LOGINمنذ ذلك اليوم الذي أعلنت فيه والدة عامر أنها لن تتدخل في علاقتها بعامر بعد الآن، أدركت ريم أن السيدة بدرية قد أصبحت شخصاً آخر تمامًا.قالت ريم وقد احمرَّت عيناها: "أعلم، أعلم كل شيء، لقد كنتِ طوال هذه الفترة تهتمين بلولو."تلعثمت السيدة بدرية بصوت مخنوق: "إنه حفيدي، لم أفعل شيئًا من أجله من قبل، والآن حان دوري لأهتم به."وأضافت: "وبهذه الطريقة فقط يهدأ ضميري قليلًا."عندما انفرجت نفسها، وكفت عن معارضة علاقتهما، وبدأت تفعل ما في وسعها، شعرت وكأن شخصًا يمسك بسكين صغيرة ويكشط قلبها بلا توقف كل يوم. كانت تتألم للغاية، وكانت تندم كل يوم.قبل قليل، لم تفكر كثيراً، كان لديها هاجس واحد فقط: ألا تموت ريم. والآن، كل ما عليها فعله هو التأكد من أن ريم ستعيش حياة طيبة وسعيدة مع عامر.تغير صوت ريم وأصبح مبحوحًا ومخنوقًا بالدموع: "لقد ولّى كل ذلك، وعلينا أن ننظر إلى المستقبل. سأذهب أنا وعامر الآن لإدخالكِ المستشفى، لا تتحدثي بعد الآن، ستتعافين بالتأكيد ولن يصيبكِ مكروه."رغم أن السيدة بدرية كانت تعترض طريقها في السابق، إلا أن ريم كانت تدرك أن ذلك كان بدافع الأمومة وحرصها على عامر، ولو كانت هي مكانه
"لولو، ألا تُعطي جدتك قبلة؟" قالت والدة عامر وهي تحتضن الطفل.هز لولو رأسه: "لا!"ذهلت والدة عامر قليلًا، وعلت وجهها لمحة من الألم.لكنها كانت تدرك في قلبها أنهم يحتاجون إلى وقت حتى يتقبلوها تمامًا، فلم تلح: "فلنلتقط الصورة هكذا إذن."كان المصور على وشك مواصلة التصوير، لكنه فوجئ بضجيج عالٍ يأتي من الخارج.فلم يتحمل، ومشى نحو الباب وصاح: "اهدأوا!"لم تكد الكلمة تخرج من فمه حتى انقض عليه مجنون، وخطف الآلة من يده، وضربه بها ضربًا عنيفًا، حتى وقع على الأرض.لم يستوعب أحد ما حدث، وبادرت ريم بحماية لولو الذي كانت تحتضنه.نظر ذلك المجنون إلى هذه الأسرة وهي تلتقط صورًا عائلية في بهجة، فاحمرت عيناه غيظًا، وانقض عليهم بشراسة وهو يصرخ: "لماذا أنتم سعداء هكذا؟ بأي حق؟"ارتعب الاثنان، أسرعت ريم بإخفاء لولو خلف ظهرها، غير مبالية بنفسها.كان رد فعل عامر سريعًا، فدفع ريم ولولو بعيدًا، ووقف أمامهما.شد جسده كالقوس، مستعدًا لصد هجوم المجنون.لكن المجنون، عندما رأى رجلاً قويًا يتصدى له، تراجع بضع خطوات، ثم التف حوله وطارد ريم.صاحت ريم مذعورة، وهي ترى السكين تتجه نحوها، وحتى عامر لم يتوقع هذه الحيلة، وحت
في ذلك اليوم، لم يذهب عامر إلى الشركة.أخذ يحث ريم قائلًا: "لقد حان الوقت تقريبًا، هيا بنا."خرجت ريم مسرعة وهي تحمل لولو بين ذراعيها: "أنا قادمة."نظر إليها عامر وقد أشرق وجهها، فمدحها وهو يبتسم: "أنتِ تصبحين أجمل يومًا بعد يوم."ابتسمت ريم ابتسامة عاجزة، وقالت: "منذ متى وأنت معسول اللسان هكذا؟"ضحك عامر بهدوء: "هل قول الحق يجعلني معسول اللسان؟ أم أنك تخشين مواجهة جمالكِ؟"قالت ريم بعجز: "كفى، هيا بنا نسرع."كان عامر ينوي ركوب السيارة، لكنه تأمل ثيابه طويلًا، ثم هز رأسه: "لا، هذا الزي الذي أرتديه لا يليق بكِ، لا يبدو علينا أننا زوجان.""