Share

الفصل 3

Author: همسُ الخريف
منزل عائلة الفاروق.

قبل أن تخطو إلى الداخل، سمعت نهال ضحكات تتعالى من داخل المنزل.

كان خدم المنزل يلتفون حول صبي لا يتجاوز السابعة أو الثامنة من عمره، وكانت الألعاب متناثرة في كل مكان، وكل ما في المشهد يعكس بوضوح المكانة المدللة التي يحظى بها ذلك الصبي، وكأنه محور اهتمام الجميع.

وما إن دخلت نهال المنزل حتى اندفعت نحوها طائرة صغيرة تُدار بالتحكم عن بُعد.

وكانت على وشك أن ترتطم بوجهها.

"كريم!"

دوى صوت يوبخ الصبي، وفي اللحظة نفسها اندفعت امرأة لتقف أمام نهال، وتلقت الاصطدام بدلا منها.

أصيبت جبهة جيلان الباهر عند الصدغ وبدأ الدم يسيل منها، ورغم أن الإصابة لم تكن خطيرة، إلا أن منظرها كان مخيفا بعض الشيء.

لم تهتم بمعالجة جرحها، بل استدارت على الفور لتطمئن نهال.

"نهال، ألم تُصابي بأذى؟ أخوك الصغير أصبح مشاغبا جدا في الآونة الأخيرة."

ثم همت بالتوجه لتأديب ذلك الصبي.

أدرك كريم أنه ارتكب خطأ، فاستدار مذعورا وركض ليرتمي بين ذراعي امرأة مسنة.

"جدتي، أنقذيني! أمي تريد ضربي!"

ولما رأت ماجدة الكومي مظهر حفيدها المذعور، سارعت إلى احتضانه وحمايته.

"لا تخف يا كريم، ما دامت جدتك هنا، فلن يجرؤ أحد على ضربك!"

أما جيلان، التي كانت تمسك بمنفضة من الريش، فلم تجرؤ بطبيعة الحال على التمادي أمام الجدة.

"أمي، لقد أصبح كريم في الآونة الأخيرة قليل الاحترام للكبار أكثر فأكثر، ولولا أنني تصديت للطائرة قبل قليل، لتعرضت نهال للإصابة."

وبكلمات قليلة، أوضحت لها ما لم تره الجدة قبل لحظات.

ألقت ماجدة نظرة على الجرح في جبهة جيلان، ثم نظرت إلى نهال الواقفة خلفها.

وارتسمت على وجهها المليء بتجاعيد السنين ملامح استياء واضحة.

"كل ما أراده كريم هو اللعب مع أخته، كيف لكما، وأنتما بالغتان، أن تحاسبا طفلا صغيرا على ذلك؟"

أطبقت نهال شفتيها دون أن تنطق بكلمة.

فهي كانت تعلم أن هذا الكلام موجه إليها بالذات.

"نعم، نعم، كريم يحب أخته أكثر من أي شيء."

قالت جيلان ذلك بابتسامة محاولة تهدئة الأجواء.

"نهال، اجلسي بسرعة، لقد طلبت اليوم من العاملين في المطبخ إعداد الأطباق التي تحبينها، أنت نحيفة جدا، وعليك أن تأكلي أكثر لتقوي جسدك."

وبينما كانت تتحدث، أمسكت جيلان بيد نهال بابتسامة دافئة، واقتادتها بحفاوة إلى غرفة الطعام لتجلس، متصرفة بكل ما توحي به هيبة سيدة المنزل.

وعند مائدة الطعام، كان كمال الفاروق يجلس بوجه جامد متجهم.

"يبدو أن غرورك يزداد يوما بعد يوم، بالأمس اتصلت بك، وتجرأت على عدم الرد على مكالمتي."

"كنتُ أؤدي عرضا في المسرح الليلة الماضية، ولم أسمع رنين الهاتف."

أجابت نهال ببرود، بصوت خال من أي انفعال.

"وأين هادي؟ لماذا لم يأت معك؟"

"ليس لديه وقت."

أما السيدة العجوز الجالسة إلى الجانب، فكانت تنظر إليهما بوجه يفيض بالسخرية وهي تحتضن كريم بين ذراعيها.

