Share

الفصل 7

Author: همسُ الخريف
ما إن دخلت نهال الفيلا، حتى سارعت الخالة أمينة إليها بوجه يملؤه القلق.

"سيدتي، ماذا حدث لساقك؟"

مدت نهال يدها لتستند إليها، ثم جلست على الأريكة.

"تعثرت أثناء المشي وسقطت، واضطر الطبيب إلى خياطة الجرح بغرزتين، وقال إنه ينبغي أن أتجنب بعض الأطعمة خلال الأيام القليلة المقبلة، فأخبري المطبخ بذلك."

وعندما جلست، شعرت وكأن ركبتها تفرك فوق صف من الإبر الفولاذية، شهقت من شدة الألم، ولم تجد مفرا سوى أن تمد ساقها فوق الأريكة في وضع مستقيم.

"حسنا، سأذهب الآن وأبلغ الخدم في المطبخ."

كانت نهال بالكاد قد تناولت شيئا طوال اليوم، لذا بدأت تشعر بالجوع.

فقررت أن تنتظر في الطابق السفلي حتى يحين موعد الطعام.

أمسكت هاتفها، وأخذت تتصفح أحدث جدول لعروض الفرقة؛ وكان العرض التالي بعد خمسة عشر يوما.

وبحلول ذلك الوقت، يفترض أن تكون إصابة ساقها قد شُفيت تقريبا.

كانت تحرك ساقها المصابة بحذر، محاولة العثور على وضعية أكثر راحة.

وفي الوقت نفسه، كان الألم يعصف بها حتى انكمش وجهها بالكامل، فراحت تستنشق الهواء بحدة من شدة الألم.

وفجأة دوى صوت من الأعلى، فرفعت نهال رأسها لتجد هادي واقفا هناك.

كان يرتدي ملابس منزلية سوداء، وقد ارتسمت على وجهه كآبة قاتمة، فيما كانت عيناه تغرقان في برودة مخيفة جعلت قلب نهال يثقل أكثر.

تقدم بخطوات ثابتة، ونزل الدرج، ثم وقف أمامها دون أن ينبس بكلمة.

لم تكن نهال تطيق تلك النظرة التي يحدق بها إليها؛ فقد كانت تمنحها شعورا خانقا حتى يكاد يحبس أنفاسها.

انحنى هادي قليلا، واستقرت عيناه الحادتان، كعيني صقر، على نهال.

ألقى نظرة جانبية على الكرسي المتحرك المجاور، ثم أطلق ضحكة ساخرة وقال: "ما إن التوت ساق ندى، حتى جلست أنت على كرسي متحرك، نهال، إن كنت تنوين التمثيل، فعلى الأقل أتقني دورك قليلا."

هبطت نظرات هادي إلى خصر نهال؛ فهذا هو الموضع نفسه الذي كان ذلك الرجل يحتضنها منه قبل قليل.

اجتاحت صدره موجة من الغضب الذي يصعب وصفه، لكنه اعتبر ذلك مجرد غيرة نابعة من غريزة التملك الذكورية.

ففي نظره، ما دامت تتجرأ على خيانته وهي زوجته، فهي بذلك تسعى إلى هلاكها بيديها!

لم تستطع نهال أن تصدق الكلمات التي خرجت من فم هادي.

تحملت الألم النابض في ركبتها، واحمرت عيناها، بينما ارتجف صوتها وهي تقول: "هادي، أحيانا أشك حقا أنك أعمى!"

"ماذا قلت؟"

قال هادي هذه الكلمات من بين أضراسه الخلفية، بينما كانت نيران الغضب تتلاطم في أعماق عينيه.

وظل يحدق في نهال بنظرة ثابتة لا ترمش.

"من هو الرجل الذي أوصلك إلى المنزل؟"

إذن، لقد رأى ما حدث.

"إنه الطبيب المعالج لوالدتي، رأى أن ساقي مصابة، فأصر على إيصالي إلى المنزل."

