Home / الرومانسية / وردة في عرين السلطان / مواجهة في ردهة العز

Share

مواجهة في ردهة العز

last update publish date: 2026-06-18 06:00:22

لم تكن شمس الصعيد قد أشرقت بعد، كان الفجر يزحف ببطء كحبر رمادي ينسكب فوق قمم "جبل الراوي" الشامخة، مغلفاً النجع بأكمله بوشاح من الضباب الكثيف والبرودة القارسة. في هذا الوقت الميت من الليل، حيث تخمد الأنفاس وتهدأ الحركة، كانت الحركة داخل المربوع الخلفي للسرايا تدور في سرية مطلقة لا يعلم مستقرها إلا الله.

كان قاسم الراوي يقف أمام مرآة خشبية عتيقة، يرتدي ثياباً لم يعتد نجع الراوي رؤيته بها؛ لقد تخلى مؤقتاً عن عباءته الصعيدية الفضفاضة وعصاه الأبنوسية، ليرتدي حُلة سوداء عصرية تلتف حول جسده الرياضي العريض بصرامة، يخفي فوقها معطفاً طويلاً داكناً. كان هذا التحول في المظهر بمثابة إعلان مبطن عن تغيير استراتيجية المعركة؛ فالحرب في الجبل تحتاج للبارود والجسارة، أما الحرب في "البندر" (القاهرة) فتحتاج إلى الدهاء والسرعة والتحرك كالأشباح بين ردهات الأبراج العالية وخزائن المال المغلقة.

بجواره، كان يقف سليم، ذراعه الأيمن ورجل المهام المستحيلة، يتفحص مخازن الذخيرة والمسدسات الكاتمة للصوت بتركيز شديد قبل إخفائها تحت معطفه. التفت قاسم نحو سليم، وكانت عيناه تقطران ببريق حاد كالشفرة، وقال بصوت منخفض، أجش يحمل ثقل الجبال:

"السفرية دي يا سليم واعر السكك فيها.. إحنا رايحين نضرب روس الأفاعي في جحرها جوة مصر. البندر هناك ملهوش أمان، والكلاب اللي واقفين ورا ميرال وجوليا فاكرين إننا صيد سهل برا النجع. خزنة 'السيوفي' فيها الورق اللي يقطع رقابيهم كلهم، والورق ده لازم يكون في يدي قبل واصل بكرة الصبح.. النجع كله أمانة في رقبتك لحد ما نوصل هناك ونخلص الحساب."

رد سليم بنبرة حازمة وهو يغلق سحاب حقيبة جلدية صغيرة تحتوي على أدوات فتح الخزائن الإلكترونية:

"على رقبتي يا سلطان. الرجال جاهزين والسيارات بـ تلف من ورا الجبل عشان عيون الجواسيس. بس السرايا يا واد عمي.. ميرال مش هتهدا، وفوزية عاد بـ تلف وتدور، وإنت سايب الجمل بـ الحمل."

ابتسم قاسم ابتسامة غامضة، التفت بجسده نحو النافذة المطلة على الجبل الشامخ، وأغمض عينيه ببطء. لم يكن قاسم يترك سراياه بلا حماية؛ فقد كان يملك سلاحاً أقوى من كل بنادق رجاله. تنفس بعمق، ووجه كل ذرة من وعيه وروحه نحو الطابق العلوي، حيث تنام سلطاته "ليلى".

في تلك اللحظة، وفي غرفتها المظلمة، انتفضت ليلى من فراشها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة، وشعرت بقشعريرة ساخنة تضرب جسدها. لم يكن هذا كابوساً، بل كانت طاقة قاسم التخاطرية تخترق جدران السرايا وتستقر في عقلها مباشرة كصوت رعد نقي ودافئ. أحست بنبرته الصارمة والعاشقة تتردد داخل وعيها:

"ليلى.. اسمعيني زين يا نبض قاسم وسلطانته. أنا مسافر مصر بـ السر مع سليم عشان أقطع لسان الأفاعي وأجيب من خناقهم الورق اللي يحمي أرضنا. السرايا عاد في غيابي أمانتك إنتِ.. طاقة الجبل اللي جوة عروقك هي حارسك، وميرال لو حاولت تتنطط أو تفرض واصي على الحريم والخدم، تكسري رقبتها بـ اسمي. رجالة الراوي المخلصين برة واصلين لـ رمش عينك، طيعيهم وهيطيعوكي.. إنتِ السلطانة في غيابي، وعيون قاسم مش بـ تفارقك."

