登入بعد عدة ساعات كاملة من العذاب البدني والنفسي أيضًا كانت تجر قدميها بصعوبة نحو غرفتها، كأنها تحمل جبالًا فوق كاهلها. كانت ساقاها ترتجفان بعنف، وجسدها النحيل مغطى بطبقة من العرق والتراب الذي التصق بجلدها. بمجرد دخولها لم تفكر في شيء سوى الماء توجهت نحو الحمام ووقفت تحت الدش الساخن لثوانٍ قبل أن تخونها قواها وتنزلق لتجلس في أرضية الحوض، تاركة المياه الساخنة تنساب فوق جسدها لتغسل ألمها الجسدي. كانت تدرك تمامًا أن ثائر يحاول كسر كبريائها أو هكذا خيل لها لكنها رغم الوجع، قررت في أعماقها ألا تمنحه تلك اللذة أبدأ.
خرجت من الحمام وهي تلملم شتات نفسها، وارتدت ملابسها بسرعة. وبينما كانت تقف أمام المرآة تحاول تسريح شعرها المبلل بيد مرتجفة من الألم اخترق هدوء الغرفة صوت طرقات على الباب. توقفت يدها في الهواء، وظنت للوهلة الأولى أنه عثمان أو رماح، لكن خوفًا غريبًا تسلّل إليها بلا سبب واضح. اقتربت من الباب ببطء، وتوقفت لحظة قبل أن تسأل بصوت منخفض: - مين؟ شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها عندما علمت بهاوية الطارق وتراجعت خطوة للخلف بخوف لا تعلم سببه، وبتردد مدت يدها وفتحت القفل ببطء شديد. كان شاهر يبتسم ببرود ويهز كيسًا ورقيًا في يده: - الرجالة كانوا هينسفوا الأكل تحت قولت أجيبلك العشا بنفسي مش معقول تنامي من غير ما تكلي حاجة بعد التعب ده كله. أخذت الكيس بسرعة وهمّت بإغلاق الباب، وهي تقول بصوت مبحوح: - شكرًا يا شاهر تعبت نفسك مكنش ليه لازمه تطلع بنفسك. لم يتحرك من مكانه، بل استند بكتفه على إطار الباب، وبنظرة وقحة تفحص جسدها من الأسفل إلى الأعلى، ثم دفع الباب بقوة مفاجئة ليدخل الغرفة رغمًا عنها، وهو يقول بنبرة لزجة ووقحة: - طيب ليه الاستعجال ده يا قطة؟ وبعدين كنت عايز أسألك أنتِ لسه بالسولفانه ولا ثائر قام بالواجب؟ انتفض جسدها بذعر وهي تتراجع للخلف، وصوتها يرتجف فقد فهمت تلميحه القذر: - بتقول إيه يا حيوان أنت؟ أنت اتجننت؟ اطلع بره حالًا ثائر لو شم خبر بس إنك طلعت هنا هيقتلك، وأنت عارف ده كويس. ضحك ضحكة ساخرة، وألقى بالكيس على الأرض بإهمال وهو يقترب منها بخطوات ذئبيه: - قولتيلي بقى ثائر هيقتلني؟ تؤ، تؤ أنتِ فاهمة غلط خالص ده هو اللي قالي إنك قاعدة لوحدك ومحتاجة ونس، أصل إحنا هنا يا حلوة مفيش بينا أسرار، وبنشارك بعض في كل حاجة حتى الستات. وقبل أن تستوعب كلماته وبحركة سريعة ركل الباب بقدمه ليغلقه، فانقطع عنها آخر أمل في الهرب، ثم اندفع نحوها وقبض على ذراعيها ودفعها بقوة هائلة لتسقط فوق السرير. صرخت عائشة صرخة مكتومة وهي تحاول الزحف للجهة الأخرى من السرير، لكنه كان أسرع منها وجذبها من شعرها للخلف بقسوة، وانحنى فوقها يغرز أسنانه في عنقها كحيوان مفترس. أخذت تصرخ ببكاء وتوسل مرير، وتحاول دفعه بيديها الضعيفة: - أرجوك والنبي، لأ ابعد عني أبوس إيدك. يا ثااااائر الحقني يا ثااااائر....... شاهر وهو يهمس بإثارة بجانب أذنها وبصوت مليء بالغل: - نادي عليه للصبح. صوتي كمان وكمان. هو أصلًا زهق منك ومن قرفك ورماكِ ليا علشان أربيكِ وبالمرة أتسلى معاكِ شوية. وبيد غليظة تمكن من سحب قدميها بقوة وعنف، بينما كانت أنفاسه الكريهة تلفح وجهها. في تلك اللحظة، شعرت عائشة بروحها تنسحب منها، فأغمضت عينيها بقوة، مستسلمة لمصيرها الأسود الذي ينتظرها، ولكن فجأة، انشق صمت الغرفة بصوت خبطة قوية أثر تحطم الباب وانفتح بعنف كأن أعصار قد ضرب المكان. انقض ثائر عليه وجذبه من تلابيبه بقوة وألقى به بعيدًا عن السرير، وكأنه حطامٌ لا قيمة له. وقبل أن يستوعب شاهر سقطته، كان ثائر فوقه ينهال عليه بلكماتٍ متلاحقة بغّ مرعب. رغم ضخامة شاهر التي كانت ترهب الجميع، إلا أنه بدا تحت قبضة ثائر مجرد دمية خرقاء يُعاد تشكيل ملامحها بالدم. لم يكتفِ ثائر باللكم، بل غرس حذاءه في أضلع ذلك القذر بضرباتٍ مسموعة الصدى، ثم سحله كجثةٍ هامدة ملقياً به خارج الغرفة. - اسمعوا والكلام ده للكل اللي هشوفه بس بيبص ناحية البت أو حتى يفكر يلمح طيفها وعزة وجلال الله هفرغ رصاص مسدسي في نص راسه. عائشة من النهاردة تخصني واللي هيجي جنبها يبقى جه لقضاه فاهمين ولا لأ؟ التفت نحو عثمان، وعيناه تلمعان ببريقٍ شيطاني لم يألفه فيه من قبل، وأشار بجفاء إلى شاهر الملقى أرضًا: - ابن الكلب الـ #### ده ترميه في أي مخبأ من بتوعنا وتتصرف معاه بنفسك يا عثمان مش عايزة ينفع لأي حاجه بعد كده. دخل ثائر الغرفة، وأغلق الباب خلفه مبتعدًا عما حوله، وغرق في صوت أنفاسه اللاهثة. تجمدت نظراته حين وقعت على عائشة التي كانت منكمشة على السرير تضم جسدها بذراعيها، تحتضن بقايا ملابسها الممزقة في محاولةٍ يائسة لستر جسدها لكن ما جعل النبض يتوقف في عروقه، كانت تلك العضة الداكنة التي تلطخ بياض عنقها. كانت دمغة من القذارة جعلت الدماء تغلي في رأسه من جديد، ممزوجة بوجعٍ لم يعهده. اقترب خطوة، خفتت حدة صوته لتتحول إلى بحة خشنة، مزيجٍ بين القلق المكبوت ومحاولته كبح انفعاله، وسأل بجفاء يحاول به إخفاء اهتزازه: - أنتِ كويسة؟ عائشة ردي عليا وطمنيني الكلب ده عمل فيكِ إيه تاني غير اللي أنا شايفه؟ هزّت رأسها نفيًا وهي تنشج بصمت. التقط الغطاء من الأرض ووضعه عليها وبصوت يغلفه البرود ليخفي غضبه: - ارتاحي دلوقتي وانسي كل اللي حصل. عائشة برعشة وصوت مبحوح من البكاء: - هو.. هو ممكن يرجع تاني؟ خرجت منه تنهيده طويلة كأنما يطرد بها بقايا الغضب الذي كان يسكنه منذ قليل، وسحب كرسيًا وضعه بجانب الفراش. لكنه لم يكتفِ بالجلوس بعيدًا بل أحنى جسده نحوها، وبدت ملامحه الصارمة كأنها تذوب أمام رعدة جسدها. مد يده ببطء شديد، وكأنه يخشى جرحها، ومرر أنامله على خصلات شعرها المبعثرة، ثم مسح بطرف إبهامه على وجنتها بحنانٍ جارف، كأنه يغسل بلمسته أثر الخوف عن وجهها. لم يستطع الصمود أمام صمتها المنكسر، فاندفع يلم شتاتها، وجذب رأسها برفقٍ ليدفنها داخل ثنايا صدره، ضامًا إياها بقوةٍ كأنما يحاول إخفاءها عن العالم وعن الوجع، وهو يهمس فوق رأسها بصوتٍ دافئ هزّ كيانها: - أنا هنا يا عيوش ومفيش مخلوق يقدر يمسّ شعرة منك طول ما أنا حي وفيا النفَس. اهدي خلاص أنتِ في حضني. اندست تحت الأغطية وهي تشتم رائحته العالقة فيها؛ رائحة عطره مختلطة بالتبغ ورجولته الطاغية. كانت تخاف منه، لكنها في تلك اللحظة شعرت أنه درعها الحامي والوحيد. ومن وسط انكسارها، ولدت عزيمة جديدة؛ فهي لن تكون ضحية مرة أخرى. ستتعلم كيف تقاتل حتى لا تحتاج لأحد ليحميها. ─────⊹⊱🖤⊰⊹───── لم تكن ليلة عادية، بل كانت طويلة مليئة بالأرق. لم تنم عائشة إلا في فترات قصيرة متقطعة كان يغلبها فيها الإرهاق. لكن حتى تلك اللحظات كانت تواجهها؛ كوابيس مزعجة تعيد عرض مشهد مقتل عائلتها بـ التصوير البطيء وصورة شاهر بوجهه القبيح وهو يحاول تدنيس ما تبقى من روحها. كانت صرخاتها تشق سكون الغرفة، تخترق الجدران الباردة، وفي كل مرة كانت تفتح عينيها لتجد الحقيقة أمرّ من الكابوس. أما ثائر فظل ساكنًا في كرسيه بجانبها يحاول حمايتها ولم يترك مكانه لحظة واحدة يهدئها كلما فزعت وفي تمام العاشرة صباحًا أيقظها بهدوء: - يلا يا عيوش قومي مفيش وقت للحزن والكآبه دي مش هسيبك تستسلمي للي حصل. أنا عارف إنك صاحيه وسمعاني وعارف إن الموضوع صعب عليكِ بس قعدتك مكانك مش هتغير أي حاجه قومي وابدئي من جديد. حاولت الاعتدال، فخرج منها تأوه مكتوم. عضلاتها كانت تصرخ من وطأة تدريبات الأمس، لكن وجع جسدها لم يكن شيئًا أمام الخزي الذي شعرت به من انكسار ليلة أمس. لاحظ ثائر تلك النظرة المنكسرة، فزم شفتيه وقال بجمود: ـ مش عايز أشوف نظرة الانكسار دي في عينيكٍ النظرة دي بتخلي اللي حواليكِ يفتكروا إنك صيده سهلة أو ضعيفة. وده مش حقيقي متديش لأي كلب فرصه يحولك لضحيه. اشتعلت شرارة كره في عينيها، ورفعت رأسها، وقالت بحدة: - أنا مش ضحيه ومش مستنية شفقة من حد لكن أنا واحدة خسرت كل حاجة في يوم وليلة، فاهم يعني إيه؟ خسرت أبويا وأمي وأهلي، شفتهم بيموتوا قدامي وسندي كله راح في لحظة وإمبارح بس كنت هخسر كمان شرفي كل اللي مريت بيه ده يخليني أخاف، وأترعب، ويخليني أحس إني لوحدي في الدنيا دي قصاد غابة من الوحوش ده حقي كبني آدمة لكن الوجع ده مش معناه إني ضحية، وعمري ما هكون ضحية لحد. الضحية هي اللي بتستسلم وبتموت وهي مكسورة، وأنا لسه واقفة قدامك أهو وبقولك إني مش هسيب حقي. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة لا تكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتعبر عن رضاه. هز رأسه ببطء وهو يتأمل ثباتها أمام كبواتها: - الخوف مش عيب. العيب إن الخوف هو اللي يسوقك. أنتِ قولتي إنك مش ضحية، ودي أول خطوة علشان ترجعي حق أهلك اللي راحوا. بس افتكري اللي قتلوهم مش هيستنوا لما تخلصي نوبة خوفك وضعفك دي. وأنا عارف ومتأكد إنك مش ضعيفة. لمعت عين ثائر بلمحة إعجاب خفية لم يظهرها، ثم ألقى بنطالها الرياضي بجانبها واستدار ببرود، وبدأ يلقم مسدساته بالرصاص؛ صوت احتكاك المعدن كان هو الوحيد في الغرفة. ارتدت ملابسها داخل الحمام رغم الألم الذي ينهش ساقيها، رافضة أن تترك أنه واحدة تفلت من بين شفتيها وبعد خروجها، وبينما كانت تربط حذاءها، شعرت بضيق في صدرها. ثائر لم يكن وحشًا كما تخيلت لكنه كان الدرع الذي منع انهيارها الكامل. نطقت بصوت خفيض: ـ شكرًا يا ثائر على كل اللي عملته وبتعمله علشاني، وكمان انقاذك ليا ليلة إمبارح لولا وجودك أنا كنت ضعت. توقف ثائر عن الحركة تمامًا وساد صمتٍ طويل بينهما، ثم نطق بصوت بدا وكأنه يخرج من بئر سحيق مليء بالذكريات المؤلمة: ـ أنا بكره المغتصبين والمتحرشين يا عائشة بشكل مش ممكن حد يتخيله دي أكتر حاجة بقرف منها في الحياة ممكن أكون أي حاجة وحشة في نظرك ونظر غيرك سفاح، منتقم، قاسي بس عمري ما هكون واحد منهم ومش هسيب واحد فيهم. صمت للحظة، ثم أضاف بصوت مسكون بالوجع: ـ أمي اتعرضت لنفس اللي كنتِ هتتعرضي له بالظبط. تسمرت يد عائشة على حذائها، والتفتت إليه بكامل ذهولها. تابع وهو يرتدي قميصه بعنف كأنه يحاول إخفاء جرح قديم: - كانت لسه عروسة جديدة جايه المكان جديد وخرجت تتمشى لوحدها من غير جوزها. رجالة النعيمي شافوها حطوا عينهم الوسـ ### عليها وفي يوم غدروا بيها واغتصبوها وبعدها حملت فيا دخلت في حالة اكتأب شديدة وحملها كان صعب وبعد ما ولدتني بشهور مقدرتش تعيش مع الوجع والخزلان ده وانتحرت. همست عائشة بصدق وحزن شديد: ـ أنا آسفة جدًا يا ثائر على اللي مريت بيه مش عارفة أقولك إيه بجد. رد بحدة وهو ينظر لها بغضب: - مش عاوز من حد أسف ولا عاوز شفقة أنا بقولك كدة علشان تعرفي إني مش بس فاهم وجعك، أنا كمان عايش فيه، وعلشان كدة مش هسمحلك تبقي زيها لأن في عالمنا ده موت. لم ينتظر ثائر ردًا على كلماته القاطعة، بل استدار بظهره تاركًا خلفه صمتًا يضج برائحة الماضي. نظرت عائشة إلى أثره، وشعرت أن كلماته لم تكن مجرد رد حاد، بل كانت سياجًا من حديد يحيط به قلبه، وقانونًا صارمًا يحكم به عليها لتنجو في عالم لا يرحم.بعد عدة ساعات كاملة من العذاب البدني والنفسي أيضًا كانت تجر قدميها بصعوبة نحو غرفتها، كأنها تحمل جبالًا فوق كاهلها. كانت ساقاها ترتجفان بعنف، وجسدها النحيل مغطى بطبقة من العرق والتراب الذي التصق بجلدها. بمجرد دخولها لم تفكر في شيء سوى الماء توجهت نحو الحمام ووقفت تحت الدش الساخن لثوانٍ قبل أن تخونها قواها وتنزلق لتجلس في أرضية الحوض، تاركة المياه الساخنة تنساب فوق جسدها لتغسل ألمها الجسدي. كانت تدرك تمامًا أن ثائر يحاول كسر كبريائها أو هكذا خيل لها لكنها رغم الوجع، قررت في أعماقها ألا تمنحه تلك اللذة أبدأ.