Share

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-05-07 19:33:48

حاولت عائشة الحديث معه أكثر من مرة خلال تلك الرحلة التي بدت، وكأنها لن تنتهي عبر الطرق الصحراوية الموحشة، لكن في كل مرة كانت تفتح فمها لتنطق، كان هو يضغط على دواسة السرعة ببرود لِتُدوي محركات سيارته الرينج روفر المصفحة وتطغى على صوتها. أدركت بمرارة أنه يفرض عليها الصمت كأول قانون في عالمه. استسلمت في النهاية، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد، وحاولت أن تمنع فكرة قتل عائلتها من الصعود إلى سطح وعيها؛ فالتفكير الآن يعني الانهيار التام وهي لا تملك رفاهية السقوط أمام هؤلاء الرجال. رغم الرعب لم تستطع إنكار أن الجلوس بجانبه كان له سحرٍ مخيف؛ رائحته التي تمزج التبغ بالرجولة، وسيطرته المطلقة على تلك الآلة الضخمة بلمسات واثقة من أصابعه الطويلة.

بدأ التعب ينهش جسدها الضئيل. كانت ساقاها ترتجفان، وعيناها تحرقانها من كثرة البكاء المكتوم. أخيرًا انحرفت السيارات نحو منزل منعزل نسبيًا محاط بأسوار عالية، وكشافات ضوئية كأنها ثكنة عسكرية.

ركن السيارة ببراعة وترجل منها بخفة، كأنه لم يقطع مئات الكيلومترات. حاولت عائشة أن تتبعه لكن ساقيها خانتاها فتعثرت؛ لتجد نفسها ترتمي نحو صدره الصلب. أمسكها من ياقة سترتها الهودي التي ترتديها وعيناه تومضان بضيق مكبوت، ثم انحنى قليلًا نحوها وهو يزمجر بصوت خافت:

- ما تنشفي يا بت شوية مش كنتِ عاملة فيها سبع رجالة دلوقتي مش عارفة حتى تقفي على رجلك؟

كانت تُصارع نفسها لتبدو أكثر قوة. تلتقط أنفاسها بصعوبة، وتشد أصابعها في الهواء تحاول استعادة توازنها. ارتجف صدرها، وارتفع كتفاها في محاولة فاشلة لإخفاء اضطرابها قبل أن تتمالك نفسها بصعوبة، وتقول:

- عادي يعني مكنتش مركزة، وبعدين اتكعبلت.

تركها فجأة ومشى مبتعدًا، فترنحت وكادت تسقط لولا أن يدًا قوية أمسكت بها برفق وساعدتها على التوازن، فكان رماح وقال بنبرة هادئة:

ـ متاخديش على خاطرك من كلامه أو أسلوبه هو طبيعته كده بس صدقيني أكتر واحد تطمني وأنتِ معاه.

كانت تتنفس بصعوبة، ثم اعترفت بمرارة:

- أيوه بس بردو أنا مش فاهمة هو مش طايقني ليه؟ وتصرفاته معايا غريبة أوي.

ابتسم رماح بخفة، وقال بنبرة هادئة:

- صدقيني بكره هتتعودي على طريقته دي حتى لو مش عجباكِ.

تحركت عيناها ببطء بين الرجال الذين يقفون مصطفين تلمع أسلحتهم تحت الضوء واضحة، فبدوا كأشباح مرعبة لكن لسببٍ ما شعرت بينهم بأمان غريب ربما لأن الغابة تحميك من الذئاب بوجود أسدٍ أقوى.

نادى عثمان بصوته القوي على الجميع فاقتربت وهي تزيح خصلات شعرها الفوضوية، لتجد ثائر واقفًا يشعل سيجارته ببرود. وضع عثمان يده على كتفها بحنان، وقال وهو يوجه حديثه إليها:

ـ إحنا هنقسم نفسنا على عدد الأجنحة اللي هنا، وأنتِ هتكوني في الجناح بتاع ثائر علشان يخلي باله منك.