وضعت ليلى يدها على صدرها، وشعرت بدقات قلبها تتناغم مع نبضات قاسم البعيدة. امتلأت روحها بقوة وثقة عمياء، وتلاشت رجفتها تماماً لتتحول إلى صلابة صخرية تليق بامرأة سلطان الجبل. نظرت نحو النافذة وهمست في الظلام بكبرياء:

"توصل بـ السلامة يا فهد الجبل.. ويميناً عظيم، السرايا دي ما يدخلها واصي ولا يتدنس ترابها طول ما فيا نفس بـ يتردد."

في الأسفل، فتح قاسم عينيه، وشعر بالارتياح يسرى في جسده بعد أن استقبل إشارتها الروحية الواثقة. التفت إلى سليم وأومأ له برأسه قائلاً:

"جاهزين يا سليم.. يلا بينا نهد البندر على روسهم."

ودلف الرجلان إلى عتمة الليل، ينسلان كظلال سوداء نحو السيارة التي انطلقت بلا أضواء، تاركين خلفهما سرايا مشحونة بانتظار العاصفة القادمة.

مع حلول خيوط الشمس الأولى وتأكد غياب قاسم الذي ظن الجميع أنه انزوى في غرفته أو سافر لمكان مجهول هرباً من الفضيحة والقضية، ظنت ميرال أن الساحة قد خلت لها تماماً، وأن عرش نجع الراوي بات قاب قوسين أو أدنى من قبضتها الفاخرة.

دلت ميرال من جناحها بخطوات متبخترة، يسبقها رنين كعب حذائها العالي على الأرض الرخامية، وكانت ترتدي فستاناً عصرياً ضيقاً يفيض غطرسة وتحدياً لتقاليد المكان. وقفت في منتصف ردهة السرايا الكبرى، حيث يتجمع الخدم وحريم السرايا في الصباح الباكر لبدء أعمالهم اليومية. صفق بيدها بعنف وقسوة، وصاحت بنبرة حادة، متعالية، تحمل كل معاني الاستخفاف:

"اسمعوا هنا كلكم! من هنا ورايح، مفيش كلمة بـ تمشي في السرايا دي غير كلمتي أنا. قاسم الراوي خلاص وقته انتهى، والأوراق والتقارير بـ تقول إنه مش مؤهل يدير شبر واحد هنا. أي حد من الخدم أو الحريم هيخالف أوامري أو هيروح يشتكي لـ ليلى، هرميه برا النجع كله بـ هدومه. السرايا دي بقت تحت طوعي وطوع المنظمة، ومفهوم؟!"

ساد الصمت والوجوم وجوه الخدم والنساء اللواتي انحنين برؤوسهن خوفاً وكمداً، وبدأت الهمهمات المذعورة تنتشر في الأركان. شعرت ميرال بنشوة الانتصار الزائف، ورفعت رأسها بكبرياء غادر، ظناً منها أن أحداً لن يجرؤ على الوقوف في وجهها.

ولكن، فجأة، قُطع هذا الطغيان المستفز بصوت حاد، رصين، يهز القلوب، انبعث من أعلى الدرج الرخامي:

"السرايا دي ليها سلطانة واحدة، وطول ما هي واقفه على رجليها، مفيش حرمة خاينة تقدر تعلي صوتها أو تفرض واصي على ناس الراوي!"

التفتت الأعناق جميعاً نحو الأعلى بذهول ولهفة. كانت ليلى تهبط الدرج ببطء وثبات أسطوري، يسبقها شموخ صعيدي لم تره السرايا من قبل. كانت ترتدي عباءة سوداء فاخرة مطرزة بخيوط الذهب عند الأكمام، وتضع شالاً حريرياً يغطي شعرها بكبرياء وعزة، وعيناها تقدحان بشرار طاقة الجبل التي استمدتها من عهد قاسم السري. كانت ملامحها خالية تماماً من الخوف، بل كانت تفيض بسلطة شرعية تزلزل الأرض تحت أقدام ميرال.

وقفت ليلى في نهاية الدرج، على بعد خطوات قليلة من ميرال، ونظرت إليها بنظرة احتقار من الأعلى إلى الأسفل، وقالت بصوت قوي تردد صداه في جنبات الردهة الواسعة:

"ميرال.. إنتِ فاكرة لما قاسم يغيب كام ساعة عشان يخلص شغله، السرايا هتبقى سداح مداح ليكي ولأسيادك في المنظمة؟ إنتِ هنا مجرد ضيفة بـ اللقمة، والورق اللي بـ تتنططي بيه ده بـ تبليه وتشربي ميته.. السرايا دي محمية بـ رجالتها وبـ طهارة أرضها."

