ANMELDENأيقظها طرق مُلحّ وقوي على الباب، فأطلقت صرخة فزع مكتومة، وانتفضت في سريرها في اللحظة نفسها نهض ثائر عن الأريكة ببرود قاتل، ومد يده بإشارة تُرغمها على الصمت، وعيناه الثاقبتان تلمحان كل تحركٍ صغير لها. قفز قلبها في صدرها، وكأن كل الهواء في الغرفة أختفى، فيما ارتجفت يداها وهي تحاول التمسك باللحاف. أشار إليها ثائر بالإصبع، وصوته منخفض وقاطع:
- خليكِ مكانكِ هنا متتحركيش. لمحت الساعة المستقرة على طاولة السرير الجانبية كانت تشير إلى السادسة صباحًا. الضوء الرمادي البارد المنبعث من النافذة الكبيرة يلقي بظلاله الموحشة على الغرفة. راقبت ثائر وهو يقترب من الباب، متوقفًا ليلتقط مسدسه الأسود من فوق الطاولة. قضمت شفتها، ونبض قلبها يدق بقوة تضاهي شدة الطرق. صرخ صوت من الجانب الآخر: - أفتح يا ثائر بسرعة. نظر الآخر عبر جزء صغير من الباب، ثم نحى سلاحه جانبًا وفتح الباب، بينما مالت هي فوق سريرها لتشعل المصباح، فغمر الضوء أرجاء الغرفة. دخل رماح، وكانت عينه متورمة وزرقاء، شفته مشقوقة، ثيابه ممزقة مغطاة بالتراب. صاح ثائر يقول بنبرة حادة: - مال وشك في إيه؟ أجابه رماح وهو يحاول جمع أنفاسه المتقطعة قبل أن يجيب: - ياعم اصبر هقولك. كنا سهرانين بره رجالة النعيمي ولاد الكلب نصبوا لنا كمين في الطريق وأنا قدرت أهرب أنا وأدهم بس صقر دخل معاهم في خناقة واتصاب وحالته صعبه. تشنجت ملامح ثائر والغضب يختلط بالصدمة، وصوته ارتفع بسبه نابيه: - يا ولاد الـ ### وأدهم وصقر فين دلوقتي؟ ارتجف رماح وهو ينطق بصوت حزين، كأن كل كلمة تكلفه جهدًا: - في الأوضه بتاعتهم اللي تحت والرجالة معاهم بس صقر بيموت. لم يبرح ثائر مكانه سوى لحظة قصيرة، وعيناه تتقدان بالغضب والقلق، جسده مشدود، ثم اجاب بصوت حازم وقاطع: - طيب حاول تمسك نفسك قدام الرجالة، وانزل ودقيقة وهكون عندك. ألقى رماح نظرة خاطفة على عائشة، ثم هرع خارجًا. أغلق ثائر الباب والتقط بنطاله وقميصه الأسود. ترددت عائشة متسائلة إن كان يجدر بها الذهاب معه، لكنه قرأ أفكارها وهز رأسه بحدة وهو يرتدي قميصه. وقف ثائر عند الباب يأمرها بلا جدال: - أنتِ خليكِ هنا ومتفتحيش الباب لجنس مخلوق. ارتجفت هي تحت واطئة تحكمه، وحاولت الاعتراض بصوت متردد ومرتجف: - بس أنا لازم أعرف بيحصل إيه مش هفضـ.... قاطعها بنبره حادة هو يخرج مسرعًا، فامتثلت له صامته: - قولت خليكِ هنا متتحركيش فاهمــــة. أغلق الباب وتركها خلفه تحدق في أثره طويلًا، ثم انزلقت تحت الأغطية محاولة استجماع ما تبقّى من هدوئها. تذكرت حضن والدتها وذلك الدفء الذي لم تعد تجده الأن، وتمنت لو تجد من يضمها في هذا المكان الموحش. حاولت النوم من جديد، لكن الصمت في الغرفة صار خانقًا. ──────⊹⊱🖤⊰⊹────── بعد دقائق ضاقت أنفاسها، فدفعت الأغطية بعيدًا وارتدت بنطالها الجينز وسترتها. خرجت إلى الشرفة الواسعة للمنزل، كان هواء الصباح البارد يلسع وجهها بقسوة. وفجأة، شقّت صرخة حادة سكون الفجر، صرخة هزت قلبها قبل أن تهز أركان المكان. جفلت عائشة، وشعرت بقلبها يخفق بعنف. تجاهلت كل