خرجت من الحمام وهي تلملم شتات نفسها، وارتدت ملابسها بسرعة. وبينما كانت تقف أمام المرآة تحاول تسريح شعرها المبلل بيد مرتجفة من الألم اخترق هدوء الغرفة صوت طرقات على الباب. توقفت يدها في الهواء، وظنت للوهلة الأولى أنه عثمان أو رماح، لكن خوفًا غريبًا تسلّل إليها بلا سبب واضح. اقتربت من الباب ببطء، وتوقفت لحظة قبل أن تسأل بصوت منخفض: -مين؟ شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها عندما علمت بهاوية الطارق وتراجعت خطوة للخلف بخوف لا تعلم سببه، وبتردد مدت يدها وفتحت القفل ببطء شديد. كان شاهر يب
أطالت عائشة في نومها غارقة في دفء السرير الذي بدا وكأنه يضمها بعيدًا عن العالم. تشعر بأمانٍ غريب لمجرد معرفة أن ذلك الوحش كما تلقبه بين نفسها مستسلم للنوم على الأريكة المجاورة، وجوده رغم كل شيء كان يمنحها هدوءًا لم تختبره منذ زمن لكن هذا الأمان تبدد فجأة كفقاعة هواء، عندما شعرت بهزات قوية لكتفها. تلاها صوته الحاد الذي اخترق صمت الغرفة بنفاد صبر:-متخلصي بقالي ساعة بصحي فيكِ. أنا مش فاهم أنتِ مقتولة، ولا مغيببه ولا إيه حكايتك بالظبط؟ مش طبيعي النوم ده.انتفضت بجسدها كله، وسحبت الغطاء بعفوية للأعلى لتداري جسدها، وهي تحاول استيعاب المكان والزمان. صرخت بنبرة يملأها الفزع والارتباك:-في إيه البيت بيولع؟! حد جرى له حاجة؟ثم التقطت أنفاسها بصعوبة وهي تستوعب الأمر تتنهد بغضب وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها، وأكملت بصوت يرتجف من أثر الخضة:-يا شيخ حرام عليك. حد يصحي حد كده قلبي كان هيقف من الرعب.نظر إليها ببرود وجدية واقترب منها، ثم مال بجسده عليها، وقال بنبرة حاسمة:-ياريت نخلص من الأفورة دي دلوقتي، وقدامك عشر دقايق بالظبط وتكوني جاهزة، ومش عايز أسمع صوتك ولا كلمة زيادة مفهوم؟عائشة و
أيقظها طرق مُلحّ وقوي على الباب، فأطلقت صرخة فزع مكتومة، وانتفضت في سريرها في اللحظة نفسها نهض ثائر عن الأريكة ببرود قاتل، ومد يده بإشارة تُرغمها على الصمت، وعيناه الثاقبتان تلمحان كل تحركٍ صغير لها. قفز قلبها في صدرها، وكأن كل الهواء في الغرفة أختفى، فيما ارتجفت يداها وهي تحاول التمسك باللحاف. أشار إليها ثائر بالإصبع، وصوته منخفض وقاطع: -خليكِ مكانكِ هنا متتحركيش.لمحت الساعة المستقرة على طاولة السرير الجانبية كانت تشير إلى السادسة صباحًا. الضوء الرمادي البارد المنبعث من النافذة الكبيرة يلقي بظلاله الموحشة على الغرفة. راقبت ثائر وهو يقترب من الباب، متوقفًا ليلتقط مسدسه الأسود من فوق الطاولة. قضمت شفتها، ونبض قلبها يدق بقوة تضاهي شدة الطرق. صرخ صوت من الجانب الآخر:- أفتح يا ثائر بسرعة.نظر الآخر عبر جزء صغير من الباب، ثم نحى سلاحه جانبًا وفتح الباب، بينما مالت هي فوق سريرها لتشعل المصباح، فغمر الضوء أرجاء الغرفة. دخل رماح، وكانت عينه متورمة وزرقاء، شفته مشقوقة، ثيابه ممزقة مغطاة بالتراب.صاح ثائر يقول بنبرة حادة:-مال وشك في إيه؟أجابه رماح وهو يحاول جمع أنفاسه المتقطعة قبل أن