ورغم أن هادي لا يحبها، فإنه لم يكن يسمح لها قط بأن تكون على تقارب مفرط مع أي رجل آخر.

وبالطبع، لم تكن نهال ساذجة إلى الحد الذي يجعلها تظن أنه يغار عليها؛ كل ما في الأمر أنه لا يريد لمسيرته السياسية المثالية أن تتلطخ بفضيحة أو شائعة عاطفية.

وما إن ذُكرت والدتها، حتى بدا الحزن يخيم على ملامح نهال بوضوح لا يخفى على أحد.

ظل هادي عاجزا عن تجاوز ما حدث في ذلك العام، وطوال هذه السنوات، كان يعلم أن والدة نهال تعاني مرضا خطيرا، ومع ذلك لم يزرها قط.

ساد الصمت بينهما، وفي تلك اللحظة دوى من خارج الفيلا صوت انطفاء محرك سيارة رياضية.

وما إن سمع هادي ذلك الصوت، حتى أدرك هوية الزائر.

ألقى نظرة على نهال التي ارتسمت على وجهها ملامح الفرح، ثم جلس على الأريكة المقابلة لها.

"أكان لا بد من إثارة كل هذه الضجة، بسبب إدخال ندى إلى الفرقة؟"

أدركت نهال أن هادي أساء فهم الأمر مرة أخرى، وظن أنها استعانت بحماتها لتقف إلى جانبها.

"لم أطلب من والدتك أن تأتي."

وما إن انتهت من كلامها، حتى فُتح باب الفيلا.

دخلت نادية مرتدية فستانا طويلا، وهي تنتعل حذاء ذا كعب عال.

وكان يرافقها شخصان، يحمل كل منهما أكياسا كثيرة، كبيرة وصغيرة.

"أمي!"

نادتها نهال بصوت عذب مفعم بالبهجة، وابتسمت وهي تحاول النهوض.

كان أعظم ما كسبته من زواجها بهادي هو أنها حظيت بحماة تحبها وترعاها بإخلاص ومن كل قلبها.

أسرعت نادية بخطواتها، وضغطت برفق على نهال لتبقيها جالسة على الأريكة.

"لا تتحركي، دعيني أرى ساقك!"

وبينما تتحدث، رفعت طرف فستان نهال برفق.

كانت ركبتها قد لُفت بالضمادات، فلم يعد الجرح ظاهرا.

لكن التورم الشديد كان كافيا ليكشف مدى خطورة الإصابة.

كان هادي يظن أن نهال فعلت ذلك بسبب غيرتها وتنافسها على اهتمامه، لكنه لم يتوقع أن تكون إصابتها بهذه الخطورة حقا.

أظلمت عيناه، وحين تذكر أنه اتهمها قبل قليل بالتظاهر بالإصابة عمدا، اجتاح قلبه شعور غامض يعجز عن وصفه.

"أمي، أنا بخير! قال الطبيب إنني سأتعافى بعد راحة لمدة أسبوعين."

ربتت نادية على رأس نهال بحنان وألم، ثم التفتت إلى ابنها الواقف بجانبها وركلته ركلة خفيفة.

"أهكذا تعتني بنهال؟!"

شعر هادي بألم في ساقه، ولما التقت عيناه بعيني نهال، ظل صامتا ولم ينطق بكلمة.

"أمي، لقد سقطت عن غير قصد، ولا علاقة لهادي بالأمر."

لم ترد نهال أن يقع هادي في موقف محرج، فأمسكت بذراع نادية وتدللت عليها.

كانت نادية راضية عن كنتها أشد الرضا، وفي الوقت نفسه تشفق عليها من أعماق قلبها.

"لا تدافعي عنه، لولا أنني ذهبت اليوم إلى المستشفى لزيارة والدتك، وسمعت إحدى الممرضات تذكر الأمر عرضا، لما عرفت أنك سقطت وتعرضت للإصابة، بل واضطررت إلى خياطة الجرح بالغرز."

عند سماع هادي ذلك، انعقد حاجباه بشدة.

ثم وجه نظره إلى نهال.