"أرى أن الأمر ليس لأنه لا يملك الوقت، بل لأنه ببساطة لا يعبأ بك أصلا، فأنت كزوجة، تقضين يومك بوجه عابس وكئيب، فمن ذا الذي سيعبأ بك ويحبك؟"

وأثناء حديثها، انزلقت عيناها مرة أخرى نحو بطن نهال.

"مر كل هذا الوقت وما زلت عاجزة عن الحمل! أنت عديمة الفائدة حقا! لقد ضاعت هباء كل المكائد التي حاكتها أمك آنذاك…"

"أبي!"

قاطعت نهال الجدة، فهي لم تعد ترغب في سماع تلك الكلمات الجارحة التي لا تُطاق.

"لقد طلبت مني المجيء، فما الأمر؟"

لم يعجب الجدة أن تقاطعها نهال، لكنها كانت تعلم أيضا أن أمر ابنها أهم.

تنحنح كمال، ثم وضع ملعقة الطعام التي كانت في يده.

"سمعتُ أن هادي مسؤول هذه المرة عن مشروع تطوير المنطقة الغربية من المدينة، تحدثي إليه، وأخبريه ألا يطرح قطعة الأرض الواقعة في غرب المدينة للمناقصة، بل يمنحها مباشرة لمجموعة الفاروق."

رفعت نهال عينيها ونظرت إليه.

لم تستطع إلا أن تسخر في نفسها؛ كم كان يتحدث بوقاحة، وكأن مطلبه هذا أمر طبيعي.

"لقد قدم هادي بالفعل الكثير من المساعدة لعائلة الفاروق في أمور العمل، وحتى لو تحدثتُ معه بشأن هذا الأمر، فليس من المؤكد أن يكون لكلامي أي تأثير."

لم تكن كراهية هادي لها أمرا يثير الاستغراب.

فقد أُجبر على الزواج منها بتلك الطريقة الدنيئة والمهينة.

وطوال هذه السنوات، ظلت عائلة الفاروق تتشبث به كأنهم مصاصو دماء، يستنزفونه بلا رحمة.

ما إن سمعت الجدة ماجدة ذلك حتى اشتعل غضبها، فرمت الملعقة التي كانت بيدها نحوها، فمرت بمحاذاة جبين نهال قبل أن تنطلق بعيدا.

"لا تنسي أنك ابنة عائلة الفاروق، ومهما كان الأمر، فإن هادي هو صهر العائلة، هذا بالنسبة إليه مجرد أمر يُنجزه بإشارة من يده، فلماذا لا يستطيع فعله؟!"

كانت نهال قد سمعت مثل هذه الكلمات مرات لا تُحصى.

ذلك الزواج بينها وبين هادي لم يكن قيدا عليه وحده، بل قيدها هي أيضا.

أما جيلان، التي ظلت صامتة طوال الوقت، فتقدمت لتلطف الأجواء.

أخذت منديلا ومسحت برفق قطرات الحساء التي تناثرت على جانب جبين نهال، وهي تُهدئ الجميع بصوت لطيف.

"اهدؤوا جميعا، لا داعي للغضب، كلنا أفراد عائلة واحدة، وأي أمر يمكن مناقشته بهدوء."

هدر كمال باستهجان، ثم صفع الطاولة بقوة بيده.

"انظروا إليها، هل بقي في قلبها أي مكان لهذه العائلة؟!"

" مهما يكن، فإن نهال ابنتك يا كمال، ومن المؤكد أنها ستقف إلى جانب عائلة الفاروق."

وقفت جيلان خلف كمال، تدلك كتفيه بكلتا يديها.

راقبتها نهال ببرود، وسخرت في نفسها: يا لها من رفيقة مثالية تعرف كيف تكسب قلبه!

وبإيحاء من جيلان، هدأ صوت كمال قليلا.

"عندما تعودين، دللي هادي وأرضيه كما ينبغي، وتعلمي من زوجة أبيك جيلان كيف تُسعدين زوجك، ولا تكوني مثل أمك!"

تجمدت نظرات نهال وهي مطرقة بعينيها إلى الأسفل.

"منذ متى لم تذهب لزيارة أمي يا أبي؟"

ساد الصمت مائدة الطعام على الفور، ولم يعُد يُسمع سوى شهقات بكاء جيلان المتقطعة بين الحين والآخر.

"لا يزال هناك حساء في المطبخ، سأذهب لأحضره."

بدت على جيلان علامات الارتباك، لكن كمال أوقفها قبل أن تغادر.

