مشاركة

يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت
يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت
مؤلف: همسُ الخريف

الفصل 1

مؤلف: همسُ الخريف
العاصمة في شهر يوليو.

كانت الشمس حارقة، والجو خانقا إلى حد يكاد يسلب الأنفاس.

خرجت نهال من المستشفى، فلفحت وجهها موجة عاتية من الحر اللاهب.

كانت تقبض على تقرير التشخيص في يدها، بينما كان برد قارس يتسلل إلى أعماق عظامها.

فقد أخبرها الطبيب بأن شيئا قد نما داخل دماغها، يضغط على العصب البصري والغدة النخامية، وأنها بحاجة إلى إجراء عملية جراحية في أسرع وقت ممكن.

لكن نسبة نجاح العملية أقل من عشرة بالمئة.

أما إن لم تجر العملية، فلن يتبقى لها من العمر سوى ستة أشهر.

رفعت رأسها، وحدقت في الشمس الساطعة خارجا، فإذا بشعور خافت من الارتياح يتسلل إلى قلبها على نحو مفاجئ.

اتضح أن حياتها هي الأخرى قد دخلت مرحلة العد التنازلي.

دوى رنين هاتفها المحمول فجأة وبشكل متلاحق، فأفاقت نهال الفاروق من شرودها.

وحين وقعت عيناها على الاسم الذي يومض على شاشة الهاتف، ارتسم في عينيها شعور خانق لا مهرب منه.

ضغطت زر إنهاء المكالمة، ثم لوحت بيدها لتستوقف سيارة أجرة وصعدت إليها.

"إلى المسرح الوطني الكبير!"

ألقى السائق الجالس في المقعد الأمامي نظرة إليها عبر مرآة الرؤية الخلفية.

كانت نهال ذات بشرة ناعمة ناصعة البياض، وقد أخفت نظارة شمسية سوداء أنيقة معظم ملامح وجهها.

ومع ذلك، ظلت شفتاها الورديتان وأنفها الرقيق الظاهرين أسفل النظارة على قدر من الجمال يجعل العين تعجز عن الانصراف عنهما.

توقفت السيارة أمام بوابة المسرح الكبير، وما إن نزلت نهال حتى وقع بصرها على ملصق ضخم عند المدخل.

كانت صورة لها وهي ترتدي زي المسرحية.

كان في الملصق مقبرة في منتصف الليل، باردة موحشة يغمرها سكون موحش.

وتقف جيزيل مرتدية ثوبا أبيض أمام قبرها، لتودع الرجل الذي أحبته الوداع الأخير.

سحبت نهال بصرها من على الملصق، وما إن همت بالتقدم حتى اسودت الدنيا أمام عينيها فجأة.

فخارت قواها، وسقطت بين ذراعي رجل.

فاحت إلى أنفها رائحة خشب العود ذات النفحات الباردة، وهي رائحة تعرفها جيدا، فانقبض قلبها بشدة.

فبعد غياب دام شهرين، فاضت في أعماقها دفعة واحدة كل أشواقها المكبوتة وكل ما كتمته من مرارة وظلم.

"انتبهي!"

دوى صوت الرجل البارد الهادئ، يحمل الجفاء نفسه الذي اعتادت سماعه منه.

لكن نهال وحدها كانت تعرف إلى أي حد يمكن أن تكون أساليبه قاسية.

"ما كل هذا الاستعجال؟"

وكما توقعت، همس الرجل عند أذنها بصوت ساخر خافت، لا يسمعه سواهما.

تيبس نصف جسدها، بينما لفحت أذنها أنفاسه الساخنة.

كانت الرؤية لا تزال معتمة أمام عيني نهال، ولم ترد أن يلحظ ما أصابها، فلم تجد بدا من أن تطأطئ رأسها.

"شكرا لك."

استقامت واقفة، ثم ابتعدت عنه تاركة مسافة بينهما.

وما إن اختفى ملمسها الناعم من بين يديه، حتى انعقد حاجباه قليلا على نحو بالكاد يلحظ، ثم سرعان ما زالت.

لكن ظل دفء ملمسها عالقا على أطراف أصابعه، ففركها بخفة دون أن يبدو عليه شيء، بينما شعر بحلقه يضيق قليلا.

