالها بين ضلوعها ليخفيها عن عيون الدنيا بأسرها، وثبت تملكه الجنوني لها وسط هذا الهدوء الجديد.

وفي ذات الساعات الأولى من الصباح، حيث كان الأمان الظاهري يغلف السرايا الكبيرة، كانت هناك أفاعٍ جديدة تتحرك بـ صمت مسموم في عتمة النجع الجواني، مؤامرة ولدت من تحت عباءة العادات والتقاليد الصعيدية البالية التي ترفض الاستسلام.

في المندرة السرية لـ قصر "عائلة الهواري" المهجور، الذي أصبح تحت سيطرة كبار وجهاء النجع الجواني بعد مقتل حمدان ومرزوق، كان الضوء الخافت لـ مصباح زيتي ينعكس على وجوه ثلاثة من كبار مشايخ التار. في مقدمتهم، كان يجلس "الشيخ علام المخزومي".. راجل في الستينات من عمره، ذو وجه غائر كالقبر وعيون تقطر حِقداً ومكراً. كان يمسك في يده مسبحة عتيقة يقلب حباتها بـ عنف، وحوله يجلس بقايا رجال التار الذين يرفضون الصلح.

ـ "قاسم الراوي فاكر إن الجبل نضف بموت مروان وطارق وطحن المنظمة" قال الشيخ علام بصوت أجش منخفض يحمل غلاً دفيناً وهو ينظر إلى كبار الرجال من حوله. "ماخابرش إن كبار الصعيد والنجوع المجاورة عيغلوا من جوة! كيف راجل مننا يحكم الجبل بـ رأي حرمة؟ كيف البديلة ليلى وأختها نورهان يقودوا السلاح ويفجروا براميل البارود في البهو وقاسم وافق يتفرج؟! دي مهزلة عتكسر خشم عائلات الصعيد كلها لو فضلنا ساكتين!"

تقدم أحد الرجال يدعى "صالح الغول" وهمس بـ خبث:

ـ "وكيف عتمشي اللعبة يا شيخ علام؟ قاسم جبار، والنهار ده معاه ميتين مقاتل وسلاحه مابيخطئش واصل.. لو شم خبر إننا ع ننفث النار ورا ظهره، عيعلق رؤوسنا كلنا على بوابة النجع!"

ابتسم الشيخ علام ضحكة خبيثة باردة، وقرب وجهه منهم وهمس بـ شيطانية:

ـ "اللعبة المرة دي مش عتكون بـ الرصاص ولا بـ القذائف واصل.. اللعبة عتكون بـ 'حق الدم القديم'! فيه عيلة كبرى في الجبل الغربي، عيلة 'الشناوية'.. ليهم تار قديم ومكتوب عند عيلة أبو المجد من عشرين سنة، تار مأخدوشهوش واصل! إحنا ع نبعت لـ 'كبير الشناوية' النهار ده ونقول له إن بنات أبو المجد التوائم التلاتة بقوا اهنه في سرايا الراوي، وإن قاسم عيحميهم ويمنع التار بـ القوة! الشناوية عيطالبوا بـ دماء البنات بـ شرع الصعيد، وقاسم مش عيقدر يقف قدام عادات الجبل بحاله وإلا هيبقى مطرود ومنبوذ من كل العائلات.. وع نخليهم يقتحموا الدار في ليلة غفلته!"

ضرب الرجال كفوفهم بـ شماتة وطاعة، وبدأت الأفاعي في نَسج الفخ الجديد بـ سلاح العادات والتقاليد التي لا ترحم، لـ يرسلوا خيالاً كالأشباح نحو معقل الشناوية في الجبل الغربي.

مع حلول المساء، كان الهدوء المريب يسيطر على أركان السرايا الكبيرة. وفي الجناح المنفصل للتوائم، كانت "نورهان" تجلس بجانب أختها "فرحة". نورهان كانت قد بدأت تتأقلم مع ثياب الصعيد، وارتدت ثوباً مخملياً داكناً يبرز جمال وجهها الذي يشبه وجه ليلى بـ شكل أسطوري، وعيناها الواسعتان كانتا تلمعان بـ ذكاء حاد وهي تتابع أوراق الحسابات القديمة لعيلتها.