"لماذا لم تخبريني أنك أُصبت؟"

قلبت نهال عينيها خفية باستياء.

وما الذي كنت سأخبرك به؟! وهل ترى في هذه الدنيا أحدا غير ندى؟!

إلا أن نهال لم تفصح عما كان يدور في خاطرها.

"يبدو الجرح مخيفا فحسب، لكنه في الحقيقة ليس خطيرا إلى هذا الحد، كما أنك مشغول بالعمل، ولم أرد أن أشغلك أو أشتت انتباهك بسبب أمر تافه كهذا."

عند سماع ذلك، رفع هادي بصره إلى نهال، فرأى على وجهها الهادئ البارد ابتسامة خفيفة.

بدت ودودة في ظاهرها، لكنها في الحقيقة كانت بعيدة ومتحفظة.

"سيدي، سيدتي، الطعام جاهز."

تقدمت الخالة أمينة إلى غرفة الجلوس، وهمت بمساعدة نهال على الوقوف.

لكن هادي نهض من مكانه، وتقدم نحو نهال، ثم مد ذراعيه الطويلتين وحملها بين ذراعيه من خصرها.

ارتفعت نهال عن الأرض فجأة، فالتفت ذراعاها تلقائيا حول عنق هادي، واحمر خداها بخجل.

"يمكنني الذهاب على الكرسي المتحرك."

همست بصوت خافت عند أذن هادي، وكان صوتها كريشة ناعمة داعبت شغاف قلبه.

تحركت تفاحة آدم في عنق هادي، ثم خفض عينيه لينظر إلى نهال بين ذراعيه، قبل أن يتجه بخطوات واسعة نحو مائدة الطعام.

"أتظنين أن أمي، وهي هنا، ستسمح لك بالذهاب وحدك على كرسي متحرك؟"

واستجابة لكلامه، التفتت نهال نحو حماتها.

لم تفاجأ حين رأت حماتها تنظر إليهما بوجه يفيض بالسعادة وكأنها تستمتع بمشاهدة انسجامهما كزوجين.

أعادت نهال بصرها ولم تقل شيئا آخر.

فعلى الرغم من أن هادي كان باردا في معاملته لها، فإنه كان بارا بوالدته على الدوام.

ولولا ذلك، لما وافق على الزواج منها في ذلك الوقت.

أنزلها هادي برفق على المقعد، ولا يُدرى إن كان ذلك عن قصد أم عن غير قصد.

إذ لامست شفتاه خد نهال بخفة أثناء إنزالها.

وحين استوعبت نهال ما حدث، رفعت رأسها تنظر إليه ووجهها قد احمر خجلا.

كان هادي قد جلس إلى جانبها بملامح جادة تماما، وعيناه لا تحيدان عن الأمام، وكأن شيئا لم يحدث.

لا بد أنني أبالغ في التفكير، هكذا قالت لنفسها.

استدارت نهال وأخذت المنشفة الموضوعة على الطاولة لتجفف يديها، فلم تلحظ الابتسامة الخفيفة التي ارتسمت على زاوية شفتي هادي.

"نهال، هذا حساء طلبت من الخدم في المنزل أن يعدوه، تذوقيه!"

ناولت نادية وعاءي الحساء اللذين أحضرتهما إلى نهال وهادي، ثم راحت تنظر إليهما بعينين مفعمتين بالترقب والاهتمام.

حملت نهال الوعاء بطاعة، وما إن همت بأن ترتشف منه حتى أخذه هادي من يدها ووضعه على الطاولة.

ثم غرف لها وعاء آخر من حساء الدجاج.

"اشربي هذا."

قالت له نهال باستغراب: "سأشرب أولا الحساء الذي أحضرته والدتك."

فعلى أي حال، كانت تلك لفتة طيبة من حماتها، قد لا يقدر الابن هذه اللفتة، لكنها بصفتها زوجة الابن، لا يليق بها أن تتصرف دون لباقة أو مراعاة.