احتقن وجه ميرال بالغل والغضب، وخطت خطوة نحو ليلى وهي ترفع سبابتها بتهديد:

"إنتِ بـ تتحديني يا ليلى؟! إنتِ حتة حرمة لا راحت ولا جت، وقريب قوي هرميكي في الشارع مع جوزك المجنون! أنا معايا القانون ومعايا..."

ولكن قبل أن تكمل ميرال كلمتها، رفعت ليلى يدها ببطء وصمت، وضعت إصبعين فقط في الهواء وأطلقت إشارة واضحة. وفي لمح البصر، اندفع من الأبواب الجانبية والعملاقة للسرايا عشرة من كبار رجالة الراوي المخلصين، مدججين بالأسلحة والبنادق الآلية، يقودهم كبير الحراس بملامحه الصارمة التي لا تعرف المزاح. تقدموا بخطوات عسكرية ثقيلة وأحاطوا بميرال في حلقة مغلقة، جاعلين فوهات بنادقهم تتجه نحو الأرض في وضع الاستعداد، وعيونهم مثبتة على ليلى بانتظار أمر واحد منها.

صُدمت ميرال وتراجعت خطوة للخلف، واختفت نبرة الغطرسة من صوتها ليحل محلها التوتر والذهول وهي ترى ولاء الرجال المطلق لهذه المرأة. نظرت ليلى إلى ميرال ببرود قاتل وقالت بنبرة حاسمة كحد السيف:

"الرجالة دول مش بـ يطيعوا غير سلطان الجبل، وقاسم سابلي أمرهم وأمر السرايا كلها في يدي. ومن دلوق يا ميرال، إنتِ ممنوعة من الحركة واصل. هتاخدي بعضك وبـ أدب الدنيا كله تطلعي على أوضتك، ورجليكي ما تعتبش الردهة دي ولا تقابلي حد من برا لحد ما السلطان يرجع ويتحاسب معاكي بـ نفسه. ولو فكرتي تخالفي الأمر، الرجالة دول هيرموكي في المخزن تحت الأرض ومحدش هيسمعلك حس."

التفتت ليلى نحو الحراس وقالت بلهجة صعيدية قاطعة:

"يا عتمان.. خد الحُرمة دي على أوضتها، وتفضلوا واقفين على بابها، لا تدخلو لها واصل ولا تخرجوها، وأي حس بـ يطلع منها تبلغوني بيه فوراً."

رد عتمان بطاعة عمياء وهو يضرب كعبي حذائه أرضاً:

"أمرك يا سلطانة.. السرايا وسيدتها فوق راسنا."

نظرت ميرال حولها برعب وغل دفين، وشعرت بالقهر والإهانة وهي ترى الخدم يبتسمون بتشفٍّ، ولم تجد أمامها مفراً سوى الانصياع. التقطت حقيبتها بعنف واستدارت لتصعد إلى غرفتها وهي تجر أذيال الخيبة والكسرة تحت حراسة مشددة من رجال الراوي. وقفت ليلى في منتصف الردهة، تتابع صعودها بعيون صقر لا ينام، مستشعرةً روح قاسم تحوم حولها وتشد من أزرها، لتثبت للجميع أن عرين السلطان لا يمكن أن ينال منه الخونة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وردة في عرين السلطان   تجديد العهد

    عجّت ساحات السرايا الشاسعة وجنبات نجع الراوي ببهجة عارمة دوت أصداؤها في كبد الليل، وانقشعت تلك الغُمّة الثقيلة التي جثمت على صدور العباد لشهور. انطلقت الزغاريد الصعيدية الحارة، المتلاحقة والقوية من حناجر النساء فوق الأسطح وفي الردهات، لتشق سكون الجبل العتيق كأناشيد النصر المؤزر. تزينت أسوار السرايا بالمشاعل المشتعلة وفوانيس الضياء التي بددت كل بقعة عتمة كانت تختبئ فيها مؤامرات الأفاعي، وتبدلت ملامح الوجوم التي ارتسمت على وجوه الخدم والحشم إلى ابتسامات رضا وارتياح بعد زوال خطر ميرال وخيانة فوزية التي طهرت الأرض من دنسهما.وفي ساحة الذبح الكبرى الملحقة بالدوار الخلفي، تراكض رجال النجع المخلصون مشمرين عن سواعدهم السمراء المفتولة تحت ضوء النيران المشتعلة في الأجران. كان قاسم الراوي يقف بطوله الفارع وكبريائه الطاغي وسط الحشد، مرتجلاً بين رجاله بعباءته المقصبة بالذهب التي تفوح بعطر الهيبة والانتصار، والمسدس الثقيل يلمع بوقار في جعبته. أشار بيده القوية وعصاه الأبنوسية نحو الماشية والذبائح، وخرج صوته جهورياً، رخيماً يحمل كرم السلاطين وشهامة أهل الأرض:"اذبحوا يا رجال!.. أريحوهم واطع