تحذيراته، واتجهت ناحية مصدر الصوت بخطوات مترددة. وصلت أمام غرفة خلفية، كان الباب مواربًا والضوء بالداخل ساطعًا. دفعت الباب بحذر ودخلت. لمحت ستة رجال يقفون بشكل نصف دائرة حول سرير غارق بالدماء. وقبل أن تلمح أي تفاصيل أخرى، اصطدمت بصدر صلب وذراعين قويتين أحاطتا بها بسرعة لحجب الرؤية عنها. اقتادها خارج الغرفة بقوة، وأُغلق الباب خلفهما بعنف. التفت إليها وعيناه تشتعلان غضبًا، وصاح فيها بصوت مكتوم ومشحون بالشر: - هو أنا مش قولت زفت متخرجيش؟ إيه اللي جابك هنا؟ عايزة تشوفي القرف ده ليه هو أنتِ لو مكنتيش تعملي عكس اللي يتقالك عليه مترتاحيش. تراجعت عائشة خطوة للخلف، وجسدها كله ينتفض، ونطقت بكلمات متلعثمة: - أصـ .... أصل سمعت صوت صرخة صعبة أوي. افتكرت في حاجة حصلت فمقدرتش أقعد لوحدي فوق. قبض على ذراعيها بقوة، محاولًا السيطرة على ثورته وهو يرى الرعب في عينيها، وقال بنبرة خشنة: - اللي شوفتيه جوه ده ملوش علاقة بيكِ. صقر بيموت بين إيدينا، وأنا مش ناقص جنانك وعندك اطلعي فوق حالًا وقسمًا بالله لو رجلك عتبت برا الأوضة تاني بدون إذني هيكون ليا تصرف تاني معاكِ. نظرت إلى يده الملطخة ببعض قطرات الدماء، ثم إلى وجهه الذي غطاه الشحوب والغل، وهمست بصوت مبحوح: - يالهووووي دم هو بجد بيموت؟ زفر بضيق، وكأنه يطرد الهواء من رئتيه المحترقتين، ثم دفعها برفق تجاه الدرج وهو يقول بلهجة قاطعة: - اطلعي يا عائشة، اطلعي ومتخليش صبري يخلص أكتر من كده. الدنيا مقلوبة وأنتِ قاعدة تندبي. استسلمت إلى أمره وتركت المكان وهي تشعر ببرودة تسري في أوصالها، ليس بسبب الهواء المحيط، بل من هول المنظر الذي لمحه بصرها قبل ثوانٍ، بينما وقف هو يراقب صعودها وعيناه تعودان لتلك القسوة الممزوجة بالخوف على رفاقه. استدار ومشى بخطوات واسعة ونبضات هادرة نحو ركن بعيد في الصالة السفلية حيث توجد خزانة سلاحه، بينما صعدت الدرج بخطوات ثقيلة. وقبل أن تدخل غرفتها توقفت ونظرت من الأعلى، فرأته يقف بصلابة يلتقط مسدسه الإضافي، ويتفقد مخزن الذخيرة ببرود مهني مخيف، وكأن ما يحدث حوله من دماء وصراخ أمر روتيني لا يثير في نفسه أي اضطراب، وبدافع غريب لم تستطع كبحه، خرجت كلماتها هامسة ومسموعة له قبل أن تمنع نفسها: - ثائر خلي بالك من نفسك من فضلك. توقف عن الحركة تمامًا لثانية واحدة ورفع رأسه إليها بنظرة غريبة، وكأنها كائن فضائي نطق بلغة لا يفهمها أو كأن وقع كلماتها عليه كان أشد وأنفذ من صوت الرصاص الذي اعتاده. ساد الصمت بينهما لثوانٍ معدودة، ثم هز رأسه بلامبالاة مصطنعة وهو يضع المسدس في حزامه، واستدار خارجًا دون أن ينبس بكلمة واحدة. دخلت غرفتها ، وهي تسمع صوت محركات السيارات المصفحة ، وهي تزأر في الساحة الخارجية، ثم انطلقت خارجة من الجراج، كأنها وحوش كاسرة منطلقة للثأر. شعرت ببرودة الوحدة تنهشها، فأغلقت الباب بإحكام ويدها ترتجف، ثم عادت إلى سريرها وتكورت حول نفسها تحت الأغطية. ────────⊹⊱🖤⊰⊹──────── توقف الصراخ تمامًا، وحل صمتٍ كان وقع ثقله على روحها أشد رعبًا من الضجيج الذي سبقه، وكأن الهدوء