Share

الفصل 3

Author: سُلاف
last update publish date: 2026-10-22 08:26:51

في المصعد، استندت ليان إلى الجدار وأغمضت عينيها.

كانت بحاجة إلى قهوة، وحمام ساخن، وربما ذاكرة جديدة.

لكن أكثر ما آلمها لم يكن اكتشاف هوية الرجل.

بل أنها، للمرة الأولى منذ وفاة جدتها، استطاعت أن تنسى حزنها لبضع ساعات.

ومع الرجل الخطأ تمامًا.

حين وصلت إلى قصر مراد، كان الهدوء يملأ أروقته الواسعة.

استقبلتها السيدة روز، مدبرة المنزل التي عرفتها منذ طفولتها.

«آنسة ليان، هل أنتِ بخير؟ لقد قلقت عليكِ.»

حاولت الابتسام.

«أنا بخير يا روز. أحتاج إلى بعض الراحة فقط.»

ترددت المرأة قبل أن تقول:

«وصل صندوق من أغراض السيدة الراحلة. وضعته في غرفتها كما طلب المحامي.»

تلاشت ابتسامة ليان.

«شكرًا، روز.»

صعدت الدرج ببطء.

كان منزلها كبيرًا بما يكفي لعشرات الأشخاص، لكنه لم يشعرها يومًا بهذا القدر من الوحدة.

لم تعرف والدتها إلا من الصور.

كانت في الرابعة حين ماتت في الحادثة التي لم يتحدث عنها أحد بوضوح. أما والدها، فقد تركها لدى جدتها بعد ذلك بوقت قصير، واختفى من حياتها كأن وجودها عبء أراد التخلص منه.

لم تكن تعرف أين يعيش الآن.

ولم تعد تريد أن تعرف.

كانت جدتها أمّها وأباها وعائلتها بأكملها.

والآن رحلت هي أيضًا.

دخلت غرفة الجدة، حيث بقي كل شيء في مكانه.

عطرها، نظارتها، وكتابها الأخير.

وعلى المكتب الخشبي، استقر صندوق صغير من خشب الجوز.

اقتربت ليان وفتحته.

وجدت بعض الرسائل القديمة، ومفتاحًا نحاسيًا، وصورة لوالدتها وهي تبتسم أمام مبنى حجري.

مررت أصابعها فوق وجهها.

«أمي…»

كان الشبه بينهما واضحًا، خصوصًا العينين.

قلبت الصورة، فوجدت تاريخًا يعود إلى عشرين عامًا، وتحته كلمتان:

قصر الراوي.

توقفت أنفاسها.

ماذا كانت والدتها تفعل هناك؟

⸻

على الجانب الآخر من المدينة، دخل آدم قصر عائلته بخطوات ثابتة.

كان عمه فارس يجلس في المكتب الكبير، يتصفح بعض الأوراق.

«تأخرت.»

خلع آدم معطفه ووضعه على الكرسي.

«لديّ أعمالي الخاصة يا عمي.»

رفع فارس عينيه إليه.

«وأنا لديّ أخبار لن تعجبك.»

جلس آدم مقابله.

«تفضل.»

أغلق فارس الملف.

«ماتت السيدة نادية مراد.»

لم يتغير وجه آدم.

«سمعت بذلك.»

«حفيدة المرأة ستتولى شؤون ممتلكاتها. أريدك أن تتأكد من عدم وجود أي تعامل بين شركاتنا ومؤسسات مراد.»

نظر إليه آدم باستغراب.

«ما زلت مصرًا على هذه العداوة؟»

اشتدت ملامح فارس.

«ليست عداوة. إنها حماية لما تبقى من عائلتنا.»

«حماية من ماذا؟»

ساد الصمت.

كان آدم يعرف هذا الصمت جيدًا.

منذ طفولته، كلما سأل عن الحادثة التي أودت بحياة والديه، تغيّر وجه عمه وانتهى الحديث.

«قلت لك سابقًا يا آدم، ابتعد عن عائلة مراد.»

مال آدم إلى الخلف.

«وأنا أسألك للمرة الأخيرة: ماذا فعلوا بنا؟»

نهض فارس ببطء.

«بعض الحقائق لا تجلب سوى الخراب.»

نظر آدم إلى الرجل الذي ربّاه ثمانية وعشرين عامًا.

وللمرة الأولى، شعر أن عمّه لا يحاول حمايته من عائلة مراد.

بل يحاول حمايته من معرفة شيء ما.

⸻

وفي قصر مراد، كانت ليان قد وجدت ورقة صغيرة مطوية خلف الصورة.

فتحتها بحذر.