تجمدت ملامح ثائر، ونفخ دخان سيجارته بعيدًا، بينما تمتمت هي بذهول:

- لأ طبعًااااا مش هينفع إزاي ابات في أوضه واحده مع راجل غريب، وبعدين يعني أنا مش محتاجه حد يحرسني أنا أقدر أدافع عن نفسي لو حصل أي حاجه.

أخذ نفسًا عميقًا وأطالها بنظرة حادة تحمل قليلًا من السخرية والتهديد، ثم قال بنبرة سامه تكاد تتسلل إلى أعماقها:

- أنا مش شغال مربية أطفال يا عثمان هفضل ادادي واحايل اللي بياكل على ضرسه بينفع نفسه. أنت كده بتعطلني في الفاضي ومش هنفضل نتحايل على السنيورة ونشرحلها مش عاجبها تتفضل بالسلامة.

رد الآخر بصرامة لا تقبل النقاش:

- بقولك إيه البنت أنت اللي اخترت بنفسك أنها تكون أمانه عندك، وبقيت أنت اللي مسؤول عنها في كل حاجه مسؤولية كاملة. يعني خلاص مفيش أي نقاش في الموضوع ده ولا رجوع عن اتفاقنا.

نظر ثائر نحوها بنظرة كراهية محضة شعرت معها بأنها مجرد حمل ثقيل لا قيمة لها عند أي أحد. رفعت رأسها لتلمح رجلًا ضخمًا يحدق فيها بنظرات مريبة، يتفحصها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، فانكمشت مقتربة من عثمان. بدأ ثائر بتوزيع المفاتيح والمهام على رجاله، وبمجرد أن أنتهى دفع عائشة أمامه نحو الطابق العلوي بصمت مرعب، ثم دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه بقوة كادت تقتلع مفصلاته. مرر يده في شعره بعصبيه مكبوتة، يتجرع غضبه في صمت قبل أن ينتزع معطفه يقول:

- أنا خارج شوية ومش عايز أسمع حسِك لحد ما أرجع، ومش عايز المح خيالك برا الأوضة ولا حتى تفكري تفتحي الباب لحد تفضلي في مكانِك زي ما أنتِ. مفهوم؟

تجمدت في مكانها تحاول فهم ما يجري، ثم تمتمت بتوتر وبداية غضب واضح:

- هو إيه ده بقى إن شاء الله أنا محبوسه هنا يعني ولا إيه؟

استدار إليها ببطء، ونظراته حادة كالسكين، وقال بنبرة منخفضة، لكنها قاطعة:

- سميها زي ما تسميها المهم اللي أقوله يتسمع.

ابتلعت ريقها بخوف لم تستطع إخفاءه، ورغم ذلك حاولت المقاومة:

- طيب على الأقل فهمني أنا هنا ليه؟ وأنت متضايق مني كده ليه هو أنا عملتلك حاجة؟

زم شفتيه بعصبية، وكأن مجرد صوتها يضغط على أعصابه، واقترب خطوة جعلتها تتراجع لا إراديًا:

- مفيش غير إن وجودِك هنا مش اختياري. أنا كنت مضطر ليه، وأنا مش فاضي أضيع وقتي في رغي حريم ملوش لازمه.

رفعت رأسها، وقالت بتردد:

- بس أنا خايفة.

توقف للحظة، وكأن الكلمة ضربت بداخله مكانًا لم يكن يريد مسُه. شردت ملامحه ثوانٍ قبل أن يعود لصلابته المعتادة، ويقول ببرود جارح:

- الخوف عمره ما هيفيدك ده هيضيعك واللي محتاج تفهميه بجد إن المكان ده أرحم ليكِ من اللي كنتِ هتشوفيه برا.

ضاقت عيناها بارتباك:

- يعني إيه؟

نقل بصره عنها إلى الباب، وكأنه ينهي الموضوع تمامًا:

- يعني تقعدي هنا وأنتِ ساكته ده كل اللي محتاجه منِك دلوقتي.

