LOGINفي صباح اليوم التالي، وصلت ليان إلى مقر شركة مراد للتطوير العقاري.
كانت جدتها قد احتفظت بحصصها في الشركة طوال السنوات الماضية، بينما تولى مجلس الإدارة شؤونها اليومية. أما ليان، فقد بدأت مؤخرًا تأسيس قسم مستقل للتصميم الداخلي وترميم المباني التاريخية. لم تكن تريد أن تعيش على ثروة عائلتها وحدها. أرادت بناء شيء يحمل اسمها. استقبلتها مساعدتها نورا عند المصعد. «صباح الخير. لديكِ اجتماع مع المدير المالي بعد عشر دقائق.» «هل حدث شيء؟» ترددت نورا. «وصلتنا رسالة غريبة هذا الصباح.» توقفت ليان. «أي رسالة؟» ناولتها ملفًا أسود. فتحته وهي تسير نحو مكتبها. في الصفحة الأولى، كان هناك إشعار رسمي من مكتب محاماة يتحدث عن مراجعة اتفاقيات قديمة تخص مجموعة من العقارات التاريخية في إيفورا. لم يكن ذلك غريبًا بحد ذاته. لكن الاسم الموجود أسفل الصفحة جعلها تتوقف. مجموعة الراوي القابضة. رفعت عينيها نحو نورا. «لماذا يظهر اسم هذه الشركة في ملفاتنا؟» «لا نعرف بعد. يبدو أن هناك اتفاقية قديمة تربط المجموعتين.» «اتفاقية بشأن ماذا؟» «ملكية بعض المباني والأراضي في الحي التاريخي.» قلبت ليان الصفحة. كانت هناك إشارة إلى مشروع لم تسمع عنه من قبل. مشروع إيفورا السابع. تجمدت أصابعها. السابع. نظرت إلى حقيبتها، حيث احتفظت بالمفتاح النحاسي الذي تركته جدتها. الرقم نفسه. هل كانت مصادفة؟ أغلقت الملف بسرعة. «أريد نسخة من كل وثيقة تخص هذا المشروع. ولا تتحدثي عنه مع أحد خارج المكتب.» أومأت نورا. «حاضر.» وحين خرجت، بقيت ليان وحدها تتأمل الاسم المكتوب أمامها. مجموعة الراوي. مرة أخرى. كأن ذلك الاسم قرر ملاحقتها أينما ذهبت. ⸻ في الطابق الأربعين من برج الراوي، كان آدم يراجع تقريرًا ماليًا حين دخل مساعده الشخصي، دانيال. «سيدي، وصل ملف يحتاج إلى توقيعك.» لم يرفع آدم عينيه. «ضعه على المكتب.» «الأمر يتعلق بعائلة مراد.» توقفت يده عن الكتابة. رفع رأسه ببطء. «ماذا قلت؟» «وصل إشعار قانوني بشأن مشروع عقاري قديم تشترك فيه مجموعتنا مع شركة مراد.» أخذ آدم الملف وفتحه. قرأ الصفحة الأولى، ثم الثانية. كانت هناك أسماء وتواريخ تعود إلى سنوات طويلة قبل أن يتولى إدارة الشركة. وفي أسفل إحدى الصفحات، وجد توقيع والده. توقيعًا لم يره منذ طفولته. ساد صمت طويل. «من أرسل هذا الملف؟» «مكتب المحاماة المسؤول عن مراجعة الاتفاقيات القديمة.» «من طلب المراجعة؟» «هذا ما نحاول معرفته، سيدي.» أغلق آدم الملف. «أريد اسم الشخص الذي أعاد فتح هذا المشروع. اليوم.» «حاضر.» تحرك دانيال نحو الباب، لكن آدم أوقفه. «وهناك أمر آخر.» «نعم، سيدي؟» «لا تخبر عمي بهذا الملف.» ظهر الاستغراب على وجه دانيال، لكنه أخفاه بسرعة. «كما تأمر.» بعد خروجه، عاد آدم إلى الصفحة التي تحمل توقيع والده. كان اسم المشروع مكتوبًا أعلى الورقة. إيفورا السابع. لم يعرف لماذا شعر أن تلك الكلمات ليست مجرد اسم مشروع تجاري. لكن حدسه نادرًا ما خذله. ⸻ عند المساء، كانت ليان تقف أمام بوابة حديدية عالية، خلفها قصر حجري قديم تحيط به أشجار السرو. قصر