"أمي، هل أنت متأكدة حقا من أنك تريديننا أن نشرب هذا الحساء؟ ركبة نهال ما تزال مصابة!"

توقفت يد نهال الممسكة بالملعقة في مكانها، وخمنت أن الحساء لا بد أنه يحتوي على مكون لا يناسب حالتها.

رفعت رأسها نحو نادية الجالسة في الجهة المقابلة، فرأت حماتها تبتسم ابتسامة محرجة وهي تسحب وعاء الحساء من يدها.

لقد طلبت نادية من الخدم إعداد هذا الحساء منذ الصباح، وكانت تنوي أن تزور أزهار أولا ثم تأتي إلى نهال، لكنها لم تتوقع أبدا أن تتعرض نهال للإصابة.

كانت كل ما تفكر فيه قبل قليل، هو أن تهيئ لهذين الزوجين الشابين فرصة لتوطيد علاقتهما هذه الليلة، ليرزقا بطفل في أقرب وقت.

حتى إنها نسيت تماما إصابة نهال.

"هاها، إذا لا داعي لشربه الآن، عندما تتعافى نهال، سأطلب من أحد أن يعده لكم من جديد ويرسله إليكما."

نظرت نهال إلى وعاء الحساء الموضوع بجانبها، ثم أطرقت برأسها تخفي الخجل الذي كسا وجهها.

كان هادي يجلس بمحاذاتها، قريبا منها للغاية، حتى إنها كانت تشعر بحرارة جسده رغم أن الملابس تفصل بينهما.

احمر وجه نهال بشدة، فأخذت تأكل ما في وعائها بسرعة محاولة إخفاء ارتباكها.

"انتهيت من الطعام؟"

جلس هادي بهدوء وثقة، يراقب جميع ردود أفعال نهال دون أن يفوته شيء.

كانت بشرتها ناصعة البياض، وقوامها الرشيق الناعم أشبه بقطعة يشم بيضاء لا تشوبها أي شائبة.

كان هادي يعتقد دائما أنه ليس رجلا شديد الشهوة، لكن منذ أصبحت نهال زوجته، صار كلما اقترب منها ازداد شغفا بها، وكأنه لا يشبع من لذتها، ولا يعرف معها تعبا ولا مللا.

وضعت نهال وعاءها وملعقتها، ثم أومأت برأسها.

"أمي، سأرافقك لنجلس قليلا على الأريكة."

لم تكن نهال ترغب في العودة إلى الغرفة مبكرا ومواجهة هادي.

التقط هادي علبة السجائر من فوق الطاولة، وأخرج منها سيجارة ووضعها بين شفتيه.

وما إن هم بإشعالها حتى بدا وكأنه تذكر شيئا، فنزعها من بين شفتيه وأخذ يديرها بين أصابعه دون أن يشعلها.

أسند الجزء العلوي من جسده إلى الخلف في استرخاء، بينما وضع يده الأخرى على ظهر كرسي نهال.

"لقد أصبحت الساعة التاسعة يا أمي، إن لم تعودي للمنزل لتنامي الآن، فلن تتمكني غدا من إخفاء تجاعيد وجهك."

"أيها الشقي! هل أنت مستعجل إلى هذا الحد لطردي؟"

"ألست تتلهفين كل يوم لحمل حفيدك بين ذراعيك؟ إن لم تغادري، فكيف ستتاح لي ولنهال فرصة إنجابه لك؟"

"كح… كح…!"

كانت نهال ترتشف الماء، لكن كلماته جعلتها تختنق به حتى اغرورقت عيناها بالدموع.

احمرت أطراف عينيها قليلا، وامتلأت مقلتاها بالدموع، فبدت كأرنب صغير بريء.

كانت تعلم أن هادي يتصرف في المنزل بطريقة، وخارجه بطريقة أخرى، لكنها لم تتوقع قط أنه يستطيع التفوه بمثل هذه الكلمات حتى أمام والدته.

وبعدما قال هادي ذلك، لم يعد بوسع نادية أن تبقى جالسة.