  • وردة في عرين السلطان   عودة أسياد الأرض

    اجتمع كبار وعواقل نجع الراوي في ليل صامت شديد البرودة، داخل المقعد الكبير الملحق بالسرايا، حيث كانت جدرانه الحجرية العتيقة تفوح برائحة الهيبة والتاريخ. تصاعدت أعمدة الدخان الكثيف من نراجيل الشيوخ والمجالس وعقدت الوجوه الصارمة الحواجب تحت عماماتها البيضاء، خيم وجوم ثقيل على الحضور، فلا أحد كان يفهم سر هذا الاستدعاء العاجل بعد منتصف الليل، سوى أن هناك أمراً جللاً يهدد كيان النجع.جلس قاسم الراوي في صدر المجلس كطود شامخ، ترتسم على ملامحه الأبنوسية القاسية علامات النصر والدهاء، بينما كان سليم يقف خلفه كظله الحارس، يده قريبة من مقبض سلاحه. وعلى الجانب الآخر من المجلس، كانت ميرال تجلس مدعومة ببعض الأوراق المزورة، تحاول جاهدة الحفاظ على قناع البرود والغَطرسة البندرية، رغم أن رجفة خفية في أطراف أصابعها كانت تفضح ذعرها المكتوم من نظرات قاسم التي لم تفارقها.في اللحظة التي استقر فيها الصمت، وقف قاسم بطوله الفارع، وبحركة مسرحية حاسمة ألقى بالملف الجلدي الأسود وسط الطاولة المستديرة التي يتجمع حولها كبار النجع. ارتطم الملف بالخشب ليحدث دوياً جفل له الحضور. التفت قاسم إلى شيوخ القبائل وعو

  • وردة في عرين السلطان   اختراق حصون السيوفي

    قال قاسم وعيناه تثبتان اللواء في مكانه:"عارفك زين يا رفعت بيه.. عارف إنك اللواء اللي قبضت ملايين من منظمة جوليا عشان تبيع ناسك وبلدك، وعارف إنك الغطاء الكبير اللي واقف ورا ميرال والكلاب الأغراب عشان تلووا دراع قاسم الراوي بـ قضية الحجر والجنون. الملف اللي قدامك ده هو 'الصندوق الأسود' بتاعك.. فيه كل حساباتك السرية في سويسرا، وتواريخ المقابلات اللي تمت بينك وبين جوليا في المراكب العايمة، وأوامر رفع الحراسة عن النجع عشان رجالة المنظمة يدخلوا يسرقوا الدهب."شحب وجه اللواء رفعت تماماً، وارتعشت يده التي تمسك السيجار وسقطت فوق المكتب. فتح الملف بسرعة بـأصابع ترتجف، وبدأ يقلب الأوراق التي تحتوي على صور مستندات رسمية وتحويلات بنكية لا تقبل الشك، وهي أدلة كافية لتعليقه على حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى وتلقي الرشاوي. نظر إلى قاسم بذعر وهوان وقال:"أنت.. أنت جبت الحاجات دي منين؟ قاسم.. اسمعني، إحنا ممكن نتفاهم.. كل حاجة وليها حل."انحنى قاسم نحو وجهه بقسوة، وضغط بسبابه على الطاولة وقال بصوت كالسيف القاطع:"الحديث عاد مفيش فيه تفاهم يا رفعت! إحنا هنا بـ نؤمر وإنت بـ تنفذ