"اجلسي! هناك خدم في المطبخ، كلي طعامك بهدوء!"

نظرت جيلان إلى كمال بعينين تترقرقان بالدموع، أما نهال فشعرت بالغثيان من هذا المشهد.

"ولا يزال لديك وجه لتذكري أمك؟! إنها طريحة الفراش منذ أربع سنوات، وهل تعلمين كم تنفق عليها عائلة الفاروق كل يوم؟! سأقولها بوضوح اليوم: إن لم تتمكني من انتزاع حق تطوير تلك القطعة من الأرض لصالح عائلة الفاروق، فلن أدفع بعد الآن تكاليف علاج أمك!"

لقد اختبرت نهال قسوة كمال وانعدام إنسانيته منذ زمن بعيد.

انتهت تلك الوجبة في أجواء كئيبة، فبعد كل هذه السنوات، اعتادت نهال على مثل هذه النهايات.

وعندما عادت نهال إلى المسرح، كانت غرفة المكياج هادئة على نحو غير معتاد.

وما إن رآها الجميع تدخل حتى خفضوا رؤوسهم، متظاهرين بالانشغال في أعمالهم.

توجهت نهال نحو مرآة التجميل الخاصة بها، فرأت ندى.

كادت تنسى أن ندى موجودة هنا.

"نهال."

كانت ندى قد ارتدت بالفعل زي شخصية جيزيل.

ذلك الزي كانت الفرقة قد صممته خصيصا لنهال، لكن حين ارتدته ندى لم تستطع أن تبرز جماله، فأظهرها بمظهر سيء لا يناسبها.

وقفت نهال خلفها، تحدق في وجه ندى المنعكس في المرآة.

ما الكلمة التي تصفها؟

حتى من يراها يرق لحالها!

ارتسمت على شفتي نهال ابتسامة ساخرة باردة.

حقا، هادي رجل يفي بما يقول؛ فكل طلب لهذه المدللة التي يحتل حبها قلبه يُلبيه دون تردد.

والآن، حتى مسيرتها الفنية ينوي أن يقدمها هدية لتلك الفتاة التي تتظاهر بالبراءة دوما.

نظرة نهال جعلت ندى تشعر بأنها في عينيها ليست سوى مهرجة مثيرة للسخرية.

"قال مدير الفرقة إن علي أن أرتدي هذا الزي القديم مؤقتا، وعند العرض الرسمي سيُفصل لي زي خاص على مقاسي."

رفعت رأسها بكبرياء، وكأنها لا تستطيع الانتظار لإعلان أنها أصبحت صاحبة المكان.

ألقت نهال عليها نظرة عابرة، ثم سحبت كرسيا وجلست.

"ألا يعجبك سوى ما استعمله الآخرون وتركوه ورائهم؟"

التقت نظراتهما عبر المرآة، وغرقت عينا ندى في ظلمة قاتمة، بينما تشوهت ملامحها من شدة الغيظ.

أما نهال فلم تعرها أي اهتمام، وأخذت كل ما لمسته ندى على طاولة الزينة وألقته في سلة المهملات.

"أنا لست مثلك، هناك أشياء، إذا اتسخت، أتخلص منها ولا أعود أريدها!"

حدقت ندى في الأشياء الملقاة داخل سلة المهملات، وشدت طرفي ثوبها بكل قوتها حتى تمكنت بصعوبة من كبح مشاعرها.

رفعت عينيها بحقد، ونظرت إلى صورة نهال المنعكسة في المرآة.

وبعد فترة طويلة، انفرجت شفتاها عن ابتسامة هادئة رقيقة.

"أنت يا نهال عشت منذ صغرك في رغد ونعيم، لذلك لا تفهمين حالنا نحن أبناء الأسر الفقيرة، فما المشكلة إن كان الشيء الجيد قد استعمله شخص آخر من قبل؟ يكفي أن أنطق بما أريد، ليضعه هادي أمامي!"

نهضت نهال، وكان جسدها متناسقا بتناسب مثالي أشبه بجسد عارضة أزياء، وعندما وقفت أمام ندى، بدت بهيئة أنيقة نبيلة.

"هناك أشياء، حتى لو وُضعت أمامك، فلن يكون بوسعك الحفاظ عليها!"

وبعد أن أنهت كلامها، استدارت نهال واتجهت مباشرة إلى مكتب مدير الفرقة.