ثم استدار وأمسك المقبض بقوة، وأضاف قبل خروجه بصوت خافت يشبه التحذير الأخير:

- وما تختبريش صبري عليكِ كتير. إحنا لسه في الأول ومش ناقص حوارات ووجع دماغ.

خرج مغلقًا الباب خلفه بحدة جعلت الغرفة كلها تهتز، تاركًا إياها وحدها بين خوفٍ لا تعرف سببه، ورجل لم تستطع حتى الآن أن تقرأه. سمعت صوت محرك سيارته ينطلق بسرعة جنونية تنهدت بحزن، فبرغم دفء الغرفة، ولكن شعرت ببرد قارص ينهش عظامها. كانت الغرفة مجهزة بالكامل، لكنها بدت كزنزانة. أحكمت إغلاق ترباس الباب، وجلست فوق السرير وهي تشعر بالخوف من صمت المكان.

───────⊹⊱🖤⊰⊹──────

بعد قليل طُرق الباب بهدوء، نظرت من الثقب لتجد رماح. فتحت له بحذر، فمد لها يده بأكياس الطعام وهو يتفحص ملامحها المتوترة وقال بمرح:

ـ جبتلك العشا عايزك بقى تاكلي كويس وترمي عضمك علشان إحنا داخلينا على أيام سوداء بإذن الله، ولازم تقدري تستحملي معانا اللي جاي.

ترددت للحظة، وأخذت نفسٍ قصير، ثم قالت بتوتر:

- هو ثائر راح فين؟

رماح وهو يُعدل الأكياس بين يديه:

- خرج يريح دماغه شويه. السيوفي لما دماغه تبقى مشغوله بحاجه أو متعصب بيحب يروح مكانه الخاص يشربله كاسين، يفرفش حبه.

رفعت عينيها إليه ببطء؛ وشعرت أن ما قاله أثار في داخلها قلقًا مفاجئًا، فهي الأن تعرف أنّ لثائر جانبًا مُظلمًا وهي في الأساس لا تعرف كيف تتعامل معه. ابتلعت ريقها والتردد على ملامح وجهها:

- هو... هو ممكن يعني يأذيني لو رجع وهو شارب؟

تنفس رماح وزفر تنهيده خفيفة، وظهر عليه أنه يبحث عن كلمات تُهدِئ خوفها من دون أن يضطر إلى الكذب عليها. حرك رأسه مطمئنًا لها واقترب خطوة صغيرة:

- لأ متخافيش ثائر دماغه تقيله، ده غير إنه عمره ما يلمس واحده من غير برضاها.

صمت لحظة، ثم وقع نظره على باب الغرفة، وكأنه يستعيد ذكريات غير سارة، ثم واصل حديثه بصوت خافت:

- بس نصيحة مني بلاش تقفي قدامه وهو كدة، لأنه بيتحول وقتها لشيطان مش هتقدري عليه.

انتابت عائشة قشعريرة خفيفة تسري على ظهرها، وأضحى الهواء بينهما ثقيلًا، كأن الغرفة قد ضاقت بهما فجأة. بعد رحيل رماح دخلت الحمام واستسلمت للمياه الساخنة التي أزالت تعب أيام من الرعب. لم يكن معها ملابس بديلة فغسلت ملابسها، وجواربها ونقعتها في الحوض، ثم ارتدت قميصًا أسود واسعًا "تيشيرت" كانت ترتديه تحت سترتها يصل إلى ما فوق ركبتيها بقليل كان مطبوعًا عليه رسمة غامضة لوجه كارتوني لأحد شخصيات الرسوم المتحركة الشهيرة . استلقت في السرير وأطفأت الأنوار تاركة مصباحًا صغيرًا ليؤنس وحشتها.