نذير لعاصفة أكبر قادمة. وسط هذا السكون المريب، خذلها جسدها المنهك فاستسلم لنومٍ مضطرب، مسكونٍ بالكوابيس والخيالات المشوشة. لم تستيقظ إلا على صوت طرقاتٍ هادئة، منتظمة، تنسل عبر خشب الباب. فتحت عينيها ببطء لتتأمل أرجاء الغرفة الغارقة في الظلام؛ وبفطنه أدركت من إيقاع الخبطات أنه ليس ثائر، فهو لا يدخل إلا بهيبة تزلزل الأركان، وصخبٍ يعلن عن سطوته قبل أن تطأ قدماه العتبة، أما هذه الطرقات فكانت شديدة الحذر، هادئة. نهضت عن فراشها بخطىً مثقلة، واتجهت نحو الباب تفتح بحذر لتجد عثمان واقفًا بملامحه الهادئة التي تحمل شيئًا من الوقار الصارم. دخل بخطوتين ثابتتين، يحمل حقيبة بنية كبيرة، ورائحة القهوة العتيقة لازالت عالقة بثيابه. قال وهو يبتسم ابتسامة خفيفة - صباح الخير جبتلك شوية حاجات متأكد إنك هتحتاجيهم. وضع الحقيبة على السرير، فانفرجت لتكشف عن ملابس جديدة، فرشاة شعر، أدوات عناية، وزجاجة عطر خفيف، وحقيبة ورقية أخرى بها إفطار ساخن، تتصاعد منها بخار أعاد بعض الدفء لقلبها المرتبك. شكرته بحرج وجلست تتناول اللقمة الأولى بنهمٍ جائع، فسألته بصوتٍ خافت، متردد: ـ هو.... ثائر رجع؟ رفع عثمان نظره إليها، ثم رد بلطفٍ لا يخلو من صلابة: ـ لسه بس متقلقيش ده بسبع أرواح وعارف هو بيعمل إيه كويس. اقترب خطوة، ثم ربت على كتفها بحنان أبويّ غاب عنها: - لو احتاجتِ أي حاجة قوليلي. أنتِ من اللحظة اللي دخلتِ فيها حياة عيلة السيوفي مبقتيش غريبة، وبقيتي واحده مننا والسيوفيه يا عائشة يموتوا ولا يفرطوا في اللي منهم. لم تستطع عائشة التماسك أكثر ونزلت دموعها رغمًا عنها تهمس: ـ شكرًا لحضرتك أنت الوحيد اللي بتعاملني كويس هنا وواخد بالك مني زي ما كان بابي بيعمل معايا. ضمها عثمان برفق مواسيًا، فانفجرت في البكاء على صدره مفرغة كل وجع الأيام الماضية، ثم غادر بعد أن طمأنها، وبقت هي تتساءل في صمت: أين ثائر الآن؟ ────────⊹⊱🖤⊰⊹──────── حلّ المساء، ولا أثر له. حين جاء رماح لزيارتها، وجد القلق مرسومًا على ملامحها بوضوح، وعينيها تبحثان عن شخصًا ما بصمتٍ لا يحتاج إلى تفسير. أدرك ما يشغل بالها، فابتسم ابتسامة ماكرة، وقال بخبثٍ محسوب: ـ تعرفي إن ثائر ده مولود في وسط الرصاص. مهما يمر عليه، ومهما حاولوا يوقعوه عمره ما خسر. تلاقيه دايمًا حاطط على الكبير قبل الصغير. ثم استرخى على الأريكة، وبدأ يسرد لها تاريخ عائلة السيوفي كواحده من الأسر العريقة الثرية ذات النفوذ والصيت الذي لا يخفى على أحد والتي لا تعرف الهزيمة لها طريقًا. في المقابل أشعلت عائشة التلفاز الصغير الملحق بالغرفة متظاهرة بالانشغال بما يُعرض عليه كي لا تُظهر اهتمامها الحقيقي بحديثه عن الآخر وجلست إلى جواره تتناول بعض الوجبات الخفيفة، تحاول أن تخفف ثقل ما يضغط على صدرها، وتدفع ذهنها بعيدًا عمّا يقلقها. وللمرة الأولى منذ وصلت إلى هذا المكان الموحش، شعرت براحه تتسلل إلى قلبها… راحه لم تكن تتوقع يومًا أن تجدها هنا. فجأة، انفتح الباب وارتطم بالحائط. انتفض رماح جافلًا، بينما تجمدت هي في مكانها لثانية خاطفة قبل أن يواجهوا ثائر، وقد بدا كأنه خرج من قلب الجحيم؛ ثيابه ملطخة بالدماء، وعيناه تلمعان ببريقٍ مرعب. تقدم خطوة إلى الداخل، ونظراته تجولت بينهما ببطءٍ قاتل، كأنه يزن المشهد بميزان حساس لا يخطئ. انقبضت عضلات فكه، وصوته خرج منخفضًا في البداية، لكنه كان مشحونًا بما يكفي ليهز الغرفة كلها: - أنت بتعمل إيه عندك هنا وانا مش موجود؟ ارتبك رماح للحظة، وتبادل نظرة سريعة مع عائشة، ثم حاول أن يبتلع ريقه قبل أن يجيب، لكن صوته خرج أقل ثباتًا مما أراد: ـ كنا بنتفرج على فيلم، وبنتكلم شوية بدل الضغط اللي إحنا فيه. كانت نظراته مشدودة للمشهد أمامه سرعان ما تحوّلت إلى غضبٍ صريح. ملامحه تبدلت، وفكه انقبض بقوة، كأنه يحاول كبح شيء على وشك الانفجار. ساد صمتٍ ثقيل لثوانٍ، لم يقطعه سوى أنفاس متوترة في الغرفة. فـ عائشة تجمدت في مكانها، ورماح تراجع خطوة غير واعي تحت وقع النظرة التي تثبته في مكانه. وفجأة دون مبرر اندفع ثائر نحوه وأمسك بياقته بقوة، فاهتز جسد رماح بين يديه. ارتفعت أنفاس الآخر، وصوته خرج حادًا ومباشرًا دون مقدمات: ـ براااا ومش عاوز أشوف وشك هنا طول ما أنا مش موجود، متعتبش رجلك الأوضه دي لا أنت ولا غيرك، وبطل استعباط. هرع رماح إلى الخارج في صمتٍ، كأنه يهرب من مواجهة لا يقدر على خوضها ، بينما انكمشت عائشة في مكانها تراقب الباب المغلق، كأنه سيبتلعها في أي لحظة. اقترب منها ببطءٍ محسوب، خطواته ثقيلة لكن عينيه أخفقت فيهما أي ملامح هدوء. كان الغضب فيه مكتومًا، لكنه يضغط على ملامحه كجمرٍ تحت الرماد، وقال بصوتٍ حاد، وعيناه لا تفارقانها: - متبصليش كأني بعبع قدامك. أنتِ شايفة إن اللي عملتيه ده صح؟ وجودك مع شاب غريب في أوضة وبالليل لوحدكم؟ ارتفعت أنفاسها قليلًا، لكنها حاولت ألا تُظهر ارتباكها، ورفعت رأسها نحوه، وفي صوتها مزيج من الغضب والجرأة الغير محسوبة: - يا سلاااام يا خويا ما أنت قاعد معايا زيه وبتبات كمان إيه اللي فرق بقى؟ وبعدين إحنا كنا قاعدين باحترامنا، ومفيش أي حاجة غلط عملناها. جز على أسنانه، واشتدت قبضته حتى ابيضّت مفاصله من فرط الغيظ، يحاول كبح اندفاعه قبل أن يفلت منه ويكسر رأسها اليابس، وهو يقترب منها ويرفع يده في وجهها مهدد إياها بخداع بالضرب. تراجعت إلى الخلف تلقائيًا، وارتفع خوفها في عينيها ترفع يدها أمام وجهها كحاجز دفاعي، بينما يقول: - أنا وأنتِ وجودنا في الأوضة دي مع بعض اضطراري بسبب الظروف الزفت اللي إحنا فيها. ده غير إني واثق في نفسي كويس وعارف أنك لا يمكن تهزي فيا شعره، لكن مش كل الناس زيي ومش كل اللي حواليكِ مضمونين. فخلي بالك من تصرفاتك. ابتعد عنها وألقى بسلاحه على الطاولة، ثم قال بنبرة حازمة: - أمشي من وشي دلوقتي وأعملي حسابك علشان من بكرة مفيش دلع. هعلمك إزاي تشيلي سلاح وتضربي نار اللي جاي مفيش فيه هزار وأنا مش ضامن الظروف بعد كده. ثم انحنى وأطفأ الضوء، فانسحب النور من الغرفة دفعة واحدة، وغرق المكان في عتمه خانقة، وظلت عائشة وحدها تتأمل ما حدث بينهما منذ لحظات، مشدوهة بذلك الرجل الذي يجمع في نظراته بين الموت والحياة… وكأنهما يسكنان عينيه معًا بلا فاصل.