أما ندى، التي بقيت في غرفة المكياج، فقد رأت نظرات الاحتقار المحيطة بها، فأظلم وجهها واشتد عبوسها.

"إلام تنظرون جميعا؟! ألا يوجد لديكم ما يشغلكم؟!"

لم يرق ذلك لأحد الحاضرين، فكاد أن يجادلها، لكن الشخص الذي كان بجانبه سارع إلى إيقافه.

"دعك منها، هناك من يحميها ويدعمها في الخفاء، حتى السيدة نهال تضررت بسببها، لذا من الأفضل أن نبقى بعيدين عنها."

لم يعرف أحد ما الذي دار بين نهال وأمجد، لكن عندما عادا معا إلى غرفة المكياج، أعلن أمجد خبرا للجميع.

"تعالوا جميعا!"

وبمجرد أن أصدر مدير الفرقة أمره، تجمع جميع الراقصين تلقائيا حوله.

وقفت ندى في الصف الأمامي.

"ستنطلق الجولة الدولية قريبا، وعرض جيزيل هو أهم عروضها، ولا مجال لوقوع أي تقصير أو خطأ."

وأثناء حديثه، حول بصره إلى ندى، وقد انعقد حاجباه قليلا.

أدركت ندى ما قد يعنيه ذلك، فسارعت إلى الكلام.

"سيدي مدير الفرقة، لقد شاركت في أداء هذا العرض عندما كنت في موسكو، وأنا قادرة على القيام به، ألم تشاهدني بنفسك آنذاك؟"

ازداد تقطيب حاجبي أمجد.

صحيح أنها شاركت في ذلك العرض، لكن ندى لم تؤد فيه سوى رقصات جماعية، ولم يسبق لها قط أن أدت دور جيزيل.

غير أنها كانت مُرشحة شخصيا من هادي، لذلك لم يكن بوسعه أن يقول ذلك صراحة.

"حسنا، ومن باب الإنصاف، ستؤدين أنت ونهال الفصل الثاني معا، وهو مشهد المقبرة في الغابة، وعندها، من تقدم الأداء الأفضل، ستثبت جدارتها بالدور."

كانت ندى راضية جدا عن هذا الاقتراح، فقد كانت تؤمن أن السنوات الثلاث التي قضتها في موسكو، حتى وإن كانت خلالها تشارك في أدوار الرقص الجماعي فقط، قد جعلتها تتفوق بفارق كبير على راقصة الباليه الأولى في أي فرقة محلية.

وعندما يحين ذلك الوقت، ستجعل الجميع يرون بأعينهم أنها تتفوق على نهال بفارق شاسع.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 30

    كان هادي يفي دائما بما يقوله.لم يمض وقت طويل حتى تلقت نهال رسالة من مدير الفرقة.يطلب منها أن ترتاح في المنزل جيدا، وأن تؤجل أمور فرقة الباليه مؤقتا.ألقت نهال هاتفها جانبا، وضغطت دواسة الوقود حتى أقصاها، فانطلقت سيارة البوجاتي مسرعة على الطريق.كان الخريف قد بدأ لتوه في العاصمة، حتى الرياح بدت تحمل شيئا من الكآبة.مدت إحدى يديها خارج النافذة، فمرت رياح الخريف عبر راحة يدها، لكنها لم تستطع الإمساك بأي شيء.لم يكن لديها مكان تذهب إليه.قادت السيارة ذهابا وإيابا في طريق جبلي بمفردها، ثم أوقفتها في النهاية عند البحر.حين صعد هادي إلى الطائرة الخاصة، ظل ممسكا بهاتفه في يده."يا سيد هادي، ستقلع الطائرة."جلس سامي إلى جوار هادي، وذكره بحذر بأن يغلق هاتفه."حسنا."أغلق هادي الهاتف، ونظر عبر النافذة.قبل مغادرته، لم تفارق مخيلته عيناها الحمراوان.في الليلة الماضية، ظلت نهال تتقلب بين ذراعيه طوال الليل، ولذلك لم ينم هو أيضا جيدا طوال الليل.ضغط بيده على ما بين حاجبيه، ثم تنهد."يا سيد هادي، أتشعر بأنك لست على ما يرام، هل ترغب في أن أرتب لك زيارة لطبيب بعد الهبوط؟"كان سامي مساعدا كفؤا، سريع ال

