Se connecterبعد مذبحة قضت على عائلتها، تجد عائشة نفسها وحيدة في مواجهة عالمٍ لا يرحم، لكن نجاتها تأتي على يد أخطر رجل فيه. ثائر السيوفي… رجل لا يعرف الرحمة، ولا يسمح لأحد بالاقتراب. ورغم ذلك أصبحت تحت حمايته، وتحت سيطرته. بين الخوف والانجذاب، وبين النجاة والهلاك. تبدأ قصة محفورة بالدم… ومرسومة على قلبٍ لا يعرف السلام.
Voir plusخلف الباب المُصفح لغرفة المراقبة الملحقة بمكتب والدها، وقفت كتمثال من الجليد في قلب الغرفة ترى المذبحة كاملة عبر الشاشات الصامتة المعلّقة على الجدار. رجال ببدلات رسمية يتحركون ببرودٍ تام داخل المكتب الفاخر يمسحون أي أثرٍ لوجودهم بعد أن تركوا والداها وشقيقتها غارقين في دمائهم فوق السجاد الثمين. كانت دقات قلبها تعلو حتى ظنت أنها ستخترق الجدران العازلة للصوت. رأت رئيسهم يقف أمام الكاميرا مباشرة يمسح الدم عن طرف حذائه باهتمامٍ مبالغ فيه قبل أن يُعطي إشارة لرجاله بالانسحاب، وبمجرد أن خلت الشاشات إلا من جثث عائلتها انقطعت الكهرباء فجأة، وغرقت الغرفة في ظلامٍ دامس. تجمدت في مكانها عندما توقف أحد الرجال أمام خزانة الملفات القريبة، فحبست أنفاسها حتى كادت رئتاها تنفجران، وشعرت بدقات قلبها تتسارع متمردة داخل صدرها، كأنها تصرخ للعالم عن مكانها. كانت تدرك أنهم رجال عائلة النعيمي أحد اذرع مافيا الأدوية والأعضاء التي لا ترحم. جميعهم يرتدون بذلات داكنة أنيقة، ومن بينهم كان ذلك الرجل الذي أزهق أرواح عائلتها قبل دقائق معدودة. أنهوا تفتيش كل شيء، وبعثروا أغراضها هي وشقيقتها وأغراض والدتها الراحلة في فوضى عارمة تعكس قبح نفوسهم. وقف كبيرهم عند المدخل يراقب رجاله بعينين حادتين كالصقر، ثم قال بنبرة جافة خالية من أي رحمة:
ـ اتأكدوا إن البيت فاضي تمامًا قبل ما نتحرك من هنا. انحنى رجل آخر بخضوع، والشر يرتسم على وجهه بوضوح: ـ أوامرك يا باشا. بس إحنا فتشنا فعلًا والبيت فاضي. قاطعه صوتًا حادًا انطلق من الخلف، كأن شخص يبحث عن صيد لم يكتمل: ـ طيب والبت التانية اللي كانت معاهم راحت فين؟ مستحيل تكون اتبخرت! تنهد الأول بهدوء مصطنع؛ ليخفي توتره من التأخير: ـ مش عارف بس خلاص مفيش وقت نضيعه أكتر من كدة يلا بينا، نبقى نشوف قصتها بعدين. ضحك أحدهم بفظاظة ملأت أركان الغرفة، وهو يقول بتهكم مقزز: ـ يا خسارة دي كانت حتت بت جامدة أوي عاملة زي الملبن. كنت ناوي أتسلى معاها شوية بعد كل التعب ده اللي تعبناه في مراقبتهم. نظر رئيسهم إليهم بصرامة أسكتت الجميع: ـ خلصونا مش هنقضي بقية اليوم هنا لحد ما حد ياخد باله ويبلغ. لم تخرج عائشة فورًا، بل تكورت في الزاوية لساعات ترتجف من تلك الصدمة التي جعلت عقلها يرفض استيعاب ما رأته، وعندما تسلل ضوء الصباح من الشقوق جمعت ما بقي لها من شجاعة وخرجت بخطوات آلية متيبسة. كانت رائحة الدم الممزوجة بعطر والدها المفضل تخنقها. لم تقترب من الجثث، بل اتجهت مباشرة نحو درج والدها السري وسحبت مسدسة، ذلك السلاح الذي طالما كرهت رؤيته معه أتضح لها إن له احتياج الآن وصار طوق نجاتها الوحيد. قبضت عليه بيديها المرتجفتين وتراجعت إلى زاوية مظلمة بجوار الباب الرئيسي تنتظر المجهول. فجأة انفتح الباب الخشبي الثقيل بلا صوت. لم يكن هناك اقتحام همجي، بل دخول هادئ ومدروس. ظهر ظل