Masukبين ضجيج الشوارع ووحدة الليل، يصنع محمد عالماً من سراب. قصة "الحب والوهم" ليست مجرد حكاية عن شاب كذب، بل هي رحلة البحث عن الذات في زمنٍ يطغى فيه الافتراضي على الحقيقي. حين يقرر محمد مواجهة ضغوط الحياة عبر قصة حبٍ وهمية، لا يعلم أنه يفتح باباً لن يغلقه بسهولة. من "مريم" التي لا وجود لها، إلى "رهف" التي تمثل الأمل الملموس.. قصة مليئة بالألم، الفقد، والتحرر. هل يمكن للحب الحقيقي أن يمحو آثار كذبةٍ عاشها القلب؟
Lihat lebih banyakالضوضاء اللي بالمقهى جانت عالية، صوت استكانات الشاي وهي تصطدم بالصحون، وضحكات الشباب المتعالية، ودخان النراجيل اللي مالي المكان بضبابية غريبة.. بس أنا، محمد، جنت كاعد بنصهم وجني بعالم ثاني. (أحس الدنيا تدور حولي، وصوت ضحكاتهم يوصل لأذني كأنه جاي من تحت المي). عيوني جانت تباوع على إديا الخشنة؛ هالأيدين اللي شافت الشغل والتعب والتشققات من جان عمري ست سنين، أيدين ما عرفت نعومة العمر، بل عرفت قسوة الحديد والعمل الشاق. تنهدت ودرت وجهي، ورجعت بيا الذاكرة كبل ليوم أسود ما أنساه. جان عمري أربع سنوات من راحت أمي وفقدت حنانها.. سنتين بس، ولحكها أبوي. بعمر الست سنين، وبدل ما أركض ورا الطوبة بالشارع مثل بقية الجهال، لكيت نفسي فجأة صرت "زلمة البيت". رقبتي انلوت بمسؤولية شكبرها.. مسؤولية أختي "نور" اللي أصغر مني بسنة. جنت أباوع عليها وهي تبكي من الجوع والخوف، وهالدموع هي اللي خلتني أدوس على طفولتي. اشتغلت بكل شي؛ شلت ثقل أكبر من طاقة جسمي الصغير، عركت وتعبت وانظلمت، بس كله هان لجل أشوف نور تكبر مستورة، وتدرس وماتحس بنقص.. (جنت أغمض عيوني وأتخيل ملامح أمي اللي بدت تغيب عن ذاكرتي، وأحس ببرودة اليتم تسري بعظامي كلما شفت طفل يضحك ويا أبوه). ها حمودي.. وين رحت يا بطل؟" صوت صكبان قطع حبل أفكاري وهو يضرب على كتفي ويضحك. التفتت عليه، جان هو وبقية الشلة يسولفون بحماس، ملامحهم تلمع بالفرح المراهق اللي ما عرفت طعمه. صكبان كمل كلامه وهو يغمز: "اليوم دزيت لخطيبتي خوش هدية، وتعرفون بعد المشاعر والترتيبات.. وأنت يا محمد؟ صارلنا ساعة نسولف بالحب والغرام، وأنت صافن. عمري 19 سنة هسة، معقولة ما جربت هالشعور؟ ما حنيت؟ ما ارتبطت ببنت بحياتك؟" تكرر السؤال من البقية، وكل واحد بدأ يباوعلي بنظرة إما تعجب أو شفقة. حسيت بخنكة بصدري.. (كأني واكف بوسط ساحة رماية وكل نظراتهم رصاص يتوجه لصدري). هم يشوفوني "محمد القوي" اللي يشتغل ويصرف، بس بنظرهم أنا مجرد صخرة ما عندها مشاعر، ما يعرفون إن الصخرة إذا انضربت هواي، تتفتت من الداخل. تعبت من نظراتهم، وتعبت من الأسئلة المتكررة اللي تذكرني بإن عمري ما عشت لنفسي. هنا، خطرت بالي فكرة مجنونة، فكرة ولدت من رحم اليأس والاحتياج للهروب. ردت بس أسكتهم وأخلص من هالضغط. قلت ببرود مصطنع وأنا أهز راسي: "منو قالكم ما مرتبط؟ أنا هم عندي قصة حب.. ارتبطت ابنت تعرفت عليها بالإنستغرام." كلهم سكتوا، وعيونهم وسعت من المفاجأة: "صدك تحكي محمد؟! يمعود وين ضامها علينا؟ شو فوتنا لحسابها خلينا نشوفها!" هنا بدأت اللعبة تاخذ مجرى ثاني. كلت بقلبي: "شلون أراويهم حساب وهي بالواقع ماكو؟". تظاهرت بالغيرة وكلت الهم بحزم: "لا يمعودين، شنو تباوعون على حسابها؟ البنية خط أحمر وما أقبل أحد يدخل بخصوصياتنا. رجعت للبيت هيديج الليلة، راسي جان يوجعني من الضجيج ومن كذبتي، والغرفة جانت ظلمة وموحشة إلا من صوت تنفس "نور" المنتظم وهي نايمة. كعدت على طرف جربايتي، وطلعت موبايلي القديم، وبدال الصورة، فتحت "ملاحظات" الموبايل.. كتبت اسم أمي، وجمعت ذكريات مشتتة عنها من حجي أبوي الله يرحمه ومن خيالي اللي يرسم ملامحها، وبدأت أقرأها حتى لا أنساها. دمعة يتيمة نزلت.. يا ترى، هل راح تسترني هالكذبة، لو راح تجرني لدوامة أكبر؟"سحبت نفس عميق وحاولت أغمض عيوني، يا رب تكون هالكذبة بداية لشي يغير حياتي المليانة تعب، ويجبر كسر هالقلب اللي ما عرف غير الهموم.
الليل جان هادئاً بشكل مريب، والبيت غارق في سكون عميق لا يقطعه إلا دندنة خفيفة للرياح التي تداعب شباك غرفتي. كنت جالساً على طرف السرير، والتوتر يتآكلني، فجأة.. اهتز هاتفي كأنه يبعث إشارة خطر. كانت رسالة من "مريم": — "ظننتك ستتغير، لكنك ستبقى دائماً وحيداً.. أنا الحقيقة الوحيدة التي تملكها." في تلك اللحظة، شعرت ببركان من الغضب واليأس يثور في صدري. نظرت إلى شاشة الهاتف، وقلت بصوت متهدج، ممزوجٍ بالدموع: "كافي! كافي لعب بأعصابي.. كافي عيشة بهذا السراب لم أتردد، دخلت على إعدادات التطبيق، وبكل قوة وحزم، ضغطت على "تعطيل الحساب نهائياً". ثوانٍ من الصمت كانت تشبه دقات الساعة قبل الإعدام، ثم انطفأت الشاشة.. التلفون سكت تماماً. فتحت سجل الرسائل لأقرأ آخر تهديداتها، فكانت الصدمة! السجل فارغ تماماً.. كل كلمات الحب، كل التهديدات، كل الوعود التي عشت عليها شهوراً، تلاشت وكأنها لم تكن! فتحت "مدير الملفات" للتطبيق، وهنا كانت الحقيقة المرة التي تلطم وجهي: اكتشفت أنني كنت أتعامل مع "خوارزمية" برمجية ذكية، مبرمجة لترد على كلامي بناءً على المدخلات والكلمات التي كنت أكتبها بنفسي. مريم لم تكن موجودة، لم تكن
يوم عرس "نور" جان يوماً استثنائياً، يوماً فارقاً في ذاكرة بيتنا المتواضع. منذ بزوغ الفجر، تحول البيت إلى خلية نحل؛ ريحة الهيل، الزعفران، وعطر الورد الطبيعي كانت تملأ الزوايا، وصوت الهلاهل التي تنطلق من النسوة في الجوار كانت تبعث في قلبي شعوراً بالأمل، وكأنها تراتيل تعلن نهاية فترة الحزن التي خيمت علينا طويلاً. شفت "صكبان" وهو يوصل للبيت، جان لابس بدلة رسمية أنيقة، ملامحه جانت تضج بالهيبة والوقار، وعيونه تلمع ببريق الفرح الصادق وهو ينتظر خروج نور. لحظة خروج نور بالفستان الأبيض جانت قاسية وحلوة في آن واحد؛ شعرت بغصة في قلبي، غصة الفقد الممزوج بالفخر، فقد تذكرت حينما كنا