حاولت عائشة الحديث معه أكثر من مرة خلال تلك الرحلة التي بدت، وكأنها لن تنتهي عبر الطرق الصحراوية الموحشة، لكن في كل مرة كانت تفتح فمها لتنطق، كان هو يضغط على دواسة السرعة ببرود لِتُدوي محركات سيارته الرينج روفر المصفحة وتطغى على صوتها. أدركت بمرارة أنه يفرض عليها الصمت كأول قانون في عالمه. استسلمت في النهاية، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد، وحاولت أن تمنع فكرة قتل عائلتها من الصعود إلى سطح وعيها؛ فالتفكير الآن يعني الانهيار التام وهي لا تملك رفاهية السقوط أمام هؤلاء الرجال. رغم الرعب لم تستطع إنكار أن الجلوس بجانبه كان له سحرٍ مخيف؛ رائحته التي تمزج التبغ بالرجولة، وسيطرته المطلقة على تلك الآلة الضخمة بلمسات واثقة من أصابعه الطويلة. بدأ التعب ينهش جسدها الضئيل. كانت ساقاها ترتجفان، وعيناها تحرقانها من كثرة البكاء المكتوم. أخيرًا انحرفت السيارات نحو منزل منعزل نسبيًا محاط بأسوار عالية، وكشافات ضوئية كأنها ثكنة عسكرية. ركن السيارة ببراعة وترجل منها بخفة، كأنه لم يقطع مئات الكيلومترات. حاولت عائشة أن تتبعه لكن ساقيها خانتاها فتعثرت؛ لتجد نفسها ترتمي نحو صدره الصلب. أمسكها من
خلف الباب المُصفح لغرفة المراقبة الملحقة بمكتب والدها، وقفت كتمثال من الجليد في قلب الغرفة ترى المذبحة كاملة عبر الشاشات الصامتة المعلّقة على الجدار. رجال ببدلات رسمية يتحركون ببرودٍ تام داخل المكتب الفاخر يمسحون أي أثرٍ لوجودهم بعد أن تركوا والداها وشقيقتها غارقين في دمائهم فوق السجاد الثمين. كانت دقات قلبها تعلو حتى ظنت أنها ستخترق الجدران العازلة للصوت. رأت رئيسهم يقف أمام الكاميرا مباشرة يمسح الدم عن طرف حذائه باهتمامٍ مبالغ فيه قبل أن يُعطي إشارة لرجاله بالانسحاب، وبمجرد أن خلت الشاشات إلا من جثث عائلتها انقطعت الكهرباء فجأة، وغرقت الغرفة في ظلامٍ دامس. تجمدت في مكانها عندما توقف أحد الرجال أمام خزانة الملفات القريبة، فحبست أنفاسها حتى كادت رئتاها تنفجران، وشعرت بدقات قلبها تتسارع متمردة داخل صدرها، كأنها تصرخ للعالم عن مكانها. كانت تدرك أنهم رجال عائلة النعيمي أحد اذرع مافيا الأدوية والأعضاء التي لا ترحم. جميعهم يرتدون بذلات داكنة أنيقة، ومن بينهم كان ذلك الرجل الذي أزهق أرواح عائلتها قبل دقائق معدودة. أنهوا تفتيش كل شيء، وبعثروا أغراضها هي وشقيقتها وأغراض والدتها الراحلة في فو







