Masukكان هادي يفي دائما بما يقوله.لم يمض وقت طويل حتى تلقت نهال رسالة من مدير الفرقة.يطلب منها أن ترتاح في المنزل جيدا، وأن تؤجل أمور فرقة الباليه مؤقتا.ألقت نهال هاتفها جانبا، وضغطت دواسة الوقود حتى أقصاها، فانطلقت سيارة البوجاتي مسرعة على الطريق.كان الخريف قد بدأ لتوه في العاصمة، حتى الرياح بدت تحمل شيئا من الكآبة.مدت إحدى يديها خارج النافذة، فمرت رياح الخريف عبر راحة يدها، لكنها لم تستطع الإمساك بأي شيء.لم يكن لديها مكان تذهب إليه.قادت السيارة ذهابا وإيابا في طريق جبلي بمفردها، ثم أوقفتها في النهاية عند البحر.حين صعد هادي إلى الطائرة الخاصة، ظل ممسكا بهاتفه في يده."يا سيد هادي، ستقلع الطائرة."جلس سامي إلى جوار هادي، وذكره بحذر بأن يغلق هاتفه."حسنا."أغلق هادي الهاتف، ونظر عبر النافذة.قبل مغادرته، لم تفارق مخيلته عيناها الحمراوان.في الليلة الماضية، ظلت نهال تتقلب بين ذراعيه طوال الليل، ولذلك لم ينم هو أيضا جيدا طوال الليل.ضغط بيده على ما بين حاجبيه، ثم تنهد."يا سيد هادي، أتشعر بأنك لست على ما يرام، هل ترغب في أن أرتب لك زيارة لطبيب بعد الهبوط؟"كان سامي مساعدا كفؤا، سريع ال
"لدي اجتماع في مدينة الشروق غدا، جهزي أغراضك، وسأطلب من سامي أن يأتي لاصطحابك بعد قليل."كان كلام الجد الليلة الماضية واضحا تماما، ولم يعد بإمكان نهال العودة إلى عملها.تجمدت نهال في مكانها قليلا، وهي تراقبه يلتقط ربطة عنق من خزانة الملابس، و ينتظرها أن تتقدم إليه."لقد تعافت ركبتي تقريبا، كما أن فرقة الباليه ستبدأ جولتها الفنية الأسبوع المقبل، وعلي العودة إلى التدريبات."تقدمت نحوه بهدوء، وأشارت إليه أن يخفض رأسه قليلا، ثم عقدت له ربطة العنق بعقدة وندسور جميلة.أمال هادي رأسه، ونظر إلى المرأة التي كانت تخفض رأسها وهي ترتب ربطة عنقه في انعكاس المرآة، وشعر بانزعاج غامض يتسلل إلى قلبه."دعي أمر فرقة الباليه جانبا في الوقت الحالي، بما أننا بدأنا الاستعداد للحمل، فلا تعودي إليها، حتى لا تصابي مرة أخرى في يوم ما."ثم تجاوزها، واتجه إلى خزانة الملابس ليختار سترة بدلة فضية اللون.قال ذلك بنبرة متعالية، وكأن الأمر محسوم.ظلت عينا نهال تتبعانه، ورغم أنها كانت تعرف الإجابة في قرارة نفسها، فإنها لم تستطع التخلي عن آخر خيط من الأمل."دعني أنهي هذين الشهرين فقط."بعد أن انتهى هادي من ارتداء بدلته،
كان هادي قد شرب بعض الكحول، فارتفعت حرارة جسده قليلا.وأثناء صعوده إلى الطابق العلوي وهو يحيط نهال بذراعه، لامست يده الكبيرة الجزء المكشوف من خصرها عند فتحة الفستان.كان ملمسها باردا، فأثار في نفسه رغبة لم يستطع كبحها.دخل وهو يحتضن نهال إلى غرفة النوم.كانت الغرفة معتمة قليلا، فأخذت نهال تتحسس مكان مفتاح الإنارة.وبنقرة خفيفة، غمر الضوء الغرفة، وكان ساطعا إلى حد أزعج العينين. رفع هادي يده يحجب بها الضوء عن عينيه.بينما نهال لم تُبد أي رد فعل، وكأنها اعتادت سريعا على الضوء المفاجئ.لقد كانت مرهقة بالفعل، فقبل قليل، أثناء اللعب، بدأ رأسها يثقل شيئا فشيئا.ارتمت على الأريكة، تستمع إلى خرير الماء القادم من الحمام.كان ضوء القمر في أوج صفائه خارج النافذة، تناولت نهال الدواء الذي تحمله معها، ثم أسندت رأسها إلى ذراعها، وارتمت على الأريكة.عندما خرج هادي من الحمام، وجدها قد تكورت على نفسها كقطة صغيرة.اقترب منها، وبحركة واحدة حملها بين ذراعيه.تململت نهال قليلا وهي بين ذراعيه، واقتربت منه أكثر.كان هادي قد انتهى لتوه من الاستحمام، ولا يزال يفوح منه عطر خشب الأرز.رفعت نهال يديها دون وعي لتلت