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 29

    "لدي اجتماع في مدينة الشروق غدا، جهزي أغراضك، وسأطلب من سامي أن يأتي لاصطحابك بعد قليل."كان كلام الجد الليلة الماضية واضحا تماما، ولم يعد بإمكان نهال العودة إلى عملها.تجمدت نهال في مكانها قليلا، وهي تراقبه يلتقط ربطة عنق من خزانة الملابس، و ينتظرها أن تتقدم إليه."لقد تعافت ركبتي تقريبا، كما أن فرقة الباليه ستبدأ جولتها الفنية الأسبوع المقبل، وعلي العودة إلى التدريبات."تقدمت نحوه بهدوء، وأشارت إليه أن يخفض رأسه قليلا، ثم عقدت له ربطة العنق بعقدة وندسور جميلة.أمال هادي رأسه، ونظر إلى المرأة التي كانت تخفض رأسها وهي ترتب ربطة عنقه في انعكاس المرآة، وشعر بانزعاج غامض يتسلل إلى قلبه."دعي أمر فرقة الباليه جانبا في الوقت الحالي، بما أننا بدأنا الاستعداد للحمل، فلا تعودي إليها، حتى لا تصابي مرة أخرى في يوم ما."ثم تجاوزها، واتجه إلى خزانة الملابس ليختار سترة بدلة فضية اللون.قال ذلك بنبرة متعالية، وكأن الأمر محسوم.ظلت عينا نهال تتبعانه، ورغم أنها كانت تعرف الإجابة في قرارة نفسها، فإنها لم تستطع التخلي عن آخر خيط من الأمل."دعني أنهي هذين الشهرين فقط."بعد أن انتهى هادي من ارتداء بدلته،

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 28

    كان هادي قد شرب بعض الكحول، فارتفعت حرارة جسده قليلا.وأثناء صعوده إلى الطابق العلوي وهو يحيط نهال بذراعه، لامست يده الكبيرة الجزء المكشوف من خصرها عند فتحة الفستان.كان ملمسها باردا، فأثار في نفسه رغبة لم يستطع كبحها.دخل وهو يحتضن نهال إلى غرفة النوم.كانت الغرفة معتمة قليلا، فأخذت نهال تتحسس مكان مفتاح الإنارة.وبنقرة خفيفة، غمر الضوء الغرفة، وكان ساطعا إلى حد أزعج العينين. رفع هادي يده يحجب بها الضوء عن عينيه.بينما نهال لم تُبد أي رد فعل، وكأنها اعتادت سريعا على الضوء المفاجئ.لقد كانت مرهقة بالفعل، فقبل قليل، أثناء اللعب، بدأ رأسها يثقل شيئا فشيئا.ارتمت على الأريكة، تستمع إلى خرير الماء القادم من الحمام.كان ضوء القمر في أوج صفائه خارج النافذة، تناولت نهال الدواء الذي تحمله معها، ثم أسندت رأسها إلى ذراعها، وارتمت على الأريكة.عندما خرج هادي من الحمام، وجدها قد تكورت على نفسها كقطة صغيرة.اقترب منها، وبحركة واحدة حملها بين ذراعيه.تململت نهال قليلا وهي بين ذراعيه، واقتربت منه أكثر.كان هادي قد انتهى لتوه من الاستحمام، ولا يزال يفوح منه عطر خشب الأرز.رفعت نهال يديها دون وعي لتلت

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 27

    "فهمت."عندما نزل هادي من الطابق العلوي، صادف أن رأى نهال جالسة أمام طاولة ورق اللعب، ووجهها الصغير متجهم وهي تحدق في الأوراق التي بين يديها.ثم نظر إلى المبلغ القليل المتبقي أمامها، وإلى المبالغ المتراكمة أمام بقية الكبار، فعرف على الفور ما الذي كان يشغل بالها!"يا هادي!"ما إن ظهر هادي حتى لمحته ندى في الحال تقريبا.وبمجرد أن نادت باسمه، رفع كل من على الطاولة رؤوسهم ونظروا نحوه.ولم تكن نهال استثناء.رأتها وهي تحمل نظرة فتاة مليئة بالترقب والخجل، تركض نحو زوجها وتتشبث بذراعه.ومن زاوية نظر نهال، استطاعت أن ترى ندى ترفع رأسها وتنظر إلى هادي بإعجاب واضح.خفضت نهال رأسها، لذلك لم تر هادي وهو يعقد حاجبيه ويُبعد ندى عنه."يا أخي، لو لم تأت الآن، لكانت زوجتك قد خسرت كل شيء."نشأت ليان في الخارج منذ طفولتها، ولم تكن تجيد لعب الورق، لكنها استطاعت مع ذلك تمييز الفائز من الخاسر.كانت نهال قد سحبت ورقة الآس، وما إن همت بإلقائها، حتى أمسك هادي بيدها."بطريقتك هذه في اللعب، سأكون قد خسرت كل ما أملك قبل صباح الغد بسببك."انحنى هادي، وسحب ورقة الرقم اثنين، ثم ألقاها بدلا منها."كم خسرت؟"نظرت نهال