──────⊹⊱🖤⊰⊹──────

بعد وقت استيقظت فجأة على صوت خبط قوي، وانتفضت من سريرها لتجد الباب قد فُتح بعنف، والقفل ملقى على الأرض بعد فتحه بقوة. وقف ثائر ليسد فتحة الباب بجسده العريض عيناه تتفحّصان ذعرها ببرود مستفز، وقال بصوت رخيم مبحوح من أثر الكحول:

- بقالي ساعة بحاول أدخل الأوضه بتقفلي الباب بالترباس ليه؟ لسه عندك أمل إنِك هتنامي لوحدك الليلة دي فيها ولا إيه؟

أجابت برعب وعلى عجل وهي تجذب الغطاء إلى صدرها:

- أنا... أنت اللي قولتلي خليكِ هنا ومتخرجيش، فأنا خفت وأنا لوحدي وافتكرت إنك.....

أغلق الباب خلفه وبدأ في خلع حذائه، وسترته وهو يقترب منها. أخذت تزحف للخلف فوق السرير وهي تراه يخلع قميصه الأسود بضيق ليظهر صدره العضلي المفتول الذي يزينه وشم مميز وتخفيه بعض الندوب قديمة. سألها بوقاحة ولؤم يغمز لها بعينه وهو يلمح نظراتها إلى نصفه العاري:

- بتبصيلي كدة ليه يا قمر عجبك مش كده؟ أمممم ولا لتكوني خايفة آكلك؟ لأ متخافيش أنتِ مش من نوع الستات اللي يعجبني أصلًا.

ابتلعت ريقها وهي تراه يقترب ببطء، وعيناه تلمعان بالعبث والخبث، نظراته تتلاعب بأعصابها ومشاعرها. لاحظ فجأة القميص الذي ترتديه، فاقترب أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسه الساخنة على وجهها، قال بصوت منخفض وساخر:

- إيه اللي أنتِ لبساه ده، في واحدة كبيرة في سنك تلبس لبس هدوم عليها كارتون أطفال، أنتِ لسه متفطمتيش ولا إيه.

لم تستطع الرد، فنظراتها قد تعلقت معلقة بوشم صغير لخيط أسود رفيع جدًا ملتف حول قلب وينتهي بعقدة صغيرة مرسوم بدقة شديدة فوق قلبه النابض، وشم بدا رقيقًا جدًا على رجل بقسوته.

لاحظ هو نظراتها له، فقال بابتسامة مريرة، وهو يمرر إصبعه على وجنتها بحنان، ولأول مره ينطق باسمها:

- نامي يا عائشة علشان بكرة يومنا طويل ارتاحي دلوقتي.

تركها ودخل الحمام لتسمع صوت الماء يغمر جسده. خرج بعد دقائق وهو يرتدي سرواله الأسود فقط، وشعره المبتل ينسدل على جبينه. اتجه واستلقى على الأريكة المقابلة للسرير القابعة عليه بجسد مشدود، وعيونه تتفحصها وهي تتململ في نومها:

- الضمان الوحيد لحياتك في الدنيا دي هو وجودك معايا فاهدي وبلاش تفكير كتير.

كتمت شهقتها في الوسادة، وانهمرت دموعها في صمت تتذكر عائلتها. شعرت بتقلب ثائر على الأريكة برغم أنه لم ينطق بحرف أخر إلا أنها شعرت بصدق أن هذا "الوحش" هو الشخص الوحيد الذي يمنعها من السقوط في هاوية لا نهاية لها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وشم على قلب ثائر    الفصل الخامس