لم تحمل سوى جملة واحدة بخط جدتها:

«إذا أردتِ معرفة ما حدث لأمك، فابدئي من المكان الذي منعْتُكِ طوال حياتك من الاقتراب منه.»

رفعت ليان الصورة مجددًا.

قصر الراوي.

المكان نفسه الذي أقسمت ألّا تطأه قدمها يومًا.

والمكان الذي ينتمي إليه الرجل الذي تركته قبل ساعات

لم تكن ليان مراد من النساء اللواتي يتراجعن بسهولة.

لكنها، وهي تحدّق في صورة والدتها أمام قصر الراوي، شعرت للمرة الأولى أن شجاعتها قد تقودها إلى مكان لا تستطيع العودة منه.

قلبت الصورة مجددًا، وقرأت التاريخ المكتوب خلفها.

السابع عشر من نوفمبر.

قبل عشرين عامًا بالضبط.

كان ذلك التاريخ محفورًا في ذاكرتها، رغم أنها لم تكن تتجاوز الرابعة حين وقع الحادث.

لم تعرف تفاصيله يومًا. كل ما أخبرتها به جدتها أن والدتها رحلت في ليلة مأساوية، وأن بعض الأسماء يجب أن تُمحى من حياتهما إلى الأبد.

وكان اسم الراوي أولها.

وضعت الصورة فوق المكتب، ثم تناولت المفتاح النحاسي الذي وجدته داخل الصندوق.

كان صغيرًا، قديمًا، وتتدلى منه قطعة معدنية نُقش عليها الرقم سبعة.

لم تعرف لأي باب ينتمي.

لكنها كانت متأكدة من أمر واحد.

جدتها لم تترك لها هذه الأشياء مصادفة.

⸻

في قصر الراوي، كان آدم يقف أمام النافذة الممتدة من الأرض حتى السقف، بينما واصل عمّه فارس حديثه.

«ستحضر اجتماع المجلس غدًا، ولن أقبل أي تأخير.»

لم يستدر آدم.

«هل انتهيت؟»

قطّب فارس حاجبيه.

«آدم، أنا أتحدث بجدية.»

«وأنا أيضًا.»

استدار أخيرًا، واضعًا يديه في جيبي بنطاله.

«أدير شركات العائلة منذ سنوات، وأعرف جيدًا متى يجب أن أحضر اجتماعاتي. لا داعي لتذكيري بواجباتي.»

ساد صمت ثقيل.

كان فارس الراوي رجلًا اعتاد أن يُطاع، لكنه أدرك منذ سنوات أن الطفل الذي ربّاه لم يعد طفلًا.

أصبح آدم رجلًا لا يسمح لأحد بالتحكم بقراراته، حتى لو كان ذلك الشخص عمّه.

قال فارس بنبرة أكثر هدوءًا:

«أريد فقط أن أحمي ما تركه والدك.»

نظر إليه آدم طويلًا.

«إذن أخبرني ماذا حدث لوالدي.»

تصلبت ملامح فارس.

«ليس الآن.»

«هذا ما تقوله منذ عشرين عامًا.»

«لأنك لا تعرف ما الذي تطلبه.»

اقترب آدم من المكتب، ووضع كفه فوقه.

«وهذا تحديدًا ما أريد تغييره.»

لم يرفع صوته.

لم يكن بحاجة إلى ذلك.

ثم التقط معطفه وغادر، تاركًا عمّه يحدق في الباب المغلق.

وبعد لحظات، أخرج فارس هاتفه واتصل برقم غير محفوظ.

«لدينا مشكلة.»

صمت مستمعًا، ثم أضاف:

«الصبي بدأ يسأل عن الحادث مجددًا.»

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وريث العاصفة وسيدة إيفورا   الفصل 43

    الفصل 43 كان الفجر قد بدأ يتسلل عبر نوافذ المستشفى حين فتح آدم عينيه. لم يكن قد نام فعلًا. كان جالسًا بجوار سرير ليان، ممسكًا بيدها منذ ساعات. تحركت أصابعها بين أصابعه. رفع رأسه فورًا. — ليان؟ فتحت عينيها ببطء، وتأملت وجهه المتعب. — ما زلت هنا؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — يبدو أنكِ توقعتِ أن أهرب. حاولت الابتسام، لكنها تأوهت عندما تحركت. اعتدل آدم فورًا. — لا تتحركي. — آدم، أنا بخير… نظر إليها نظرة صارمة. — أنتِ في العناية المركزة، يا ليان. لا تختبري صبري. همست: — حتى هنا تريد إصدار الأوامر؟ اقترب منها، وأبعد خصلة شعر عن جبينها. — خصوصًا هنا. ثم انخفض صوته. — لقد أخفتِني. تأملت عينيه. لم تعتد سماع مثل هذه الكلمات منه. — أنا آسفة… تغيرت ملامحه. — لا تعتذري عن شيء لم يكن ذنبكِ. انحنى وقبل جبينها برفق. — المهم أنكِ عدتِ إليّ. بعد يومين، تحسنت حالة ليان بما يكفي لنقلها إلى غرفة خاصة. أصر آدم على أن تكون الغرفة هادئة وبعيدة عن الصحافة، وأن تُنظم الزيارات وفق رغبتها وتعليمات الأطباء. كانت روز تزورها صباحًا، بينما تأتي سيلين كل مساء محملة بالزهور والحكايات