دخلت ليلى إليهما بـ خطى وئيدة ثقيلة، يلتف حول كتفيها شال السلطان الأسود، ونظرت إلى شقيقتيها بـ عاطفة وحنان الأخوة المكتوب بالدم.

ـ "فرحة.. نورهان واصل" همست ليلى وهي تجلس بجانبهما وتضم كفيهما بـ رفق. "الدار صفي لينا بفضل قلب قاسم وسلاحه، والنهار ده إحنا عيلة واحدة متحدة في العرين ده.. فرحة دمك انغسل من الغل القديم، ونورهان ذكائك أنقذ السرايا من الانفجار. مابقاش فيه مكان للخوف بيننا واصل طالما السلطان ورا ظهرنا."

قالت نورهان بـ نبرة حازمة:

ـ "أنا خابرة يا ليلى إن الأمان اهنه غالي، بس خايفة من بقايا الخفاء.. مروان وطارق ماتوا، بس الصعيد مابينساش التار بـ السهولة دي، ولازم نفضل صاحيين جمب قاسم."

احتضنت ليلى أختها، وعلمت في أعماق روحها أن جدار حبهما أقوى من كل عواصف الدنيا.

وفي منتصف الليل، عاد قاسم إلى الغرفة الجوانية الفاخرة بعد أن أنهى دورته المشددة لـ حراسة الأسوار والاطمئنان على غلق البوابات الحديدية. دخل ووجد ليلى تنتظره بـ ثوبها الأبيض الحريري الناعم، وشعرها الأسود ينسدل كشلال غسق. تقدم نحوها بـ ضخامته وجبروته الطاغي، وحاصر جسدها الفارع فوق الفراش المخملي بـ تملك شرس وآمرة تغلغلت في كيانها.

انحنى بجسده العريض فوقها، ولفحت أنفاسه الحارة وجنتيها، وأمسك بكفيها وضغط عليهما بـ غيرة تملك جنونية، وهمس بـ صوته الرخيم العميق:

ـ "السرايا نامت الليلة يا ليلى واصل.. والنجع كله بقى تحت حراسة قلبي وسلاحي. غيرة السلطان الليلة عتقلي إن الوردة دي مابقاش ينفع تفكر في أي خطر أو غدر بره حدود حضني.. إنتي مِلكي.. مِلكي بعهد الحق والعناد، وماريدش حد في الدنيا يشاركني فيكي واصل!"

ابتسمت ليلى بـ رقة وعناد يعشقه فيها، ودفنت رأسها في صدره العريض المليء بالضمادات والجروح، واستنشقت رائحة التبغ وعطره النفاذ، وهمست بـ عشق حارق:

ـ "وأنا ماليش مِلك ولا مخرج بره عرينك يا قاسم.. إنت حبيبي وسجاني، وعشقي ليك ع يفضل قايد طول ما فيا نَفَس عيتنفس في الدنيا."

أنزل قاسم شفتيه ليطبع قبلة عميقة، حارة، وطويلة على شفتيها، قبلة ثبتت تملكه الشرس لها وغسلت أوجاع السنين، لـ يغرق العاشقان في لحظة من الرومانسية الطاغية وسط هدوء الليل المريب بالخارج.

وفي ذات الثواني الدقيقة من الليل، حيث كان العاشقان يغرقان في أمانهما الدافئ داخل الغرفة المغلقة، كان الفخ الانتحاري للشيخ علام وعيلة الشناوية قد وصل إلى ذروته بـ صمت مرعب!

وحدة الاقتحام السرية لـ عائلة "الشناوية".. أكثر من ثلاثين رجلاً من أشرس مقاتلي التار، يرتدون لثاماً أسود ويحملون خناجر مسمومة طويلة صامتة وأسلحة كاتمة للصوت، تمكنوا من التسلل عبر الممر الجبلي الخلفي الضيق بـ مساعدة الخيانة الداخلية للشيخ علام الذي فتح لهم البوابة الحديدية الصغيرة للمطبخ السفلي بدم بارد وبدون أن يصدروا أي صوت واصل!