    بعد عدة ساعات كاملة من العذاب البدني والنفسي أيضًا كانت تجر قدميها بصعوبة نحو غرفتها، كأنها تحمل جبالًا فوق كاهلها. كانت ساقاها ترتجفان بعنف، وجسدها النحيل مغطى بطبقة من العرق والتراب الذي التصق بجلدها. بمجرد دخولها لم تفكر في شيء سوى الماء توجهت نحو الحمام ووقفت تحت الدش الساخن لثوانٍ قبل أن تخونها قواها وتنزلق لتجلس في أرضية الحوض، تاركة المياه الساخنة تنساب فوق جسدها لتغسل ألمها الجسدي. كانت تدرك تمامًا أن ثائر يحاول كسر كبريائها أو هكذا خيل لها لكنها رغم الوجع، قررت في أعماقها ألا تمنحه تلك اللذة أبدأ.خرجت من الحمام وهي تلملم شتات نفسها، وارتدت ملابسها بسرعة. وبينما كانت تقف أمام المرآة تحاول تسريح شعرها المبلل بيد مرتجفة من الألم اخترق هدوء الغرفة صوت طرقات على الباب. توقفت يدها في الهواء، وظنت للوهلة الأولى أنه عثمان أو رماح، لكن خوفًا غريبًا تسلّل إليها بلا سبب واضح. اقتربت من الباب ببطء، وتوقفت لحظة قبل أن تسأل بصوت منخفض: -مين؟ شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها عندما علمت بهاوية الطارق وتراجعت خطوة للخلف بخوف لا تعلم سببه، وبتردد مدت يدها وفتحت القفل ببطء شديد. كان شاهر يب

  • وشم على قلب ثائر    الفصل الرابع

    أطالت عائشة في نومها غارقة في دفء السرير الذي بدا وكأنه يضمها بعيدًا عن العالم. تشعر بأمانٍ غريب لمجرد معرفة أن ذلك الوحش كما تلقبه بين نفسها مستسلم للنوم على الأريكة المجاورة، وجوده رغم كل شيء كان يمنحها هدوءًا لم تختبره منذ زمن لكن هذا الأمان تبدد فجأة كفقاعة هواء، عندما شعرت بهزات قوية لكتفها. تلاها صوته الحاد الذي اخترق صمت الغرفة بنفاد صبر:-متخلصي بقالي ساعة بصحي فيكِ. أنا مش فاهم أنتِ مقتولة، ولا مغيببه ولا إيه حكايتك بالظبط؟ مش طبيعي النوم ده.انتفضت بجسدها كله، وسحبت الغطاء بعفوية للأعلى لتداري جسدها، وهي تحاول استيعاب المكان والزمان. صرخت بنبرة يملأها الفزع والارتباك:-في إيه البيت بيولع؟! حد جرى له حاجة؟ثم التقطت أنفاسها بصعوبة وهي تستوعب الأمر تتنهد بغضب وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها، وأكملت بصوت يرتجف من أثر الخضة:-يا شيخ حرام عليك. حد يصحي حد كده قلبي كان هيقف من الرعب.نظر إليها ببرود وجدية واقترب منها، ثم مال بجسده عليها، وقال بنبرة حاسمة:-ياريت نخلص من الأفورة دي دلوقتي، وقدامك عشر دقايق بالظبط وتكوني جاهزة، ومش عايز أسمع صوتك ولا كلمة زيادة مفهوم؟عائشة و

  • وشم على قلب ثائر    الفصل الثالث

    أيقظها طرق مُلحّ وقوي على الباب، فأطلقت صرخة فزع مكتومة، وانتفضت في سريرها في اللحظة نفسها نهض ثائر عن الأريكة ببرود قاتل، ومد يده بإشارة تُرغمها على الصمت، وعيناه الثاقبتان تلمحان كل تحركٍ صغير لها. قفز قلبها في صدرها، وكأن كل الهواء في الغرفة أختفى، فيما ارتجفت يداها وهي تحاول التمسك باللحاف. أشار إليها ثائر بالإصبع، وصوته منخفض وقاطع: -خليكِ مكانكِ هنا متتحركيش.لمحت الساعة المستقرة على طاولة السرير الجانبية كانت تشير إلى السادسة صباحًا. الضوء الرمادي البارد المنبعث من النافذة الكبيرة يلقي بظلاله الموحشة على الغرفة. راقبت ثائر وهو يقترب من الباب، متوقفًا ليلتقط مسدسه الأسود من فوق الطاولة. قضمت شفتها، ونبض قلبها يدق بقوة تضاهي شدة الطرق. صرخ صوت من الجانب الآخر:- أفتح يا ثائر بسرعة.نظر الآخر عبر جزء صغير من الباب، ثم نحى سلاحه جانبًا وفتح الباب، بينما مالت هي فوق سريرها لتشعل المصباح، فغمر الضوء أرجاء الغرفة. دخل رماح، وكانت عينه متورمة وزرقاء، شفته مشقوقة، ثيابه ممزقة مغطاة بالتراب.صاح ثائر يقول بنبرة حادة:-مال وشك في إيه؟أجابه رماح وهو يحاول جمع أنفاسه المتقطعة قبل أن