  • وردة في عرين السلطان   ليلة الحساب

    تلبدت أجواء بهو السرايا الرئيسي بغيمة كثيفة من التوتر والترقب، وتحولت الرخامات البيضاء التي شهدت قبل لحظات إنقاذ الحاجة نبيلة إلى ساحة معركة مفتوحة. لم يعد هناك مجال للمواربة أو الأقنعة؛ فقد هبطت ميرال درجات السلم بخطوات متسارعة، حانقة، يشتعل وجهها بحمرة الغيظ والغل بعدما رأت مخططها الدنيء يتهاوى ويتحطم كشظايا الكأس الملقاة على الأرض. كانت تتقدم وعيناها تقدحان ببرود وحشي انكسر أمام صمود سلطانة الجبل.وقفت ميرال في مواجهة ليلى وسط البهو، وكانت تتنفس بحدة، ترفع رأسها بكبرياء "البندر" الزائف وتنظر إلى ليلى بعيون مليئة بالاحتقار والوعيد، وصاحت بنبرة حادة هزت جدران السرايا:"أنتِ فاكرة نفسك إيه يا ليلى؟! حتة حرمة جاهلة جاية من ورا البهائم بـ تتحداني أنا؟ بـ تكسري الكأس في وشي وعاملة فيها الحارس الأمين؟! السرايا دي كلها بـ اللي فيها هتهد فوق روسكم، وقاسم بتاعك خلاص ورق جنونه ومحوه من الدنيا في يدي، مش هتلحقي تتباكي على موته وموت العجوزة دي!"لم تهتز ليلى أنملة واحدة أمام هذا السيل من السباب والتهديدات؛ بل كانت تقف كالطود الشامخ، عيناها تلتمعان بطاقة الجبل وعنفوان الصعيد، تفيضا

  • وردة في عرين السلطان   فك أسرار الخزنة

    كان ليل القاهرة (البندر) يزحف ببطء كئيب فوق أسطح البنايات الشاهقة، حاملاً معه صخب شوارعها وضجيج سياراتها الذي لا يهدأ، لكن خلف الجدران الصماء لبرج "السيوفي" الفاخر بقلب العاصمة، كان الصمت المطبق هو سيد الموقف. تداخلت أضواء النيون المنعكسة من الشوارع عبر النوافذ الزجاجية الكبيرة لترسم خطوطاً باهتة داخل المكتب الفخم والمغطى بالسجاد العجمي الثمين.وسط هذه العتمة، تحرك قاسم الراوي وسليم كالأشباح التي لا تكاد تطأ أقدامها الأرض. كان قاسم قد نزع معطفه الطويل، وظهرت بنيته الجسدية القوية بقميصه الأسود المشدود، وعيناه تلمعان ببريق ذئبي حاد يتربص بالصيد. بجواره، كان سليم يمسك بحقيبة الأدوات الإلكترونية، يوزع نظراته الذكية بين شاشات المراقبة المعطلة مؤقتاً وبين الممر المؤدي إلى الخزانة السرية.تنفس قاسم بعمق، وأخرج هاتفه المحمول المشفر الذي أضاء وجهه الأسمر الصارم. ضغط على زر الاتصال لتأتيه النبرة المتهدجة والباكية من الضفة الأخرى؛ كانت فوزية تتحدث من ركن مظلم داخل سرايا الصعيد، وصوتها يرتعش بندم حقيقي زلزل كيانها بعد تهديدات ميرال الأخيرة لها بالقتل، وقررت أن تكفر عن ذنبها وتنقذ دمها و

  • وردة في عرين السلطان   مواجهة في ردهة العز

    لم تكن شمس الصعيد قد أشرقت بعد، كان الفجر يزحف ببطء كحبر رمادي ينسكب فوق قمم "جبل الراوي" الشامخة، مغلفاً النجع بأكمله بوشاح من الضباب الكثيف والبرودة القارسة. في هذا الوقت الميت من الليل، حيث تخمد الأنفاس وتهدأ الحركة، كانت الحركة داخل المربوع الخلفي للسرايا تدور في سرية مطلقة لا يعلم مستقرها إلا الله.كان قاسم الراوي يقف أمام مرآة خشبية عتيقة، يرتدي ثياباً لم يعتد نجع الراوي رؤيته بها؛ لقد تخلى مؤقتاً عن عباءته الصعيدية الفضفاضة وعصاه الأبنوسية، ليرتدي حُلة سوداء عصرية تلتف حول جسده الرياضي العريض بصرامة، يخفي فوقها معطفاً طويلاً داكناً. كان هذا التحول في المظهر بمثابة إعلان مبطن عن تغيير استراتيجية المعركة؛ فالحرب في الجبل تحتاج للبارود والجسارة، أما الحرب في "البندر" (القاهرة) فتحتاج إلى الدهاء والسرعة والتحرك كالأشباح بين ردهات الأبراج العالية وخزائن المال المغلقة.بجواره، كان يقف سليم، ذراعه الأيمن ورجل المهام المستحيلة، يتفحص مخازن الذخيرة والمسدسات الكاتمة للصوت بتركيز شديد قبل إخفائها تحت معطفه. التفت قاسم نحو سليم، وكانت عيناه تقطران ببريق حاد كالشفرة، وقال بصوت من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status