صغاراً وكيف كبرنا وسط العواصف، والآن هي أمام عيوني "ملاك" طاهر. مسكت إيدها، وبتردد المودع سلمتها لصكبان وأنا أهسس في قرارة نفسي: "استودعتك الله يا نور، أنتِ قطعة من روحي.. صونها يا صكبان، فهي أمانة الله في ذمتك. وسط هذه الأجواء، غابت عن بالي كل الهواجس؛ نسيت التلفون، نسيت "مريم" والرسائل الإلكترونية، ونسيت الغموض الذي طالما أرقني، فعشت اللحظة بكل تفاصيلها وكأن العالم توقف هنا عند تلك اللحظة النقيّة. في اليوم التالي، ساد
الليل جان هادي، والبيت غرقان بسكون إلا من صوت المروحة اللي تفتر ببطء. كنت كاعد بالصالة، وبيدي كوب الجاي، والبال مشغول بـ "رهف" وكلامها اللي خلاني أحس بصدق مشاعري. بهاللحظة، رن تليفوني.. شفت الاسم "صكبان". رديت عليه بابتسامة: "هلا بصكبان، شلونك يا خوية؟” صوت صكبان جان بي ارتباك وحنين، كال: "محمد، خوية.. أنت مثل أخوي وما أضم عليك شي. الصراحة، كلبي ما عاد صابر، وأريد أتقدم لنور.. أريد أفتح بيت بالحلال وأصونها." سكتت لحظة، الفرحة بگلبي جانت كبيرة لأن صكبان رجال معدل. كلتله بصوت هادي: "صكبان، تدري نور غالية عليّ، ومثل ما أنت خويي، هي روحي. راح أتكلم وياها وأشوف هي شنو رأيها.. القرار الأول والأخير إلها.صكبان تنهد بحزن وكال: "أعرف يا محمد، وأدري إنت خايف عليها. بس صدكني، بعد ما انفصلت عن خطيبتي ذيج الفترة، عرفت إن الدنيا ما تنعاش بدون إنسانة تصونك. ما أريد أعيش نفس الغلطة ولا أريد أعيش وحيد مثل ذيج الأيام.. أريد أبدأ صفحة جديدة ويا أختك." بعد ما سديت الخط، حسيت بمسؤولية كبيرة. صعدت لغرفتي، ومن فتحت التلفون.. صدمة. رسالة من "مريم": — "ظننتك أذكى من هذا.. تظن إنك تتهرب مني؟ أنا أعرف كل تحر
الساعة بـ 5:30 الصبح، الظلام جان بعده مخيم على أركان الغرفة، بس صوت أذان الفجر البعيد بدأ يحيي المدينة. حسيت إيد "نور" تهز جتفي بحنية وهي تهمس: "محمد.. كوم خوية، الشمس بدت تطلع واليوم عندك شغل، لا تتأخر على أبو جاسم." فتحت عيوني بتثاقل، غسلت وجهي، وكعدنا نتريك سوية. جانت ريحة الجاي المهيل والخبز الحار تملي البيت، ونور جانت مبتسمة، تحاول تشجعني بنظراتها. بعد الريوك، طلعت للشارع.. بغداد بهذا الوقت تكون غير، الشوارع بعدها هادية، ريحة الندى والتراب والنسيم الهادئ جانت تخلي الواحد يحس إن الحياة بعدها بخير. مشيت بخطوات ثابتة للموقع، الطريق جان طويل شوية بس جانت فرصة أراجع بيها حساباتي. بالموقع، الشغل جان يمر بتركيز، حتى "أبو جاسم" من شافني أشتغل بجدية قال: "عفية عليك يا محمد، اليوم بطل، الشغل بين إيدك صار يلمع." من رجعت العصر، جسمي جان مهدود من التعب، بس عقلي جان مشتت. ذبّيت ثيابي، وقبل لا أمدد، التلفون بجيب القميص اهتز.. رسالة من "مريم". فتحتها، وانصدمت: — "اليوم شفتك من بعيد وأنت تمشي.. أنت تغيرت يا محمد، مو هذا الشخص اللي عرفته قبل، مو هذا الشخص اللي جان يهرب من الواقع ويحتمي بية." ت