رجل طويل القامة، عريض المنكبين بشكل ملحوظ، يرتدي معطفًا أسود طويلًا يزيده هيبة. دخل ببطء يتفحص المكان بعينين خبيرتين متغاضيًا عن الأجساد الثلاثة الراقدة على الأرض بشكل عشوائي لرجل في الخامسة والخمسين، وسيدة في منتصف الأربعينيات، وفتاة شابة في أوائل العشرينات، وكأنها جزء من مشهد اعتاد رؤيته، ولم يعد يثير دهشته. عندما أصبح في منتصف الغرفة خرجت من الظلام؛ ورفعت المسدس بيد مرتعشة وصوبته مباشرة نحو ظهره، ثم قالت بصوتٍ مبحوحٍ متقطّعٍ بين أنفاسها المتلاحقة، كأن كل حرف يحتاج إلى جهدٍ مضاعف ليصل إلى مسامعه: - ارفع إيدك لفوق ولف براحه. خطوة زيادة وهفرغ رصاص المسدس ده كله في نفوخك. توقف، ولكن لم يرفع يديه، ثم استدار ببطء شديد وهنا اصطدمت عائشة بجدارٍ صلب لم تراه في حياتها. كان يقف أمامها بجمود، كأنه تمثال صِيغ بملامح شرقية حادة وقاسية. كانت بشرته القمحية التي لفحتها الشمس تبرز صرامة ملامحه، وعظام فكه المحددة بدقة تمنحه طابعًا من القسوة الجذابة التي تخطف الأنفاس. عيناه البنيتان الغائرتان كانتا تشبهان القهوة المرة قاتمتين، عميقتين، وفيهما نظرة ثاقبة اخترقتها، وكأنها تقرأ ذعرها الدفين. لم يكن طوله الفارع وعرض منكبيه اللذين حجبا الضوء عنها هما فقط ما أرعبها، بل كانت تلك الوسامة الخشنة التي تجبر القلوب على الخضوع قبل العقول. ابتسم ثائر بطرف فمه، ومال برأسه قليلًا، وعيناه ثابتتان عليها بلا خوف، وأشار بإصبعه نحو الزناد ببطء محسوب: - إيدك بتترعش يا حلوة، وتأمين المسدس لسه مرفوع. لو دوستي على الزناد من هنا لبكرة الصبح مفيش رصاصة هتخرج. ارتجفت يداها أكثر، وهي تحاول تذكر كيفية فك التأمين، فخرج صوتها مشوشًا، متقطعًا بين الخوف والغضب: - قولتلك متتحركش. أنتم مين وإيه اللي عايزينه مننا تاني؟ لم يعطها فرصة لتكمل فبخطوتين واسعتين كان أمامها، تفوح منه بشكل ملحوظ رائحة قوية تمتزج بين الأخشاب الثمينة والتبغ الفاخر، وبحركة خاطفة وسلسة انتزع المسدس من يدها المتصلبة، وسحب الأجزاء ليفك التأمين في حركة احترافية أثبتت لها مدى سذاجتها، ثم ألقى السلاح جانبًا. قال وهو يحدق في عينيها المملوءتين بالذعر: - أهدي كده شوية علشان نقدر نتفاهم. أنا ثائر السيوفي واللي عملوا كده في أهلك مشيوا من بدري، وصدقيني لو كنت معاهم مكنتيش هتلحقي ترفعي المسدس ده أصلًا. جذبها من ذراعها بقوة لا تقبل النقاش، وتخطى بها بقايا عائلتها. حاولت عائشة مقاومته، لكن قبضته كانت كطوق من حديد يمنع هروبها. خرج بها إلى الجراج الخلفي للمنزل، وعندما فتح الباب تجمدت في مكانها من شدة الصدمة، فكان في انتظاره أسطول من سيارات الدفع الرباعي السوداء، وحولها أكثر من عشرة رجال مسلحين، وقفوا جميعًا في انتباه تام بمجرد رؤيته تقدم نحوهم رجل في منتصف الأربعينيات، جسده لا يقل قوة عن الآخر، وقال بجدية واضحة في صوته: - كله تمام يا ثائر المكان متأمن كويس، ومفيش أي أثر لرجالة النعيمي، وحتى لو ظهر حد منهم إحنا هنتعامل. ثم التفت إلى عائشة المنهارة التي كانت واقفة بجوارهما، نظراته هادئة لكنها حادة، وسأل بصوت منخفض: ـ مين دي في البنات؟! تقدم ثائر نحو سيارته المصفحة وفتح الباب ببطء، ثم ألقى نظرة قصيرة نحوها ودعاها للدخول، فيما الأجواء حولهم مشحونة بالهدوء