ورغم أنها أخذت توبخه قائلة: "أيها الشقي"، فإن البهجة التي تملأ عينيها كانت واضحة لا يمكن إخفاؤها.

"حسنا، سأعود الآن، بعد بضعة أيام سيكون عيد ميلاد جدك، فلا تنسيا الحضور."

أرادت نهال أن تنهض لتودع حماتها، لكن هادي أمسك بإحدى يديها وضغط عليها برفق لتبقى جالسة.

"ساقك مصابة إصابة شديدة، فلماذا تصرين على التظاهر بالقوة؟"

وبطبيعة الحال، لم تعتبر نادية الأمر يستحق هذا العناء، فاكتفت بأن توصي هادي أن يعتني جيدا بنهال، ثم غادرت الفيلا.

ولم يبق في غرفة الجلوس الواسعة سوى الاثنين، وبعد رحيل حماتها، لم يعد لدى هادي أي داع للاستمرار في تمثيل دور الزوج المحب أمامها.

ولم تكن نهال تتوقع أصلا أن يحملها هادي إلى الطابق العلوي.

وما إن همت بمناداة إحدى الخادمات لمساعدتها، حتى رفعها بين ذراعيه ممسكا بها من خصرها.

"ماذا تفعل؟"

حملها هادي بين ذراعيه وصعد بها نحو الطابق العلوي.

"أما سمعت ما قالته أمي قبل قليل؟ لقد أوصتني أن أعتني بك جيدا."

وتعمد التشديد على جملة "أعتني بك"، فتحول معناهما في أذني نهال إلى إيحاء حميمي مليء بالرقة والإغراء.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
Nehal
واو حلوه اوووووي...
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 30

    كان هادي يفي دائما بما يقوله.لم يمض وقت طويل حتى تلقت نهال رسالة من مدير الفرقة.يطلب منها أن ترتاح في المنزل جيدا، وأن تؤجل أمور فرقة الباليه مؤقتا.ألقت نهال هاتفها جانبا، وضغطت دواسة الوقود حتى أقصاها، فانطلقت سيارة البوجاتي مسرعة على الطريق.كان الخريف قد بدأ لتوه في العاصمة، حتى الرياح بدت تحمل شيئا من الكآبة.مدت إحدى يديها خارج النافذة، فمرت رياح الخريف عبر راحة يدها، لكنها لم تستطع الإمساك بأي شيء.لم يكن لديها مكان تذهب إليه.قادت السيارة ذهابا وإيابا في طريق جبلي بمفردها، ثم أوقفتها في النهاية عند البحر.حين صعد هادي إلى الطائرة الخاصة، ظل ممسكا بهاتفه في يده."يا سيد هادي، ستقلع الطائرة."جلس سامي إلى جوار هادي، وذكره بحذر بأن يغلق هاتفه."حسنا."أغلق هادي الهاتف، ونظر عبر النافذة.قبل مغادرته، لم تفارق مخيلته عيناها الحمراوان.في الليلة الماضية، ظلت نهال تتقلب بين ذراعيه طوال الليل، ولذلك لم ينم هو أيضا جيدا طوال الليل.ضغط بيده على ما بين حاجبيه، ثم تنهد."يا سيد هادي، أتشعر بأنك لست على ما يرام، هل ترغب في أن أرتب لك زيارة لطبيب بعد الهبوط؟"كان سامي مساعدا كفؤا، سريع ال