تسلل المهاجمون كالأشباح داخل الرواق السفلي للسرايا، وبدؤوا في ذبح حراس المطبخ الصامتين بـ خناجرهم المسمومة بـ دقة مرعبة. وتوزعوا بـ سرعة الشياطين؛ مجموعة اتجهت نحو جناح التوائم فرحة ونورهان، والمجموعة الرئيسية بقيادة "كبير الشناوية" صعدت الدرج الرخامي بـ خطوات ميتة نحو الجناح العلوي.. نحو الغرفة الجوانية حيث يرقد قاسم وليلى!

وصل كبير الشناوية إلى باب الغرفة الجوانية، وبأصابع ميتة لا تصدر صوتاً، أخرج زجاجة صغيرة تحتوي على "حمض حارق كيميائي" صبه فوق قفل المزلاج الحديدي الثقيل للباب! لـ يبدأ الحديد في التآكل والذوبان بـ صمت مرعب وصوت فحيح خافت للغاية امتزج بـ أنفاس الليل!

تآكل القفل تماماً وانفتح الباب الحديدي بـ بطء شديد كـ طيف الموت! ودخل كبير الشناوية ومعه خمسة من رجاله الملثمين، وخناجرهم المسمومة الطويلة مشرعة تلمع بـ وميض فضي خبيث تحت ضوء الشموع الراقصة، وتقدموا بـ خطوات الأشباح نحو الفراش حيث كانت ليلى تستند برأسها على صدر قاسم العريض وعيناهما مغمضتان بـ أمان كامل!

رفع كبير الشناوية خنجره المسموم الطويل عاليًا بـ يد وحشية، ووجه النصل المصقول مباشرة نحو عنق ليلى المكشوف، وعروق وجهه برزت بـ غل وتار قديم، وبدأ في إنزال النصل بـ سرعة خاطفة للأنفاس لـ يغرس الموت في عروق سلطانة الجبل!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   الصندوق الأسود

    التفت قاسم نحو سليم، وجاء صوته عميقاً جهورياً، يحمل بحة الوعيد الصعيدي والصلابة التي لا تلين، وقال وعيناه مصوبتان نحو الشق الضوئي:ـ "يا سليم.. يا ولد عمي. البوابة دي ما عاد لهاش عازة في دنيانا واصل. دي ثغرة في جدار الجبل، ولو فضلت مفتوحة كديه، الكلاب اللي بـ ينهشوا في ضهرنا.. المنظمة، وجماعة جوليا والمحامي، ع يلاقوا طريق يوصلوا بيه لـ أسرار الأجداد. السحر والوهم اللي جوه ع يخليهم يتحكموا في رقاب الخلائق، وقاسم الراوي مش ع يسمح إن أرض الصعيد تكون ممر لـ غدرهم. البوابة دي لازم تتهد، وتتدفن تحت صخر الصوان لـ حد قيام الساعة."خطا سليم خطوة نحو الأمام، ممسكاً بسلاحه الآلي، وعلامات التقدير والدهاء العسكري ترتسم على وجهه الحاد، ورد بصوت منخفض قوي:ـ "معاك حق يا سلطان. إحنا ع نخوض حرب مع خونة الداخل، مع جابر والمحامي اللي بـ يبيعوا الأرض بـ المتر، والمنظمة واقفه على الأعتاب مستنية إشارة. لو حد فيهم عرف بطريق البوابة دي، مش ع يقدر عليهم واصل لا جيش ولا حكومة. بس كيف ع تهد حجر مسحور بـ القوة دي يا خوي؟ السلاح اللي معايا ده أقصاه يطير رقاب، لكنه ما ع يهدش بوابات أبعاد."ا