المشوب بالتوتر، والرجال المسلحون يقفون كالحراس الصامتين في انتظار أي إشارة منه: - مش عارفهم من بعض، وللأسف دي الوحيدة اللي اتبقت من العيلة يا عثمان. تدخل شاب أصغر سنًا في الحديث. عيناه تلمعان بالتمرد والعناد، وقف أمام ثائر بثقة، وقال بصوت حاد نسبيًا: - بس إحنا مش هنمشي نجر ورانا حريم يا ثائر، ووجودها معانا هيعطلنا وهيجيب العين علينا أكتر. نظر إلى رماح بنظرة حادة اخرسته كانت كافية أن توقف أي اعتراض أي أحد قبل أن ينبس بكلمة، ثم قال بصوت حازم لا يقبل الجدال: - أنا بس اللي بقرر مين يجي ومين ميجيش مش أنت يا رماح باشا، والبنت دي جاية معانا وهتكون مكان ما أنا هكون. التفت ثائر إلى تلك التي كانت ترتجف من الرهبة والخوف، وأشار برأسه نحو المقعد الخلفي لسيارته موضحًا مكانها. كانت عائشة تقف مذهولة لا تعرف إذا كانت تريد المقاومة أو الانصياع، فقالت بصوت حاد، مرتعش وهي تقاوم يده محاولة السيطرة على خوفها: - أنا... أنا مش هركب معاكم، ومش هتحرك من هنا. انتوا مين أصلًا؟ أبعدوا عني. مال عليها حتى شعرت بأنفاسه قريبة من وجهها، وقال بلهجة قاطعة: - أركبِ ومتحاوليش تختبري صبري أكتر من كده. أنا لو ركبت دلوقتي العربية من غيرك ومشيت هتكوني لوحدك، ورجالة النعيمي هيلاقوكِ قبل ما الشمس تغيب حتى، ومش عايز أقولك وقتها هيتعمل فيكِ إيه ثم صاح بصوت جهوري أرعبها: - أخلصي أنا مش بعزم عليكِ. صعدت عائشة السيارة وهي مرغمة ينتابها شعور بالدوار. انطلقت السيارات تشق شوارع القاهرة المزدحمة، فشعرت في تلك اللحظة أنها انتقلت من كابوس دموي إلى سجن وأن علامة جديدة بدأت تُطبع على حياتها تحمل اسم "القيصر ثائر السيوفي".بعد عدة ساعات كاملة من العذاب البدني والنفسي أيضًا كانت تجر قدميها بصعوبة نحو غرفتها، كأنها تحمل جبالًا فوق كاهلها. كانت ساقاها ترتجفان بعنف، وجسدها النحيل مغطى بطبقة من العرق والتراب الذي التصق بجلدها. بمجرد دخولها لم تفكر في شيء سوى الماء توجهت نحو الحمام ووقفت تحت الدش الساخن لثوانٍ قبل أن تخونها قواها وتنزلق لتجلس في أرضية الحوض، تاركة المياه الساخنة تنساب فوق جسدها لتغسل ألمها الجسدي. كانت تدرك تمامًا أن ثائر يحاول كسر كبريائها أو هكذا خيل لها لكنها رغم الوجع، قررت في أعماقها ألا تمنحه تلك اللذة أبدأ.خرجت من الحمام وهي تلملم شتات نفسها، وارتدت ملابسها بسرعة. وبينما كانت تقف أمام المرآة تحاول تسريح شعرها المبلل بيد مرتجفة من الألم اخترق هدوء الغرفة صوت طرقات على الباب. توقفت يدها في الهواء، وظنت للوهلة الأولى أنه عثمان أو رماح، لكن خوفًا غريبًا تسلّل إليها بلا سبب واضح. اقتربت من الباب ببطء، وتوقفت لحظة قبل أن تسأل بصوت منخفض: -مين؟ شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها عندما علمت بهاوية الطارق وتراجعت خطوة للخلف بخوف لا تعلم سببه، وبتردد مدت يدها وفتحت القفل ببطء شديد. كان شاهر يب