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 29

    "لدي اجتماع في مدينة الشروق غدا، جهزي أغراضك، وسأطلب من سامي أن يأتي لاصطحابك بعد قليل."كان كلام الجد الليلة الماضية واضحا تماما، ولم يعد بإمكان نهال العودة إلى عملها.تجمدت نهال في مكانها قليلا، وهي تراقبه يلتقط ربطة عنق من خزانة الملابس، و ينتظرها أن تتقدم إليه."لقد تعافت ركبتي تقريبا، كما أن فرقة الباليه ستبدأ جولتها الفنية الأسبوع المقبل، وعلي العودة إلى التدريبات."تقدمت نحوه بهدوء، وأشارت إليه أن يخفض رأسه قليلا، ثم عقدت له ربطة العنق بعقدة وندسور جميلة.أمال هادي رأسه، ونظر إلى المرأة التي كانت تخفض رأسها وهي ترتب ربطة عنقه في انعكاس المرآة، وشعر بانزعاج غامض يتسلل إلى قلبه."دعي أمر فرقة الباليه جانبا في الوقت الحالي، بما أننا بدأنا الاستعداد للحمل، فلا تعودي إليها، حتى لا تصابي مرة أخرى في يوم ما."ثم تجاوزها، واتجه إلى خزانة الملابس ليختار سترة بدلة فضية اللون.قال ذلك بنبرة متعالية، وكأن الأمر محسوم.ظلت عينا نهال تتبعانه، ورغم أنها كانت تعرف الإجابة في قرارة نفسها، فإنها لم تستطع التخلي عن آخر خيط من الأمل."دعني أنهي هذين الشهرين فقط."بعد أن انتهى هادي من ارتداء بدلته،

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 28

    كان هادي قد شرب بعض الكحول، فارتفعت حرارة جسده قليلا.وأثناء صعوده إلى الطابق العلوي وهو يحيط نهال بذراعه، لامست يده الكبيرة الجزء المكشوف من خصرها عند فتحة الفستان.كان ملمسها باردا، فأثار في نفسه رغبة لم يستطع كبحها.دخل وهو يحتضن نهال إلى غرفة النوم.كانت الغرفة معتمة قليلا، فأخذت نهال تتحسس مكان مفتاح الإنارة.وبنقرة خفيفة، غمر الضوء الغرفة، وكان ساطعا إلى حد أزعج العينين. رفع هادي يده يحجب بها الضوء عن عينيه.بينما نهال لم تُبد أي رد فعل، وكأنها اعتادت سريعا على الضوء المفاجئ.لقد كانت مرهقة بالفعل، فقبل قليل، أثناء اللعب، بدأ رأسها يثقل شيئا فشيئا.ارتمت على الأريكة، تستمع إلى خرير الماء القادم من الحمام.كان ضوء القمر في أوج صفائه خارج النافذة، تناولت نهال الدواء الذي تحمله معها، ثم أسندت رأسها إلى ذراعها، وارتمت على الأريكة.عندما خرج هادي من الحمام، وجدها قد تكورت على نفسها كقطة صغيرة.اقترب منها، وبحركة واحدة حملها بين ذراعيه.تململت نهال قليلا وهي بين ذراعيه، واقتربت منه أكثر.كان هادي قد انتهى لتوه من الاستحمام، ولا يزال يفوح منه عطر خشب الأرز.رفعت نهال يديها دون وعي لتلت

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 27

    "فهمت."عندما نزل هادي من الطابق العلوي، صادف أن رأى نهال جالسة أمام طاولة ورق اللعب، ووجهها الصغير متجهم وهي تحدق في الأوراق التي بين يديها.ثم نظر إلى المبلغ القليل المتبقي أمامها، وإلى المبالغ المتراكمة أمام بقية الكبار، فعرف على الفور ما الذي كان يشغل بالها!"يا هادي!"ما إن ظهر هادي حتى لمحته ندى في الحال تقريبا.وبمجرد أن نادت باسمه، رفع كل من على الطاولة رؤوسهم ونظروا نحوه.ولم تكن نهال استثناء.رأتها وهي تحمل نظرة فتاة مليئة بالترقب والخجل، تركض نحو زوجها وتتشبث بذراعه.ومن زاوية نظر نهال، استطاعت أن ترى ندى ترفع رأسها وتنظر إلى هادي بإعجاب واضح.خفضت نهال رأسها، لذلك لم تر هادي وهو يعقد حاجبيه ويُبعد ندى عنه."يا أخي، لو لم تأت الآن، لكانت زوجتك قد خسرت كل شيء."نشأت ليان في الخارج منذ طفولتها، ولم تكن تجيد لعب الورق، لكنها استطاعت مع ذلك تمييز الفائز من الخاسر.كانت نهال قد سحبت ورقة الآس، وما إن همت بإلقائها، حتى أمسك هادي بيدها."بطريقتك هذه في اللعب، سأكون قد خسرت كل ما أملك قبل صباح الغد بسببك."انحنى هادي، وسحب ورقة الرقم اثنين، ثم ألقاها بدلا منها."كم خسرت؟"نظرت نهال