  • وردة في عرين السلطان   اللقاء العظيم

    كان الممر الصخري المؤدي إلى خارج الجبل يزداد اتساعاً كلما تقدموا، والرياح الباردة القادمة من أفق النجع بدأت تداعب الوجوه، حاملةً معها رائحة تراب الصعيد الرطب ونبت الحلفاء. مشى قاسم في المقدمة، واضعاً يده الضخمة في يد ليلى، مشبكاً أصابعه بأصابعها بقوةٍ كادت توجع عظامها، لكنها كانت الوجع المحبب الذي يطرد كوابيس الفراق. وخلفهما كان سليم يسير بخطى عسكرية متزنة، عيناه تجولان في الظلام يميناً ويساراً، وسلاحه الآلي في وضع الاستعداد، فرغم عودة السلطان، إلا أن غريزة المخابرات فيه كانت تذكره بأن "خونة الداخل" وجماعة جابر والمحامي لا يزالون يتربصون بالسرايا.في وسط هذا المسير الصامت، بدأت ليلى تلاحظ أموراً غريبة وغير مألوفة تسري في جسد زوجها. لم تكن الملاحظة بالعين المجردة فحسب، بل بحسها التخاطري الجديد الذي بات يقرأ الذبذبات الخفية في الهواء. عندما كانت تنظر إلى جانبه الأيمن، رأت عينيه الصقريتين لم تعودا كالسابق؛ كانتا تلمعان بين الحين والآخر بضوءٍ ذهبيٍ خافت، نبضاتٌ من النور السري تشع من بؤبؤ العين كلما ركز نظره على زاوية معتمة في الكهف، وكأن البُعد الآخر قد ترك وسمه الأبدي في بصيرته.

  • وردة في عرين السلطان   سحر من حجر الجبل

    انطلقت ليلى وسليم في الممر الضيق الذي يعقب مركز الوادي، وكانت شظايا الزجاج المحطم تحت أقدامهما تعزف إيقاعاً مرعباً يتماشى مع دقات قلبيهما. لم تكن جدران الكهف مستقرة، بل كانت المرايا المتبقية على الجوانب تهتز وتتموج كأنها مياه راكدة ألُقيت فيها أحجار ثقيلة. كانت طاقة المكان تتصاعد، محملة بأصداء المؤامرات التي تحاك في عتمة السرايا، وبتلك الأنفاس الخبيثة للمحامي وجابر اللذين يظنان أن العرين بات مستباحاً.وفيما كانت ليلى تتقدم بخطى ثابتة، مدفوعة بذاك العشق الجارف وقوة الشوك التي ولدت في قلبها، لاحظ سليم أن الضباب الرمادي بدأ يتكثف حول قدميه بشكل مريب. كان يحاول أن يكون درعاً لحمايتها، ويراقب الثغرات الأمنية بعين الضابط المحنك، لكن الجبل كان يملك قوانين أخرى لا تعترف بالخطط العسكرية ولا بالتدريب المخابراتي. فجأة، التمعت مرآة ضخمة ذات إطار صخري أسود على يمين سليم، وانبثق منها ضوء أحمر قاني كدمٍ طازج.تصلب جسد سليم في مكانه، وسقط سلاحه الآلي من يده ليرتطم بالأرض الصخرية محدثاً دويّاً حاداً. اتسعت عيناه بذهول، وتحولت نظراته الصقرية إلى نظرات تائهة مستسلمة، فقد وقع في "فخ المرايا" ال

  • وردة في عرين السلطان   اختبار الروح

    كان "وادي المرايا" يمتد أمام ليلى كمتاهةٍ من الزجاجِ المسحور، حيثُ لا صخور ولا رمال، بل جدرانٌ شاهقةٌ من المرايا الصقيلة التي تعكسُ ليس فقط الجسد، بل خبايا الروح وأصداءَ المستقبل. عندما خطت ليلى أول خطوةٍ داخل هذا الوادي، شعرت بأنفاسِها تتجمد، فالمرايا لم تكن عادية؛ بل كانت تتراقصُ فيها صورها، صورٌ لليلى التي قد تكون، وليلى التي كانت، وليلى التي يخشى قاسم أن يراها.وقفت ليلى في المركز، وسط دائرةٍ من المرايا العملاقة. في المرآة الأولى، رأت نفسها منحنية الظهر، ثوبها الصعيدي ممزق، عيناها غارقتان في دموعِ ذلٍّ لا ينتهي، وكأنها ليلى التي استسلمت لمؤامراتِ السيوفي، ليلى التي قبلت أن تعيشَ في الظل، خاضعةً لمن يملكون القوة، ترتجفُ من أدنى تهديد. في المرآة الثانية، رأت نفسها بملابسَ غريبةٍ فاخرة، تضحكُ بشماتةٍ وهي تسلمُ خنجرَ قاسم للمحامي الخائن، وجهها يقطرُ غدراً، وهي تبيعُ النجعَ مقابلَ وعودٍ بالذهب؛ كانت تلك ليلى التي أكلها الطمع، ليلى التي باعت العهدَ بـ "حفنةٍ من وعودٍ كاذبة". أما في المرآة الثالثة، فكانت ليلى تظهرُ بعباءتها السوداء المطرزة، واقفةً بـ شموخٍ يزلزلُ الجبال، عيناها تحم