دوى وقع خطوات بالقرب منها، وبدأت تلك الرائحة المألوفة عند طرف أنف نهال تتلاشى شيئا فشيئا.

وانقشع السواد الذي كان يحجب بصرها تدريجيا، حتى استعادت رؤيتها صفاءها شيئا فشيئا.

كان الرجل يرتدي بدلة سوداء مهندمة مفصلة خصيصا له، وكانت ساقاه الطويلتان متناسقتين إلى درجة أن ملامحهما بدت واضحة حتى من تحت البنطال الرسمي.

وكان الياقوت الأحمر المثبت عند كم قميصه قد اختارته بنفسها، مما أضفى على كل حركة وإيماءة منه هالة من النبل والرقي.

أما وجهه، فكان وكأنه أعظم تحفة أبدعها الخالق؛ ملامحه حادة كأنها نحتت بسكين، ومتقنة الصنع كعمل فني منحوت بعناية فائقة.

كان هناك جمع من الناس يتبع هادي الراعي، فلم تستطع نهال إلا أن تراقب ظهره وهو يبتعد شيئا فشيئا.

"نهال!"

جاءها صوت إحدى زميلاتها من خلفها، فاستدارت نهال مبتسمة وألقت عليها التحية.

"لماذا تقفين هنا؟ سنفوت وقت وضع المكياج!"

شبكت زميلتها ذراعها مع ذراع نهال وسارتا معا إلى الداخل.

"نهال، سمعت أن الفرقة ستعين راقصة أولى جديدة من خارج الفرقة، وربما تكون هي البطلة الرئيسية في الجولة الدولية الشهر المقبل."

قالت ذلك عمدا لتسمعه نهال، فهي حاليا النجمة الأولى والوجه الأبرز في الفرقة.

كانت نهال تعامل الجميع بلطف، وكثيرا ما ترشد زميلاتها إلى كيفية تحسين ما يقمن به من أداء.

ولذلك، لم تكن أي منهن تستسيغ فكرة قدوم تلك الراقصة الأولى الجديدة.

توقفت نهال عن السير وسألت: "ومن أخبرك بذلك؟"

"قالها مدير الفرقة أمجد أثناء العشاء البارحة، وسمعت أنها تملك علاقات مع أصحاب النفوذ، حتى إن المدير أمجد ذهب بنفسه إلى موسكو لإنهاء إجراءات انتقالها."

رفعت ذقنها وأشارت بشفتيها في اتجاه هادي.

"أترين؟ هو من أصدر هذا القرار."

هوى قلب نهال إلى القاع.

أيعقل أن رحلات هادي إلى موسكو خلال الشهرين الماضيين كانت كلها من أجل هذا الأمر؟!

كان منشغلا بإحضارها ودفعها إلى منصب الراقصة الأولى!

فماذا عساها أن تفعل إذن؟

رفعت نهال عينيها ونظرت في الاتجاه الذي سار فيه هادي.

لكن ظهره كان قد اختفى عن ناظريها، ولم يعد له أي أثر.

كانت نهال قد أدت عرض باليه جيزيل مرات لا تحصى.

وكان هذا هو عرض الباليه المفضل لدى والدتها، لذا كانت تحلم بأن تعتلي خشبة دار أوبرا باريس في يوم عيد ميلاد أمها، لتؤدي هذا العمل أمامها.

كان ذلك حلم والدتها، وحلمها هي أيضا.

أيعقل أن هادي سينتزع منها حتى هذا الحلم؟!

انتهى العرض بنجاح، وأثناء التحية الختامية، وقعت عينا نهال على ذلك الرجل الجالس بين الجمهور.

كان يتحدث مع من حوله، وبمكانته الرفيعة وهيبته المعتادة، ومع توليه منصبه الجديد، أصبح بطبيعة الحال محط تودد وتملق كل من يحيط به.

لا تعلم ماذا قال له المدير أمجد، لكن هادي ألقى نظرة خاطفة نحوها على خشبة المسرح.

فشعرت وكأن قلبها توقف عن النبض للحظة.