  • وريث العاصفة وسيدة إيفورا   الفصل 42

    الفصل 42 ظل آدم يحدق في الرجل الجالس أمامه. — الأبواب الثلاثة؟ ابتلع الخاطف ريقه. — هذا كل ما سمعته، أقسم لك. اقترب آدم منه، ووضع يديه على طرف الطاولة. — من الذي قال ذلك؟ — الرجل الذي كان يعطينا التعليمات. — اسمه؟ — لا أعرف. لمعت عينا آدم بغضب مكبوت. — هل تتوقع مني أن أصدق أنكم اختطفتم امرأة وعذبتموها دون أن تعرفوا من يدفع لكم؟ ارتجف الرجل. — كنا نتلقى المال والأوامر. لم نرَ وجهه. استقام آدم ببطء. — إذن ستساعدني في الوصول إليه. أشار إلى دانيال. — احتفظوا بالهواتف وكل ما يتعلق بالرسائل. أريد أن يعرف المحققون مصدرها. ثم التفت إلى الخاطف للمرة الأخيرة. — إذا حدث لها شيء، فلن أنسى وجه أي واحد منكم. غادر الغرفة دون انتظار إجابة. كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما وصل آدم إلى المستشفى. لم يبدل قميصه الملطخ بالدماء. ولم يهتم بنظرات الموظفين الذين تعرفوا إليه. كان دانيال يسير خلفه عندما توقفت ممرضة أمامهما. — السيد الراوي؟ — كيف حالها؟ — لا تزال تحت المراقبة الدقيقة. الطبيب يريد التحدث إليك. دخل آدم إلى غرفة صغيرة حيث كان الطبيب ينتظره. — أجرينا الفحوصات، وت

  • وريث العاصفة وسيدة إيفورا   الفصل 41

    الفصل 41 في الغرفة المعتمة، سمعت ليان صوت محرك سيارة يتوقف بالخارج. ثم أصوات رجال يتجادلون. — الراوي لم يرد على الرسالة! — سيجيب عندما يرى الصورة التالية. ارتجفت ليان. اقتربت من الباب قدر ما سمحت به قيودها. سمعت رجلًا يقول: — لدينا أوامر بنقلها قبل الفجر. تراجعت ببطء. نقلها؟ إلى أين؟ حاولت تحريك معصميها مجددًا، لكن الألم جعلها تتوقف. ثم سمعت صوتًا آخر، أكثر حدة: — انتظر. هناك سيارات تقترب من الطريق. ساد صمت مفاجئ. تبعته خطوات مسرعة. وانطفأ الضوء أسفل الباب. رفعت ليان رأسها. كان قلبها يخفق بعنف. لم تعرف إن كان القادمون رجال الشرطة… أم أن خاطفيها يستعدون لنقلها إلى مكان أسوأ. وفي الخارج، على الطريق المؤدي إلى المستودعات القديمة، توقفت سيارة سوداء تتبعها أربع سيارات أخرى. نزل منها آدم الراوي. كان يرتدي معطفًا أسود طويلًا، وملامحه جامدة بصورة مخيفة. اقترب رئيس حراسته. — سيدي، تأكدنا من وجود ثلاثة رجال في الداخل. وهناك سيارة جاهزة خلف المبنى. نظر آدم إلى المستودع. — والفتاة؟ — في إحدى الغرف الشرقية، وفق ما استطعنا تحديده. خلع آدم ساعته ووضعها في جيبه. — أريده