  • وردة في عرين السلطان   سلطانة العرين الأصلية

    كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، حين انسلت "الحاجة نبيلة" من الظلال لتستقر في وسط الديوان، حيث كان المحامي وجابر لا يزالان يتبادلان الهمسات الخبيثة فوق أوراقهما. لم تكن نبيلة مجرد امرأةٍ مسنة، بل كانت هيبةً تمشي على الأرض، بملامحها التي نحتت فيها السنون قوة لا تقهر، وعباءتها السوداء التي تفيض برائحة العتق والهيبة. وبمجرد ظهورها، تجمد المحامي في مكانه، وحاول جابر أن يخفي الأوراق تحت المقعد، لكن نظرة نبيلة كانت أسرع وأنفذ.اتسعت عينا المحامي بذهول، ثم حاول استجماع أطراف شجاعته المصطنعة، وقال بنبرةٍ شابها الاضطراب: "يا حاجة نبيلة.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ احنا كنا بنخلص شوية أوراق تخص ملكية السرايا..".لم تلتفت له نبيلة، بل سارت ببطءٍ مهيب نحو طاولة القهوة، ووضعت يدها على "الخريطة" التي كانت ملقاةً على الطاولة. قالت نبيلة بصوتٍ هادئ كهدوءِ ما قبل العاصفة: "أوراق إيه يا ابن الأصول؟ إحنا خابرين زين اللي بيحصل، وخابرين إن اللي يمد إيده على أمانة الراوي، إيده بتنقطع. أنا سمعتكم.. سمعت كل كلمة، وعارفة إنكم بتدوروا على ليلى عشان تخلصوا منها وتبيعوا اللي وراكم واللي قدامكم."

  • وردة في عرين السلطان   الخونة في الداخل

    لم تكن القاعة مجرد حيزٍ مكاني، بل كانت تجسيداً لسطوةٍ أزلية، حيث استقر "الصولجان" في يد قاسم، ثقيلاً ببريقِ السلطة المطلقة التي تمنح صاحبها مفاتيح الكون. كان الصولجان مصنوعاً من معدنٍ لا تعرفه الطبيعة، ينبض بذبذباتٍ تجعل الجبال تهتز وتتوقف عقارب الزمان. وفي تلك اللحظة، كان الحكماء يحيطون به، عيونهم تترقبه، ينتظرون منه أن ينحني، أن يعلن خضوعه لهذا النفوذ الكوني الذي سيهبه ملكاً لا يزول، ولا يطاله غدرُ الغادرين ولا كيدُ الكائدين في نجع الراوي.نظر قاسم إلى الصولجان، كان يشعر بنبضِ القوة يسري في عروقه، يغويه بأن ينسى ليلى، وينسى النجع، وينسى دماء أجداده التي تطلب منه المواجهة، ليصبح كياناً متسامياً فوق البشر. لكن في تلك اللحظة، وبينما كان الحكماء يتهامسون بكلماتِ القبول، صعدت إلى أنفِ قاسم رائحةُ "التراب" بعد المطر، رائحةُ الأرض الصعيدية الحرة، وتذكر كيف كان يغرسُ قدميه في طينِ النجع، وكيف كان يذودُ عن كل حبة رملٍ بدمائهِ لا بسحرِ الغرباء.ـ "سلطة إيه اللي بتكلموني عنها؟" زأر قاسم بصوتٍ جعلَ الصوان الأسود يتصدع تحت أقدامه. "عاوزيني أشتري ملكي في الدنيا بـ طعمي لـ عهدي مع ليلى؟

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status