وبعد انتهاء العرض، كان من المقرر أن يخرج جميع أفراد الفرقة لتناول العشاء معا.

لكن نهال لم تكن تشعر بأنها على ما يرام، فعادت إلى منزلها.

كانت قد أنهت عرضها اليوم وهي تتماسك بصعوبة بالغة، وعندما كانت تؤدي المقطع الخاص بالفصل الثاني، عاد بصرها يتشوش من جديد.

ولولا أنها كانت متمكنة تماما من أداء دور جيزيل بحكم خبرتها الطويلة فيه، لوقع حادث على خشبة المسرح لا محالة.

أغرقت جسدها بالكامل في الماء، تاركة الماء الدافئ يتسلل إلى أذنيها وأنفها.

كانت صورة هادي وكلمات زميلتها تتكرر في ذهنها بلا توقف.

إن كان حقا سيمنعها من السفر إلى باريس لتقديم العرض، فماذا ستفعل؟

وما الجدوى من الأشهر الستة الأخيرة المتبقية من حياتها إذن؟

نهضت نهال من حوض الاستحمام، وارتدت ثوب النوم، ثم خرجت من الحمام.

وجدت هادي في غرفة النوم؛ كان قد خلع معطفه، ولم يكن يرتدي تحته سوى قميص أسود من الحرير.

كان الزران العلويان من قميصه مفتوحين، وربطة عنقه تتدلى حول عنقه باسترخاء.

كان مختلفا تماما عن بروده المتحفظ في النهار؛ ففي هذه اللحظة بدا فاتنا على نحو آسر.

كان هادي يقف أمام خزانة الملابس، يفك بإحدى يديه أزرار أكمام قميصه.

ولما رآها تخرج من الحمام، رفع حاجبيه قليلا، وأخذ يتفحصها بنظرة صريحة لا تعرف التواري.

وفي النهاية استقرت عيناه على خصرها النحيل.

فهذا المساء، حين كانت تقف على المسرح، رسم فستان الباليه الذي ارتدته تفاصيل قوامها برشاقة وإتقان.

"تعالي."

تحركت تفاحة آدم في عنقه عدة مرات، وامتلأت عيناه بتلك الرغبة المكبوتة التي تعرفها نهال أكثر من أي شيء.

كانت كلمات زميلتها التي سمعتها هذا المساء تثقل صدر نهال وتخنقها.

لكن جسدها اعتاد الخضوع لهذا الرجل.

كان يكفي أن يلوح لها بإصبعه، حتى يستجيب جسدها قبل أن يتمكن عقلها من التفكير.

وفي تلك اللحظة، كانت قد جلست بالفعل على ساقيه.

رن بجوار أذنها صوت سقوط مشبك الحزام المعدني على الأرض، وقبل أن تستعد، ابتلعت شفتاه المشبعتان برائحة التبغ همساتها المتقطعة

احمر وجه نهال بشدة.

كان الجميع يقول إن هادي، أحد كبار الشخصيات السياسية في العاصمة، رجل بارد الطباع، بعيد المنال، لكن نهال وحدها كانت تعلم كم يكون جريئا ومندفعا حين يكونان على انفراد.

"أنت لم تستحم."

كانت نهال تعرف أين قضى الشهرين الماضيين، كما تعرف طباعه جيدا؛ فمن المستحيل أن يحرم نفسه طوال هذين الشهرين.

لقد شعرت بأنه قذر.

لو كان الأمر في الماضي، لما تجرأت على قول هذا أبدا، أما الآن، فقد أرادت أن تنطق به مهما كان الثمن.

وكما توقعت، ما إن أنهت كلامها حتى قبضت يد كبيرة على ذقنها.

اسود وجه هادي قليلا، وعندما حدق فيها، كانت البرودة المنبعثة من نظراته كافية لأن تجعل نهال ترتجف خوفا.

"حين تسللت إلى فراشي آنذاك ودبرت المكيدة للإيقاع بي، لماذا لم يخطر ببالك وقتها أن تتساءلي إن كنت قد استحممت أم لا؟"

وما إن أعاد فتح جراح الماضي، حتى بدا الأمر كأن سكينا كليلة تستل من غمدها بين الحين والآخر، لتطعن قلب نهال مرة بعد أخرى، يمينا ويسارا.