أطالت عائشة في نومها غارقة في دفء السرير الذي بدا وكأنه يضمها بعيدًا عن العالم. تشعر بأمانٍ غريب لمجرد معرفة أن ذلك الوحش كما تلقبه بين نفسها مستسلم للنوم على الأريكة المجاورة، وجوده رغم كل شيء كان يمنحها هدوءًا لم تختبره منذ زمن لكن هذا الأمان تبدد فجأة كفقاعة هواء، عندما شعرت بهزات قوية لكتفها. تلاها صوته الحاد الذي اخترق صمت الغرفة بنفاد صبر:-متخلصي بقالي ساعة بصحي فيكِ. أنا مش فاهم أنتِ مقتولة، ولا مغيببه ولا إيه حكايتك بالظبط؟ مش طبيعي النوم ده.انتفضت بجسدها كله، وسحبت الغطاء بعفوية للأعلى لتداري جسدها، وهي تحاول استيعاب المكان والزمان. صرخت بنبرة يملأها الفزع والارتباك:-في إيه البيت بيولع؟! حد جرى له حاجة؟ثم التقطت أنفاسها بصعوبة وهي تستوعب الأمر تتنهد بغضب وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها، وأكملت بصوت يرتجف من أثر الخضة:-يا شيخ حرام عليك. حد يصحي حد كده قلبي كان هيقف من الرعب.نظر إليها ببرود وجدية واقترب منها، ثم مال بجسده عليها، وقال بنبرة حاسمة:-ياريت نخلص من الأفورة دي دلوقتي، وقدامك عشر دقايق بالظبط وتكوني جاهزة، ومش عايز أسمع صوتك ولا كلمة زيادة مفهوم؟عائشة و
أيقظها طرق مُلحّ وقوي على الباب، فأطلقت صرخة فزع مكتومة، وانتفضت في سريرها في اللحظة نفسها نهض ثائر عن الأريكة ببرود قاتل، ومد يده بإشارة تُرغمها على الصمت، وعيناه الثاقبتان تلمحان كل تحركٍ صغير لها. قفز قلبها في صدرها، وكأن كل الهواء في الغرفة أختفى، فيما ارتجفت يداها وهي تحاول التمسك باللحاف. أشار إليها ثائر بالإصبع، وصوته منخفض وقاطع: -خليكِ مكانكِ هنا متتحركيش.لمحت الساعة المستقرة على طاولة السرير الجانبية كانت تشير إلى السادسة صباحًا. الضوء الرمادي البارد المنبعث من النافذة الكبيرة يلقي بظلاله الموحشة على الغرفة. راقبت ثائر وهو يقترب من الباب، متوقفًا ليلتقط مسدسه الأسود من فوق الطاولة. قضمت شفتها، ونبض قلبها يدق بقوة تضاهي شدة الطرق. صرخ صوت من الجانب الآخر:- أفتح يا ثائر بسرعة.نظر الآخر عبر جزء صغير من الباب، ثم نحى سلاحه جانبًا وفتح الباب، بينما مالت هي فوق سريرها لتشعل المصباح، فغمر الضوء أرجاء الغرفة. دخل رماح، وكانت عينه متورمة وزرقاء، شفته مشقوقة، ثيابه ممزقة مغطاة بالتراب.صاح ثائر يقول بنبرة حادة:-مال وشك في إيه؟أجابه رماح وهو يحاول جمع أنفاسه المتقطعة قبل أن
حاولت عائشة الحديث معه أكثر من مرة خلال تلك الرحلة التي بدت، وكأنها لن تنتهي عبر الطرق الصحراوية الموحشة، لكن في كل مرة كانت تفتح فمها لتنطق، كان هو يضغط على دواسة السرعة ببرود لِتُدوي محركات سيارته الرينج روفر المصفحة وتطغى على صوتها. أدركت بمرارة أنه يفرض عليها الصمت كأول قانون في عالمه. استسلمت في النهاية، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد، وحاولت أن تمنع فكرة قتل عائلتها من الصعود إلى سطح وعيها؛ فالتفكير الآن يعني الانهيار التام وهي لا تملك رفاهية السقوط أمام هؤلاء الرجال. رغم الرعب لم تستطع إنكار أن الجلوس بجانبه كان له سحرٍ مخيف؛ رائحته التي تمزج التبغ بالرجولة، وسيطرته المطلقة على تلك الآلة الضخمة بلمسات واثقة من أصابعه الطويلة. بدأ التعب ينهش جسدها الضئيل. كانت ساقاها ترتجفان، وعيناها تحرقانها من كثرة البكاء المكتوم. أخيرًا انحرفت السيارات نحو منزل منعزل نسبيًا محاط بأسوار عالية، وكشافات ضوئية كأنها ثكنة عسكرية. ركن السيارة ببراعة وترجل منها بخفة، كأنه لم يقطع مئات الكيلومترات. حاولت عائشة أن تتبعه لكن ساقيها خانتاها فتعثرت؛ لتجد نفسها ترتمي نحو صدره الصلب. أمسكها من