بعد عدة ساعات كاملة من العذاب البدني والنفسي أيضًا كانت تجر قدميها بصعوبة نحو غرفتها، كأنها تحمل جبالًا فوق كاهلها. كانت ساقاها ترتجفان بعنف، وجسدها النحيل مغطى بطبقة من العرق والتراب الذي التصق بجلدها. بمجرد دخولها لم تفكر في شيء سوى الماء توجهت نحو الحمام ووقفت تحت الدش الساخن لثوانٍ قبل أن تخونها قواها وتنزلق لتجلس في أرضية الحوض، تاركة المياه الساخنة تنساب فوق جسدها لتغسل ألمها الجسدي. كانت تدرك تمامًا أن ثائر يحاول كسر كبريائها أو هكذا خيل لها لكنها رغم الوجع، قررت في أعماقها ألا تمنحه تلك اللذة أبدأ.خرجت من الحمام وهي تلملم شتات نفسها، وارتدت ملابسها بسرعة. وبينما كانت تقف أمام المرآة تحاول تسريح شعرها المبلل بيد مرتجفة من الألم اخترق هدوء الغرفة صوت طرقات على الباب. توقفت يدها في الهواء، وظنت للوهلة الأولى أنه عثمان أو رماح، لكن خوفًا غريبًا تسلّل إليها بلا سبب واضح. اقتربت من الباب ببطء، وتوقفت لحظة قبل أن تسأل بصوت منخفض: -مين؟ شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها عندما علمت بهاوية الطارق وتراجعت خطوة للخلف بخوف لا تعلم سببه، وبتردد مدت يدها وفتحت القفل ببطء شديد. كان شاهر يب
أطالت عائشة في نومها غارقة في دفء السرير الذي بدا وكأنه يضمها بعيدًا عن العالم. تشعر بأمانٍ غريب لمجرد معرفة أن ذلك الوحش كما تلقبه بين نفسها مستسلم للنوم على الأريكة المجاورة، وجوده رغم كل شيء كان يمنحها هدوءًا لم تختبره منذ زمن لكن هذا الأمان تبدد فجأة كفقاعة هواء، عندما شعرت بهزات قوية لكتفها. تلاها صوته الحاد الذي اخترق صمت الغرفة بنفاد صبر:-متخلصي بقالي ساعة بصحي فيكِ. أنا مش فاهم أنتِ مقتولة، ولا مغيببه ولا إيه حكايتك بالظبط؟ مش طبيعي النوم ده.انتفضت بجسدها كله، وسحبت الغطاء بعفوية للأعلى لتداري جسدها، وهي تحاول استيعاب المكان والزمان. صرخت بنبرة يملأها الفزع والارتباك:-في إيه البيت بيولع؟! حد جرى له حاجة؟ثم التقطت أنفاسها بصعوبة وهي تستوعب الأمر تتنهد بغضب وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها، وأكملت بصوت يرتجف من أثر الخضة:-يا شيخ حرام عليك. حد يصحي حد كده قلبي كان هيقف من الرعب.نظر إليها ببرود وجدية واقترب منها، ثم مال بجسده عليها، وقال بنبرة حاسمة:-ياريت نخلص من الأفورة دي دلوقتي، وقدامك عشر دقايق بالظبط وتكوني جاهزة، ومش عايز أسمع صوتك ولا كلمة زيادة مفهوم؟عائشة و
أيقظها طرق مُلحّ وقوي على الباب، فأطلقت صرخة فزع مكتومة، وانتفضت في سريرها في اللحظة نفسها نهض ثائر عن الأريكة ببرود قاتل، ومد يده بإشارة تُرغمها على الصمت، وعيناه الثاقبتان تلمحان كل تحركٍ صغير لها. قفز قلبها في صدرها، وكأن كل الهواء في الغرفة أختفى، فيما ارتجفت يداها وهي تحاول التمسك باللحاف. أشار إليها ثائر بالإصبع، وصوته منخفض وقاطع: -خليكِ مكانكِ هنا متتحركيش.