نظر هادي إلى المرأة الواقفة أمامه، كانت عيناها الطويلتان تأسران القلوب بفطرتهما، ومع ذلك الاحمرار الخفيف الذي لون أطرافهما، ازدادت جاذبيتها سحرا.

أطرق برأسه، وطبع قبلة على شفتيها النديتين، ثم حملها من خصرها، واتجه بها إلى الحمام بخطوات واسعة.

وسرعان ما دوى صوت الماء من داخل الحمام.

واختلط به ما يبعث على الخجل ويجعل الوجوه تحمر.

استلقت نهال على السرير منهكة إلى أقصى حد، بينما كان الرجل بجانبها قد غرق في نوم عميق.

ولم تكن تجرؤ على تأمله مليا إلا في مثل هذه اللحظات.

انسابت أصابعها البيضاء الناعمة فوق حاجبيه الكثيفين، ثم استقرت على جسر أنفه المرتفع البارز.

كانت الفتيات في الفرقة يقلن أثناء أحاديثهن العابثة إن من أرادت معرفة مدى فحولة الرجل، فما عليها إلا أن تنظر إلى أنفه.

ورأت نهال أن في هذا الكلام شيئا من المنطق.

"ألا تريدين النوم؟ أم أنك ترغبين في مرة أخرى؟"

فجأة تكلم هادي، فانتفضت نهال من شدة الفزع، وسحبت يدها بسرعة، ثم أغمضت عينيها فورا.

كان جسدها يؤلمها بشدة، وكانت تخشى أنه إن تكرر الأمر مرة أخرى فلن يبقى لها من القوة ما يحفظ حياتها.

كانت تتساءل في سرها: كيف يملك كل هذه الطاقة؟ خلال الشهرين اللذين قضاهما في موسكو، ألم يضاجع ندى الشريف؟

هكذا كانت تفكر في داخلها، لكنها لم تجرؤ أبدا على التفوه بهذا السؤال.

فندى كانت المحظور الذي لا يجوز الاقتراب منه بينهما.

وكانت أيضا نقطة ضعف هادي الوحيدة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 30

    كان هادي يفي دائما بما يقوله.لم يمض وقت طويل حتى تلقت نهال رسالة من مدير الفرقة.يطلب منها أن ترتاح في المنزل جيدا، وأن تؤجل أمور فرقة الباليه مؤقتا.ألقت نهال هاتفها جانبا، وضغطت دواسة الوقود حتى أقصاها، فانطلقت سيارة البوجاتي مسرعة على الطريق.كان الخريف قد بدأ لتوه في العاصمة، حتى الرياح بدت تحمل شيئا من الكآبة.مدت إحدى يديها خارج النافذة، فمرت رياح الخريف عبر راحة يدها، لكنها لم تستطع الإمساك بأي شيء.لم يكن لديها مكان تذهب إليه.قادت السيارة ذهابا وإيابا في طريق جبلي بمفردها، ثم أوقفتها في النهاية عند البحر.حين صعد هادي إلى الطائرة الخاصة، ظل ممسكا بهاتفه في يده."يا سيد هادي، ستقلع الطائرة."جلس سامي إلى جوار هادي، وذكره بحذر بأن يغلق هاتفه."حسنا."أغلق هادي الهاتف، ونظر عبر النافذة.قبل مغادرته، لم تفارق مخيلته عيناها الحمراوان.في الليلة الماضية، ظلت نهال تتقلب بين ذراعيه طوال الليل، ولذلك لم ينم هو أيضا جيدا طوال الليل.ضغط بيده على ما بين حاجبيه، ثم تنهد."يا سيد هادي، أتشعر بأنك لست على ما يرام، هل ترغب في أن أرتب لك زيارة لطبيب بعد الهبوط؟"كان سامي مساعدا كفؤا، سريع ال