  • وريث العاصفة وسيدة إيفورا   الفصل 40

    الفصل 40 كان صوت آدم منخفضًا، ثابتًا، لا يشبه صوت رجل فقد السيطرة. بل صوت رجل اتخذ قرارًا. — دانيال. — نعم، سيدي؟ — أخبر المفتش بكل شيء. وأريد كل تسجيل يمكن أن يحدد اتجاه خروجهم. ثم أضاف وهو يتجه نحو الباب: — لن أسمح لهم باستخدامها لإجباري على شيء. وسأعيدها إلى هنا. لم يكن يعلم أين أخذوها. ولا ماذا يريدون منه بعد. لكنه كان يعرف أمرًا واحدًا. أن الرجال الذين اختطفوا ليان مراد لم يدركوا بعد أي عاصفة أيقظوها. لم يسبق لدانيال أن رأى آدم الراوي بهذه الحالة. كان يجلس في المقعد الخلفي للسيارة، يحدق في صورة ليان على هاتفه، بينما انعكست أضواء إيفورا على وجهه الجامد. لم ينطق بكلمة منذ مغادرته الشركة. لكن يده كانت تقبض على الهاتف بقوة حتى ابيضّت مفاصل أصابعه. — سيدي، الشرطة وصلت إلى الفندق، قال دانيال بحذر. — ونورا؟ — بخير. أصيبت بخدوش بسيطة، وهي تدلي بإفادتها الآن. أغمض آدم عينيه لحظة. كان يتذكر آخر رسالة من ليان. «ولهذا أثق بكِ.» كتبها لها صباحًا. والآن كانت مقيدة في مكان مجهول. فتح عينيه. — أريد أن أعرف كيف خرجوا بها من الفندق رغم وجود الحراس

  • وريث العاصفة وسيدة إيفورا   الفصل 39

    الفصل 39 مرّ يومان على الرسالة الأخيرة. يومان لم يحدث فيهما شيء غير مألوف. لم تصل صور مجهولة، ولم تظهر سيارات سوداء قرب الفندق، حتى إن رجال الحراسة أكدوا أن الطرق المحيطة بالقصر بدت هادئة. لكن آدم الراوي لم يكن رجلًا يطمئن إلى الهدوء بسهولة. كان يعرف أن بعض العواصف لا تعلن قدومها. في الثامنة صباحًا، دخلت ليان غرفة الطعام، فوجدت آدم جالسًا أمام حاسوبه، وإلى جانبه فنجان قهوة لم يمسّه. اقتربت منه. — صباح الخير. رفع عينيه. — صباح الخير. نظرت إلى الفنجان، ثم إلى وجهه. — هل نمت أصلًا؟ — قليلًا. جلست مقابله. — آدم، أنت لا تستطيع إدارة إمبراطورية كاملة والتحقيق في جريمة عمرها عشرون عامًا ومراقبة حياتي في الوقت نفسه. أغلق حاسوبه. — أستطيع إدارة أول أمرين بسهولة. رفعت حاجبها. — والثالث؟ ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه. — الثالث عنيد بصورة غير معقولة. ضحكت ليان. — مسكين أنت. مد يده نحو فنجانها، وأبعده قليلًا قبل أن تشرب. — تناولي إفطارك أولًا. نظرت إليه باستنكار. — أنت تستمتع بإزعاجي، أليس كذلك؟ — أكثر مما تتصورين. في فندق مونتيفيردي، بدأت أعمال الترميم تظهر نتائجها أخي

  • وريث العاصفة وسيدة إيفورا   الفصل 38

    الفصل 38 ثلاث كلمات فقط: «مريم لم تمت» ظلت الكلمات الثلاث معلقة أمام عيني ليان، بينما استمر صوت آدم في الهاتف. — ليان! أجيبيني. ابتلعت ريقها، ثم قالت بصوت مضطرب: — هناك سيارة سوداء أمام الفندق… والشخص الذي بداخلها يحمل صورة لي وأنا طفلة. ساد صمت قصير. — هل أنتِ وحدكِ؟ — نورا وهنري بالقرب مني، والحارس عند المدخل. — أعطي الهاتف للحارس. الآن. رفعت ليان عينيها نحو السيارة. كان زجاجها يرتفع ببطء. ثم تحركت مبتعدة عن الرصيف. — لقد غادروا. — لا تتحركي من مكانكِ. — آدم، أعتقد أنهم يحاولون إقناعي بأن أمي… توقفت. لم تستطع إكمال الجملة. جاء صوته أكثر هدوءًا: — ليان، اسمعيني جيدًا. نحن لا نعرف متى التُقطت تلك الصورة، ولا من كتب التاريخ خلفها. أغمضت عينيها. — أعرف. لكنها لم تكن تعرف كيف تمنع قلبها من التعلق باحتمال مستحيل. كانت في الرابعة عندما ماتت والدتها. لم تتذكر وجهها بوضوح، لكنها تذكرت رائحة عطرها، وصوتها وهي تغني لها قبل النوم. وتذكرت جدتها نادية، التي لم تكذب عليها يومًا بشأن موت مريم. كانت تقول لها دائمًا إن أمها رحلت في الحريق، وإن الحب الذي تركته خلفها لن يرحل.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status