لمحت الساعة المستقرة على طاولة السرير الجانبية كانت تشير إلى السادسة صباحًا. الضوء الرمادي البارد المنبعث من النافذة الكبيرة يلقي بظلاله الموحشة على الغرفة. راقبت ثائر وهو يقترب من الباب، متوقفًا ليلتقط مسدسه الأسود من فوق الطاولة. قضمت شفتها، ونبض قلبها يدق بقوة تضاهي شدة الطرق. صرخ صوت من الجانب الآخر:- أفتح يا ثائر بسرعة.نظر الآخر عبر جزء صغير من الباب، ثم نحى سلاحه جانبًا وفتح الباب، بينما مالت هي فوق سريرها لتشعل المصباح، فغمر الضوء أرجاء الغرفة. دخل رماح، وكانت عينه متورمة وزرقاء، شفته مشقوقة، ثيابه ممزقة مغطاة بالتراب.صاح ثائر يقول بنبرة حادة:-مال وشك في إيه؟أجابه رماح وهو يحاول جمع أنفاسه المتقطعة قبل أن
حاولت عائشة الحديث معه أكثر من مرة خلال تلك الرحلة التي بدت، وكأنها لن تنتهي عبر الطرق الصحراوية الموحشة، لكن في كل مرة كانت تفتح فمها لتنطق، كان هو يضغط على دواسة السرعة ببرود لِتُدوي محركات سيارته الرينج روفر المصفحة وتطغى على صوتها. أدركت بمرارة أنه يفرض عليها الصمت كأول قانون في عالمه. استسلمت في النهاية، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة البارد، وحاولت أن تمنع فكرة قتل عائلتها من الصعود إلى سطح وعيها؛ فالتفكير الآن يعني الانهيار التام وهي لا تملك رفاهية السقوط أمام هؤلاء الرجال. رغم الرعب لم تستطع إنكار أن الجلوس بجانبه كان له سحرٍ مخيف؛ رائحته التي تمزج التبغ بالرجولة، وسيطرته المطلقة على تلك الآلة الضخمة بلمسات واثقة من أصابعه الطويلة. بدأ التعب ينهش جسدها الضئيل. كانت ساقاها ترتجفان، وعيناها تحرقانها من كثرة البكاء المكتوم. أخيرًا انحرفت السيارات نحو منزل منعزل نسبيًا محاط بأسوار عالية، وكشافات ضوئية كأنها ثكنة عسكرية. ركن السيارة ببراعة وترجل منها بخفة، كأنه لم يقطع مئات الكيلومترات. حاولت عائشة أن تتبعه لكن ساقيها خانتاها فتعثرت؛ لتجد نفسها ترتمي نحو صدره الصلب. أمسكها من
خلف الباب المُصفح لغرفة المراقبة الملحقة بمكتب والدها، وقفت كتمثال من الجليد في قلب الغرفة ترى المذبحة كاملة عبر الشاشات الصامتة المعلّقة على الجدار. رجال ببدلات رسمية يتحركون ببرودٍ تام داخل المكتب الفاخر يمسحون أي أثرٍ لوجودهم بعد أن تركوا والداها وشقيقتها غارقين في دمائهم فوق السجاد الثمين. كانت دقات قلبها تعلو حتى ظنت أنها ستخترق الجدران العازلة للصوت. رأت رئيسهم يقف أمام الكاميرا مباشرة يمسح الدم عن طرف حذائه باهتمامٍ مبالغ فيه قبل أن يُعطي إشارة لرجاله بالانسحاب، وبمجرد أن خلت الشاشات إلا من جثث عائلتها انقطعت الكهرباء فجأة، وغرقت الغرفة في ظلامٍ دامس. تجمدت في مكانها عندما توقف أحد الرجال أمام خزانة الملفات القريبة، فحبست أنفاسها حتى كادت رئتاها تنفجران، وشعرت بدقات قلبها تتسارع متمردة داخل صدرها، كأنها تصرخ للعالم عن مكانها. كانت تدرك أنهم رجال عائلة النعيمي أحد اذرع مافيا الأدوية والأعضاء التي لا ترحم. جميعهم يرتدون بذلات داكنة أنيقة، ومن بينهم كان ذلك الرجل الذي أزهق أرواح عائلتها قبل دقائق معدودة. أنهوا تفتيش كل شيء، وبعثروا أغراضها هي وشقيقتها وأغراض والدتها الراحلة في فو