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 29

    "لدي اجتماع في مدينة الشروق غدا، جهزي أغراضك، وسأطلب من سامي أن يأتي لاصطحابك بعد قليل."كان كلام الجد الليلة الماضية واضحا تماما، ولم يعد بإمكان نهال العودة إلى عملها.تجمدت نهال في مكانها قليلا، وهي تراقبه يلتقط ربطة عنق من خزانة الملابس، و ينتظرها أن تتقدم إليه."لقد تعافت ركبتي تقريبا، كما أن فرقة الباليه ستبدأ جولتها الفنية الأسبوع المقبل، وعلي العودة إلى التدريبات."تقدمت نحوه بهدوء، وأشارت إليه أن يخفض رأسه قليلا، ثم عقدت له ربطة العنق بعقدة وندسور جميلة.أمال هادي رأسه، ونظر إلى المرأة التي كانت تخفض رأسها وهي ترتب ربطة عنقه في انعكاس المرآة، وشعر بانزعاج غامض يتسلل إلى قلبه."دعي أمر فرقة الباليه جانبا في الوقت الحالي، بما أننا بدأنا الاستعداد للحمل، فلا تعودي إليها، حتى لا تصابي مرة أخرى في يوم ما."ثم تجاوزها، واتجه إلى خزانة الملابس ليختار سترة بدلة فضية اللون.قال ذلك بنبرة متعالية، وكأن الأمر محسوم.ظلت عينا نهال تتبعانه، ورغم أنها كانت تعرف الإجابة في قرارة نفسها، فإنها لم تستطع التخلي عن آخر خيط من الأمل."دعني أنهي هذين الشهرين فقط."بعد أن انتهى هادي من ارتداء بدلته،

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 28

    كان هادي قد شرب بعض الكحول، فارتفعت حرارة جسده قليلا.وأثناء صعوده إلى الطابق العلوي وهو يحيط نهال بذراعه، لامست يده الكبيرة الجزء المكشوف من خصرها عند فتحة الفستان.كان ملمسها باردا، فأثار في نفسه رغبة لم يستطع كبحها.دخل وهو يحتضن نهال إلى غرفة النوم.كانت الغرفة معتمة قليلا، فأخذت نهال تتحسس مكان مفتاح الإنارة.وبنقرة خفيفة، غمر الضوء الغرفة، وكان ساطعا إلى حد أزعج العينين. رفع هادي يده يحجب بها الضوء عن عينيه.بينما نهال لم تُبد أي رد فعل، وكأنها اعتادت سريعا على الضوء المفاجئ.لقد كانت مرهقة بالفعل، فقبل قليل، أثناء اللعب، بدأ رأسها يثقل شيئا فشيئا.ارتمت على الأريكة، تستمع إلى خرير الماء القادم من الحمام.كان ضوء القمر في أوج صفائه خارج النافذة، تناولت نهال الدواء الذي تحمله معها، ثم أسندت رأسها إلى ذراعها، وارتمت على الأريكة.عندما خرج هادي من الحمام، وجدها قد تكورت على نفسها كقطة صغيرة.اقترب منها، وبحركة واحدة حملها بين ذراعيه.تململت نهال قليلا وهي بين ذراعيه، واقتربت منه أكثر.كان هادي قد انتهى لتوه من الاستحمام، ولا يزال يفوح منه عطر خشب الأرز.رفعت نهال يديها دون وعي لتلت

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 27

    "فهمت."عندما نزل هادي من الطابق العلوي، صادف أن رأى نهال جالسة أمام طاولة ورق اللعب، ووجهها الصغير متجهم وهي تحدق في الأوراق التي بين يديها.ثم نظر إلى المبلغ القليل المتبقي أمامها، وإلى المبالغ المتراكمة أمام بقية الكبار، فعرف على الفور ما الذي كان يشغل بالها!"يا هادي!"ما إن ظهر هادي حتى لمحته ندى في الحال تقريبا.وبمجرد أن نادت باسمه، رفع كل من على الطاولة رؤوسهم ونظروا نحوه.ولم تكن نهال استثناء.رأتها وهي تحمل نظرة فتاة مليئة بالترقب والخجل، تركض نحو زوجها وتتشبث بذراعه.ومن زاوية نظر نهال، استطاعت أن ترى ندى ترفع رأسها وتنظر إلى هادي بإعجاب واضح.خفضت نهال رأسها، لذلك لم تر هادي وهو يعقد حاجبيه ويُبعد ندى عنه."يا أخي، لو لم تأت الآن، لكانت زوجتك قد خسرت كل شيء."نشأت ليان في الخارج منذ طفولتها، ولم تكن تجيد لعب الورق، لكنها استطاعت مع ذلك تمييز الفائز من الخاسر.كانت نهال قد سحبت ورقة الآس، وما إن همت بإلقائها، حتى أمسك هادي بيدها."بطريقتك هذه في اللعب، سأكون قد خسرت كل ما أملك قبل صباح الغد بسببك."انحنى هادي، وسحب ورقة الرقم اثنين، ثم ألقاها بدلا منها."كم خسرت؟"نظرت نهال