  • وشم على قلب ثائر    الفصل الثاني

    حاولت عائشة الحديث معه أكثر من مرة خلال تلك الرحلة التي بدت، وكأنها لن تنتهي عبر الطرق الصحراوية الموحشة، لكن في كل مرة كانت تفتح فمها لتنطق، كان هو يضغط على دواسة السرعة ببرود لِتُدوي محركات سيارته الرينج روفر المصفحة وتطغى على صوتها. أدركت بمرارة أنه يفرض عليها الصمت كأول قانون في عالمه. استسلمت في النهاية، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد، وحاولت أن تمنع فكرة قتل عائلتها من الصعود إلى سطح وعيها؛ فالتفكير الآن يعني الانهيار التام وهي لا تملك رفاهية السقوط أمام هؤلاء الرجال. رغم الرعب لم تستطع إنكار أن الجلوس بجانبه كان له سحرٍ مخيف؛ رائحته التي تمزج التبغ بالرجولة، وسيطرته المطلقة على تلك الآلة الضخمة بلمسات واثقة من أصابعه الطويلة. بدأ التعب ينهش جسدها الضئيل. كانت ساقاها ترتجفان، وعيناها تحرقانها من كثرة البكاء المكتوم. أخيرًا انحرفت السيارات نحو منزل منعزل نسبيًا محاط بأسوار عالية، وكشافات ضوئية كأنها ثكنة عسكرية. ركن السيارة ببراعة وترجل منها بخفة، كأنه لم يقطع مئات الكيلومترات. حاولت عائشة أن تتبعه لكن ساقيها خانتاها فتعثرت؛ لتجد نفسها ترتمي نحو صدره الصلب. أمسكها من

  • وشم على قلب ثائر    الفصل الأول

    خلف الباب المُصفح لغرفة المراقبة الملحقة بمكتب والدها، وقفت كتمثال من الجليد في قلب الغرفة ترى المذبحة كاملة عبر الشاشات الصامتة المعلّقة على الجدار. رجال ببدلات رسمية يتحركون ببرودٍ تام داخل المكتب الفاخر يمسحون أي أثرٍ لوجودهم بعد أن تركوا والداها وشقيقتها غارقين في دمائهم فوق السجاد الثمين. كانت دقات قلبها تعلو حتى ظنت أنها ستخترق الجدران العازلة للصوت. رأت رئيسهم يقف أمام الكاميرا مباشرة يمسح الدم عن طرف حذائه باهتمامٍ مبالغ فيه قبل أن يُعطي إشارة لرجاله بالانسحاب، وبمجرد أن خلت الشاشات إلا من جثث عائلتها انقطعت الكهرباء فجأة، وغرقت الغرفة في ظلامٍ دامس. تجمدت في مكانها عندما توقف أحد الرجال أمام خزانة الملفات القريبة، فحبست أنفاسها حتى كادت رئتاها تنفجران، وشعرت بدقات قلبها تتسارع متمردة داخل صدرها، كأنها تصرخ للعالم عن مكانها. كانت تدرك أنهم رجال عائلة النعيمي أحد اذرع مافيا الأدوية والأعضاء التي لا ترحم. جميعهم يرتدون بذلات داكنة أنيقة، ومن بينهم كان ذلك الرجل الذي أزهق أرواح عائلتها قبل دقائق معدودة.​ أنهوا تفتيش كل شيء، وبعثروا أغراضها هي وشقيقتها وأغراض والدتها الراحلة في فو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status