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 26

    لم يمض وقت طويل حتى عادت الخادمة بما طلبته، ثم فتحته أمام الجميع."هذا..."وُضعت اللوحتان جنبا إلى جنب. وباستثناء أن ورق النسخة الأصلية اصفرّ بفعل السنين، فلم يكن بينهما أي اختلاف يُذكر، سواء في التكوين أو ضربات الريشة."أأنت من رسم هذه اللوحة؟"سألها الجد توفيق وهو يشير إلى اللوحة.أومأت نهال برأسها:" أعتذر عن هذا الموقف المحرج أمامكم، كنت أقلدها في وقت الفراغ لمجرد التسلية، ولم أتوقع أن تسيء ندى فهم الأمر، فتتسبب في كل هذا الالتباس.""يا زوجة السيد هادي، هل لي أن أعرف على يد أي فنان مرموق تتلمذت؟ صحيح أن هذه اللوحة مجرد نسخة عن الأصل، لكن مهارتك في الرسم لا يُستهان بها، حتى إنني قد لا أتمكن من رسم لوحة بهذا المستوى."في تلك اللحظة، كانت نظرة نبيل إلى نهال تحمل إعجابا واضحا لم يحاول إخفاءه.وكانت تلك النظرة كفيلة بأن تجعل هادي، الذي ظل يراقب المشهد، يعقد حاجبيه.ليس من الجيد أن تكون الفتاة لافتة للنظر أكثر من اللازم أحيانا.تقدم هادي خطوة إلى الأمام، ثم وضع ذراعه حول كتفي نهال.لكن هذه الحركة التي حملت قدرا واضحا من التملك، لم يلاحظها نبيل إطلاقا، فقد كان منشغلا بإعجابه بموهبتها.ابتس

  • يا سيد هادي، لن نلتقي مجددًا ما حييت   الفصل 25 

    دفعت كلمات نهال ندى إلى موقف بالغ الحرج.فمثل هذه اللوحات الأثرية يصعب على غير الخبراء إدراك خفاياها أو التمييز بين الأصل منها والمزيف.أما ندى، فما هي إلا ابنة بالتبني نشأت في كنف عائلة الراعي، فمن أين لها القدرة على تمييز اللوحات!"صحيح، تقولين إن اللوحة التي أهدتها زوجة أخي مزيفة، فأين دليلك؟ أم لأنك قلت ذلك، يُفترض بنا أن نصدقك!"تقدمت ليان، وقد نشأت مدللة، فلم تكن تتردد في قول ما يدور في خاطرها، ولا تعرف المجاملة.بعدما سمعت ندى كلام نهال، ازداد يقينها بأن اللوحة مزيفة."صحيح أنني لا أفهم في أساليب تمييز اللوحات، لكن من الواضح أن هذه اللوحة رسمتها بنفسك في المنزل، فكيف تجرئين على خداع جدي، وتدعين أنها من أعمال ذلك الفنان!"وما إن قالت ندى ذلك، حتى خيم الذهول على وجوه الحاضرين.حتى الجد توفيق، ارتسم عدم التصديق في عينيه."يا نهال، هل ما قالته ندى صحيح؟ هل رسمت هذه اللوحة بنفسك حقا؟"وقبل أن تنطق نهال بكلمة، اندفعت ندى إلى الأمام، وكأنها أمسكت بما يُدينها. "يا جدي، هذه اللوحة رسمتها نهال بنفسها. ذهبت قبل أيام لزيارة أخي هادي، وصادف أن رأيتها ترسم هذه اللوحة في المكتب، وقتها ظننت أن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status