الراوي. المكان الذي حذرتها جدتها من الاقتراب منه طوال حياتها. لم تكن تنوي الدخول خلسة، ولا مواجهة أحد. أرادت فقط رؤية المكان الذي التُقطت فيه صورة والدتها. لكن حين اقتربت من البوابة، خرجت سيارة سوداء فاخرة من الممر الداخلي. تراجعت خطوة. توقفت السيارة أمامها. انخفض الزجاج المظلل ببطء. وظهر وجه لم تكن مستعدة لرؤيته مرة أخرى. آدم الراوي. تأملها بصمت لثوانٍ. لم يكن يتوقع أن يرى المرأة التي غادرت غرفته صباح الأمس تقف أمام منزل عائلته. قال أخيرًا، بصوت منخفض لا يحمل أي ترحيب: «أنتِ؟» شعرت ليان بأن قلبها يتسارع، لكنها رفعت ذقنها بثبات. «مساء الخير.» لم يبادلها التحية. انتقلت عيناه من وجهها إلى البوابة خلفها. «ماذا تفعلين هنا؟» كانت تستطيع اختراع عشرات الأعذار. لكنها اختارت الحقيقة الوحيدة التي لن تكشف سرها. «أبحث عن شخص.» ضاقت عيناه قليلًا. «ومن يكون؟» نظرت إليه مباشرة. «هذا لا يعنيك.» للحظة، خُيّل إليها أنها رأت ظل ابتسامة عند زاوية فمه. لكنها اختفت قبل أن تتأكد. «أنتِ تقفين أمام منزلي، وتخبرينني أن الأمر لا يعنيني؟» لم تتراجع. «لم أكن أعرف أنك تسكن هنا.» كان ذلك كذبًا واضحًا. وعرف آدم أنها تكذب. لكنه لم يعلّق. بدلًا من ذلك، نظر إلى الحارس الواقف عند البوابة. «افتح.» ثم عاد بنظره إليها. «ابتعدي عن المدخل.» تراجعت ليان جانبًا، ومرت السيارة ببطء. ظنت أن اللقاء انتهى. لكن السيارة توقفت بعد أمتار قليلة. انخفض الزجاج مرة أخرى. «بالمناسبة…» التفتت نحوه. قال آدم بنبرة هادئة: «لم أعرف اسمكِ بعد.» ترددت للحظة. ثم أجابت، وهي تنظر مباشرة إلى عينيه: «ليان.» صمتت ثانية قبل أن تضيف: «ليان مراد.» لم يتحرك آدم. لكن شيئًا تبدّل في عينيه. شيء بارد وحاد، جعلها تدرك أنه فهم تمامًا ما يعنيه الاسم. ظل ينظر إليها طويلًا، ثم قال: «مراد؟» أومأت دون أن تخفض رأسها. وللمرة الأولى منذ لقائهما، لم يجد آدم ردًا فوريًا. كانت المرأة التي أمضى معها ليلة لم يستطع تفسيرها… تنتمي إلى العائلة الوحيدة التي حذّره عمّه من الاقتراب منها.الفصل 43 كان الفجر قد بدأ يتسلل عبر نوافذ المستشفى حين فتح آدم عينيه. لم يكن قد نام فعلًا. كان جالسًا بجوار سرير ليان، ممسكًا بيدها منذ ساعات. تحركت أصابعها بين أصابعه. رفع رأسه فورًا. — ليان؟ فتحت عينيها ببطء، وتأملت وجهه المتعب. — ما زلت هنا؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — يبدو أنكِ توقعتِ أن أهرب. حاولت الابتسام، لكنها تأوهت عندما تحركت. اعتدل آدم فورًا. — لا تتحركي. — آدم، أنا بخير… نظر إليها نظرة صارمة. — أنتِ في العناية المركزة، يا ليان. لا تختبري صبري. همست: — حتى هنا تريد إصدار الأوامر؟ اقترب منها، وأبعد خصلة شعر عن جبينها. — خصوصًا هنا. ثم انخفض صوته. — لقد أخفتِني. تأملت عينيه. لم تعتد سماع مثل هذه الكلمات منه. — أنا آسفة… تغيرت ملامحه. — لا تعتذري عن شيء لم يكن ذنبكِ. انحنى وقبل جبينها برفق. — المهم أنكِ عدتِ إليّ. بعد يومين، تحسنت حالة ليان بما يكفي لنقلها إلى غرفة خاصة. أصر آدم على أن تكون الغرفة هادئة وبعيدة عن الصحافة، وأن تُنظم الزيارات وفق رغبتها وتعليمات الأطباء. كانت روز تزورها صباحًا، بينما تأتي سيلين كل مساء محملة بالزهور والحكايات