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 26

    لم يمض وقت طويل حتى عادت الخادمة بما طلبته، ثم فتحته أمام الجميع."هذا..."وُضعت اللوحتان جنبا إلى جنب. وباستثناء أن ورق النسخة الأصلية اصفرّ بفعل السنين، فلم يكن بينهما أي اختلاف يُذكر، سواء في التكوين أو ضربات الريشة."أأنت من رسم هذه اللوحة؟"سألها الجد توفيق وهو يشير إلى اللوحة.أومأت نهال برأسها:" أعتذر عن هذا الموقف المحرج أمامكم، كنت أقلدها في وقت الفراغ لمجرد التسلية، ولم أتوقع أن تسيء ندى فهم الأمر، فتتسبب في كل هذا الالتباس.""يا زوجة السيد هادي، هل لي أن أعرف على يد أي فنان مرموق تتلمذت؟ صحيح أن هذه اللوحة مجرد نسخة عن الأصل، لكن مهارتك في الرسم لا يُستهان بها، حتى إنني قد لا أتمكن من رسم لوحة بهذا المستوى."في تلك اللحظة، كانت نظرة نبيل إلى نهال تحمل إعجابا واضحا لم يحاول إخفاءه.وكانت تلك النظرة كفيلة بأن تجعل هادي، الذي ظل يراقب المشهد، يعقد حاجبيه.ليس من الجيد أن تكون الفتاة لافتة للنظر أكثر من اللازم أحيانا.تقدم هادي خطوة إلى الأمام، ثم وضع ذراعه حول كتفي نهال.لكن هذه الحركة التي حملت قدرا واضحا من التملك، لم يلاحظها نبيل إطلاقا، فقد كان منشغلا بإعجابه بموهبتها.ابتس

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 25 

    دفعت كلمات نهال ندى إلى موقف بالغ الحرج.فمثل هذه اللوحات الأثرية يصعب على غير الخبراء إدراك خفاياها أو التمييز بين الأصل منها والمزيف.أما ندى، فما هي إلا ابنة بالتبني نشأت في كنف عائلة الراعي، فمن أين لها القدرة على تمييز اللوحات!"صحيح، تقولين إن اللوحة التي أهدتها زوجة أخي مزيفة، فأين دليلك؟ أم لأنك قلت ذلك، يُفترض بنا أن نصدقك!"تقدمت ليان، وقد نشأت مدللة، فلم تكن تتردد في قول ما يدور في خاطرها، ولا تعرف المجاملة.بعدما سمعت ندى كلام نهال، ازداد يقينها بأن اللوحة مزيفة."صحيح أنني لا أفهم في أساليب تمييز اللوحات، لكن من الواضح أن هذه اللوحة رسمتها بنفسك في المنزل، فكيف تجرئين على خداع جدي، وتدعين أنها من أعمال ذلك الفنان!"وما إن قالت ندى ذلك، حتى خيم الذهول على وجوه الحاضرين.حتى الجد توفيق، ارتسم عدم التصديق في عينيه."يا نهال، هل ما قالته ندى صحيح؟ هل رسمت هذه اللوحة بنفسك حقا؟"وقبل أن تنطق نهال بكلمة، اندفعت ندى إلى الأمام، وكأنها أمسكت بما يُدينها. "يا جدي، هذه اللوحة رسمتها نهال بنفسها. ذهبت قبل أيام لزيارة أخي هادي، وصادف أن رأيتها ترسم هذه اللوحة في المكتب، وقتها ظننت أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status