"فهمت."عندما نزل هادي من الطابق العلوي، صادف أن رأى نهال جالسة أمام طاولة ورق اللعب، ووجهها الصغير متجهم وهي تحدق في الأوراق التي بين يديها.ثم نظر إلى المبلغ القليل المتبقي أمامها، وإلى المبالغ المتراكمة أمام بقية الكبار، فعرف على الفور ما الذي كان يشغل بالها!"يا هادي!"ما إن ظهر هادي حتى لمحته ندى في الحال تقريبا.وبمجرد أن نادت باسمه، رفع كل من على الطاولة رؤوسهم ونظروا نحوه.ولم تكن نهال استثناء.رأتها وهي تحمل نظرة فتاة مليئة بالترقب والخجل، تركض نحو زوجها وتتشبث بذراعه.ومن زاوية نظر نهال، استطاعت أن ترى ندى ترفع رأسها وتنظر إلى هادي بإعجاب واضح.خفضت نهال رأسها، لذلك لم تر هادي وهو يعقد حاجبيه ويُبعد ندى عنه."يا أخي، لو لم تأت الآن، لكانت زوجتك قد خسرت كل شيء."نشأت ليان في الخارج منذ طفولتها، ولم تكن تجيد لعب الورق، لكنها استطاعت مع ذلك تمييز الفائز من الخاسر.كانت نهال قد سحبت ورقة الآس، وما إن همت بإلقائها، حتى أمسك هادي بيدها."بطريقتك هذه في اللعب، سأكون قد خسرت كل ما أملك قبل صباح الغد بسببك."انحنى هادي، وسحب ورقة الرقم اثنين، ثم ألقاها بدلا منها."كم خسرت؟"نظرت نهال
لم يمض وقت طويل حتى عادت الخادمة بما طلبته، ثم فتحته أمام الجميع."هذا..."وُضعت اللوحتان جنبا إلى جنب. وباستثناء أن ورق النسخة الأصلية اصفرّ بفعل السنين، فلم يكن بينهما أي اختلاف يُذكر، سواء في التكوين أو ضربات الريشة."أأنت من رسم هذه اللوحة؟"سألها الجد توفيق وهو يشير إلى اللوحة.أومأت نهال برأسها:" أعتذر عن هذا الموقف المحرج أمامكم، كنت أقلدها في وقت الفراغ لمجرد التسلية، ولم أتوقع أن تسيء ندى فهم الأمر، فتتسبب في كل هذا الالتباس.""يا زوجة السيد هادي، هل لي أن أعرف على يد أي فنان مرموق تتلمذت؟ صحيح أن هذه اللوحة مجرد نسخة عن الأصل، لكن مهارتك في الرسم لا يُستهان بها، حتى إنني قد لا أتمكن من رسم لوحة بهذا المستوى."في تلك اللحظة، كانت نظرة نبيل إلى نهال تحمل إعجابا واضحا لم يحاول إخفاءه.وكانت تلك النظرة كفيلة بأن تجعل هادي، الذي ظل يراقب المشهد، يعقد حاجبيه.ليس من الجيد أن تكون الفتاة لافتة للنظر أكثر من اللازم أحيانا.تقدم هادي خطوة إلى الأمام، ثم وضع ذراعه حول كتفي نهال.لكن هذه الحركة التي حملت قدرا واضحا من التملك، لم يلاحظها نبيل إطلاقا، فقد كان منشغلا بإعجابه بموهبتها.ابتس
دفعت كلمات نهال ندى إلى موقف بالغ الحرج.فمثل هذه اللوحات الأثرية يصعب على غير الخبراء إدراك خفاياها أو التمييز بين الأصل منها والمزيف.أما ندى، فما هي إلا ابنة بالتبني نشأت في كنف عائلة الراعي، فمن أين لها القدرة على تمييز اللوحات!"صحيح، تقولين إن اللوحة التي أهدتها زوجة أخي مزيفة، فأين دليلك؟ أم لأنك قلت ذلك، يُفترض بنا أن نصدقك!"تقدمت ليان، وقد نشأت مدللة، فلم تكن تتردد في قول ما يدور في خاطرها، ولا تعرف المجاملة.بعدما سمعت ندى كلام نهال، ازداد يقينها بأن اللوحة مزيفة."صحيح أنني لا أفهم في أساليب تمييز اللوحات، لكن من الواضح أن هذه اللوحة رسمتها بنفسك في المنزل، فكيف تجرئين على خداع جدي، وتدعين أنها من أعمال ذلك الفنان!"وما إن قالت ندى ذلك، حتى خيم الذهول على وجوه الحاضرين.حتى الجد توفيق، ارتسم عدم التصديق في عينيه."يا نهال، هل ما قالته ندى صحيح؟ هل رسمت هذه اللوحة بنفسك حقا؟"وقبل أن تنطق نهال بكلمة، اندفعت ندى إلى الأمام، وكأنها أمسكت بما يُدينها. "يا جدي، هذه اللوحة رسمتها نهال بنفسها. ذهبت قبل أيام لزيارة أخي هادي، وصادف أن رأيتها ترسم هذه اللوحة في المكتب، وقتها ظننت أن