الفصل 42 ظل آدم يحدق في الرجل الجالس أمامه. — الأبواب الثلاثة؟ ابتلع الخاطف ريقه. — هذا كل ما سمعته، أقسم لك. اقترب آدم منه، ووضع يديه على طرف الطاولة. — من الذي قال ذلك؟ — الرجل الذي كان يعطينا التعليمات. — اسمه؟ — لا أعرف. لمعت عينا آدم بغضب مكبوت. — هل تتوقع مني أن أصدق أنكم اختطفتم امرأة وعذبتموها دون أن تعرفوا من يدفع لكم؟ ارتجف الرجل. — كنا نتلقى المال والأوامر. لم نرَ وجهه. استقام آدم ببطء. — إذن ستساعدني في الوصول إليه. أشار إلى دانيال. — احتفظوا بالهواتف وكل ما يتعلق بالرسائل. أريد أن يعرف المحققون مصدرها. ثم التفت إلى الخاطف للمرة الأخيرة. — إذا حدث لها شيء، فلن أنسى وجه أي واحد منكم. غادر الغرفة دون انتظار إجابة. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما وصل آدم إلى المستشفى. لم يبدل قميصه الملطخ بالدماء. ولم يهتم بنظرات الموظفين الذين تعرفوا إليه. كان دانيال يسير خلفه عندما توقفت ممرضة أمامهما. — السيد الراوي؟ — كيف حالها؟ — لا تزال تحت المراقبة الدقيقة. الطبيب يريد التحدث إليك. دخل آدم إلى غرفة صغيرة حيث كان الطبيب ينتظره. — أجرينا الفحوصات، وت
الفصل 41 في الغرفة المعتمة، سمعت ليان صوت محرك سيارة يتوقف بالخارج. ثم أصوات رجال يتجادلون. — الراوي لم يرد على الرسالة! — سيجيب عندما يرى الصورة التالية. ارتجفت ليان. اقتربت من الباب قدر ما سمحت به قيودها. سمعت رجلًا يقول: — لدينا أوامر بنقلها قبل الفجر. تراجعت ببطء. نقلها؟ إلى أين؟ حاولت تحريك معصميها مجددًا، لكن الألم جعلها تتوقف. ثم سمعت صوتًا آخر، أكثر حدة: — انتظر. هناك سيارات تقترب من الطريق. ساد صمت مفاجئ. تبعته خطوات مسرعة. وانطفأ الضوء أسفل الباب. رفعت ليان رأسها. كان قلبها يخفق بعنف. لم تعرف إن كان القادمون رجال الشرطة… أم أن خاطفيها يستعدون لنقلها إلى مكان أسوأ. وفي الخارج، على الطريق المؤدي إلى المستودعات القديمة، توقفت سيارة سوداء تتبعها أربع سيارات أخرى. نزل منها آدم الراوي. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وملامحه جامدة بصورة مخيفة. اقترب رئيس حراسته. — سيدي، تأكدنا من وجود ثلاثة رجال في الداخل. وهناك سيارة جاهزة خلف المبنى. نظر آدم إلى المستودع. — والفتاة؟ — في إحدى الغرف الشرقية، وفق ما استطعنا تحديده. خلع آدم ساعته ووضعها في جيبه. — أريده
الفصل 40 كان صوت آدم منخفضًا، ثابتًا، لا يشبه صوت رجل فقد السيطرة. بل صوت رجل اتخذ قرارًا. — دانيال. — نعم، سيدي؟ — أخبر المفتش بكل شيء. وأريد كل تسجيل يمكن أن يحدد اتجاه خروجهم. ثم أضاف وهو يتجه نحو الباب: — لن أسمح لهم باستخدامها لإجباري على شيء. وسأعيدها إلى هنا. لم يكن يعلم أين أخذوها. ولا ماذا يريدون منه بعد. لكنه كان يعرف أمرًا واحدًا. أن الرجال الذين اختطفوا ليان مراد لم يدركوا بعد أي عاصفة أيقظوها. لم يسبق لدانيال أن رأى آدم الراوي بهذه الحالة. كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، يحدق في صورة ليان على هاتفه، بينما انعكست أضواء إيفورا على وجهه الجامد. لم ينطق بكلمة منذ مغادرته الشركة. لكن يده كانت تقبض على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. — سيدي، الشرطة وصلت إلى الفندق، قال دانيال بحذر. — ونورا؟ — بخير. أصيبت بخدوش بسيطة، وهي تدلي بإفادتها الآن. أغمض آدم عينيه لحظة. كان يتذكر آخر رسالة من ليان. «ولهذا أثق بكِ.» كتبها لها صباحًا. والآن كانت مقيدة في مكان مجهول. فتح عينيه. — أريد أن أعرف كيف خرجوا بها من الفندق رغم وجود الحراس
الفصل 39 مرّ يومان على الرسالة الأخيرة. يومان لم يحدث فيهما شيء غير مألوف. لم تصل صور مجهولة، ولم تظهر سيارات سوداء قرب الفندق، حتى إن رجال الحراسة أكدوا أن الطرق المحيطة بالقصر بدت هادئة. لكن آدم الراوي لم يكن رجلًا يطمئن إلى الهدوء بسهولة. كان يعرف أن بعض العواصف لا تعلن قدومها. في الثامنة صباحًا، دخلت ليان غرفة الطعام، فوجدت آدم جالسًا أمام حاسوبه، وإلى جانبه فنجان قهوة لم يمسّه. اقتربت منه. — صباح الخير. رفع عينيه. — صباح الخير. نظرت إلى الفنجان، ثم إلى وجهه. — هل نمت أصلًا؟ — قليلًا. جلست مقابله. — آدم، أنت لا تستطيع إدارة إمبراطورية كاملة والتحقيق في جريمة عمرها عشرون عامًا ومراقبة حياتي في الوقت نفسه. أغلق حاسوبه. — أستطيع إدارة أول أمرين بسهولة. رفعت حاجبها. — والثالث؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — الثالث عنيد بصورة غير معقولة. ضحكت ليان. — مسكين أنت. مد يده نحو فنجانها، وأبعده قليلًا قبل أن تشرب. — تناولي إفطارك أولًا. نظرت إليه باستنكار. — أنت تستمتع بإزعاجي، أليس كذلك؟ — أكثر مما تتصورين. في فندق مونتيفيردي، بدأت أعمال الترميم تظهر نتائجها أخي
الفصل 38 ثلاث كلمات فقط: «مريم لم تمت» ظلت الكلمات الثلاث معلقة أمام عيني ليان، بينما استمر صوت آدم في الهاتف. — ليان! أجيبيني. ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت مضطرب: — هناك سيارة سوداء أمام الفندق… والشخص الذي بداخلها يحمل صورة لي وأنا طفلة. ساد صمت قصير. — هل أنتِ وحدكِ؟ — نورا وهنري بالقرب مني، والحارس عند المدخل. — أعطي الهاتف للحارس. الآن. رفعت ليان عينيها نحو السيارة. كان زجاجها يرتفع ببطء. ثم تحركت مبتعدة عن الرصيف. — لقد غادروا. — لا تتحركي من مكانكِ. — آدم، أعتقد أنهم يحاولون إقناعي بأن أمي… توقفت. لم تستطع إكمال الجملة. جاء صوته أكثر هدوءًا: — ليان، اسمعيني جيدًا. نحن لا نعرف متى التُقطت تلك الصورة، ولا من كتب التاريخ خلفها. أغمضت عينيها. — أعرف. لكنها لم تكن تعرف كيف تمنع قلبها من التعلق باحتمال مستحيل. كانت في الرابعة عندما ماتت والدتها. لم تتذكر وجهها بوضوح، لكنها تذكرت رائحة عطرها، وصوتها وهي تغني لها قبل النوم. وتذكرت جدتها نادية، التي لم تكذب عليها يومًا بشأن موت مريم. كانت تقول لها دائمًا إن أمها رحلت في الحريق، وإن الحب الذي تركته خلفها لن يرحل.