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 26

    لم يمض وقت طويل حتى عادت الخادمة بما طلبته، ثم فتحته أمام الجميع."هذا..."وُضعت اللوحتان جنبا إلى جنب. وباستثناء أن ورق النسخة الأصلية اصفرّ بفعل السنين، فلم يكن بينهما أي اختلاف يُذكر، سواء في التكوين أو ضربات الريشة."أأنت من رسم هذه اللوحة؟"سألها الجد توفيق وهو يشير إلى اللوحة.أومأت نهال برأسها:" أعتذر عن هذا الموقف المحرج أمامكم، كنت أقلدها في وقت الفراغ لمجرد التسلية، ولم أتوقع أن تسيء ندى فهم الأمر، فتتسبب في كل هذا الالتباس.""يا زوجة السيد هادي، هل لي أن أعرف على يد أي فنان مرموق تتلمذت؟ صحيح أن هذه اللوحة مجرد نسخة عن الأصل، لكن مهارتك في الرسم لا يُستهان بها، حتى إنني قد لا أتمكن من رسم لوحة بهذا المستوى."في تلك اللحظة، كانت نظرة نبيل إلى نهال تحمل إعجابا واضحا لم يحاول إخفاءه.وكانت تلك النظرة كفيلة بأن تجعل هادي، الذي ظل يراقب المشهد، يعقد حاجبيه.ليس من الجيد أن تكون الفتاة لافتة للنظر أكثر من اللازم أحيانا.تقدم هادي خطوة إلى الأمام، ثم وضع ذراعه حول كتفي نهال.لكن هذه الحركة التي حملت قدرا واضحا من التملك، لم يلاحظها نبيل إطلاقا، فقد كان منشغلا بإعجابه بموهبتها.ابتس

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 25 

    دفعت كلمات نهال ندى إلى موقف بالغ الحرج.فمثل هذه اللوحات الأثرية يصعب على غير الخبراء إدراك خفاياها أو التمييز بين الأصل منها والمزيف.أما ندى، فما هي إلا ابنة بالتبني نشأت في كنف عائلة الراعي، فمن أين لها القدرة على تمييز اللوحات!"صحيح، تقولين إن اللوحة التي أهدتها زوجة أخي مزيفة، فأين دليلك؟ أم لأنك قلت ذلك، يُفترض بنا أن نصدقك!"تقدمت ليان، وقد نشأت مدللة، فلم تكن تتردد في قول ما يدور في خاطرها، ولا تعرف المجاملة.بعدما سمعت ندى كلام نهال، ازداد يقينها بأن اللوحة مزيفة."صحيح أنني لا أفهم في أساليب تمييز اللوحات، لكن من الواضح أن هذه اللوحة رسمتها بنفسك في المنزل، فكيف تجرئين على خداع جدي، وتدعين أنها من أعمال ذلك الفنان!"وما إن قالت ندى ذلك، حتى خيم الذهول على وجوه الحاضرين.حتى الجد توفيق، ارتسم عدم التصديق في عينيه."يا نهال، هل ما قالته ندى صحيح؟ هل رسمت هذه اللوحة بنفسك حقا؟"وقبل أن تنطق نهال بكلمة، اندفعت ندى إلى الأمام، وكأنها أمسكت بما يُدينها. "يا جدي، هذه اللوحة رسمتها نهال بنفسها. ذهبت قبل أيام لزيارة أخي هادي، وصادف أن رأيتها ترسم هذه اللوحة في المكتب، وقتها ظننت أن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status