هل ستغير ملابسك إذن؟" رفعت ريم حاجبها."سأغيرها، وأنتِ اختاري لي." قال عامر مبتسمًا.لم تجد ريم بدًا من الموافقة، فصعدا مجددًا إلى الطابق العلوي، واختارت له ثوبًا يليق بلون ثوبها، وعندها فقط ارتاح ونظر إلى المرآة راضيًا."جميل، هكذا نصبح عائلة واحدة."ثم نزل الاثنان مع لولو وركبا السيارة.لم يريا أن والدة عامر كانت تراقبهم من بعيد، وعلت وجهها لمحة من الشوق وهي تنظر إلى مشهد هذه الأسرة السعيدة.وبعد أن غادروا، خرجت والدة عامر وسألت السائق الذي كان في ور
رفع رأسه فجأة، وانفجر في عينيه بريق من الدهشة وعدم التصديق.ثم أغلقت والدته الباب.وبينما كانت تنظر إلى عامر الذي لم يهدأ بعد، تنهدت بخفة وقالت: "لا تغضب من والدك. هو في الحقيقة قاسٍ في كلامه فقط. تلك السنوات التي أصررت فيها على أن تصبح محاميًا، كان يوبخك بالكلام فقط، لكنه في قلبه كان فخورًا بك جدًا."لم ينبس عامر بكلمة.فقد كان يظن دائمًا أن والده لا يحبه، فإذا به يكتشف أن الأمر ليس كذلك، بل كانت لديه ظروف تجعله يقول ما ليس في قلبه.وليس كل إنسان يقدر على تقبل مثل هذا الأمر بسرعة.لذا غادر عامر الدار القديمة، ولم يبقَ لتناول العشاء، بل رحل.ولم تقل ريم شيئًا.أراد لولو أن يسأل، لكنها أسكتته.وعندما وصلوا إلى البيت، ولم يبقَ سواهما متكئين على السرير، متعانقين، عندها فقط سألته السؤال الذي كان يراودها منذ أن كانت في الدار القديمة: "ألستَ سعيدًا؟"تأخر صوت عامر قليلًا قبل أن يجاوب: "لا أستطيع أن أقول إني لست سعيدًا، ولا أستطيع أن أقول إني سعيد.""أنا أفهم." احتضنته ريم بقوة.ريم تعرف هذا الشعور، حين عرفت أن ميثاء لا تزال حية، كانت تشعر بنفس الشيء، سعيدة لحقيقة أنها لا تزال على قيد الحياة،
دهشت ريم للحظة.فإذا بها تكتشف أنه لم يكن يريد منها الاعتذار لأنها ارتكبت خطأً ما... لكن لماذا لم يخبرها من البداية؟ارتاحت كثيرًا حينها، وأخذت هاتفها تتصفحه، ثم اختارت مطعمًا وقالت: "سأختار هذا المطعم إذن."أومأ عامر برأسه، وقال: "بالمناسبة، اصطحبي لولو من الروضة، لا داعي لبقائه بعد الظهر، اطلبي له إجازة نصف يوم. بعد الغداء، سنذهب إلى الدار القديمة."لم تسأل ريم لماذا سيذهبون، لأنها رأت تعابير وجه عامر.أخذت تفكِّر بتأمل.قليلون هم من يستطيعون إظهار تلك التعابير على وجه عامر، وهي لا تعرف سوى شخصٍ واحد منهم، وهو والده، لذا فالعودة إلى الدار القديمة على الأرجح لها علاقة بوالد عامر.بعد الطعام، انطلقوا إلى دار عائلة الحربي القديمة.لم تكن هذه أول زيارة للولو، لكنها كانت المرة الأولى التي يذهب فيها برفقة ريم، فكان متحمسًا جدًا، يتحرَّك في السيارة جيئة وذهابًا.تمالكت ريم نفسها مرارًا، ثم لم تستطع إلا أن تمسك بالمشاغب الصغير، وقالت: "اجلس هادئًا، ولا تتحرك كثيرًا."جلس لولو في مكانه فورًا، وأخذ يطرف بعينيه قائلًا: "أمي، هل سنرى جدتي في هذه الزيارة؟"بعد أن علم لولو بهوية عامر، بات يعلم الآ
في صباح اليوم التالي، كان لولو يحدق في ريم.شعرت ريم بالحرج من نظراته، وظنت أنه قد اكتشف أمرًا ما، فقالت: "لماذا تحدق فيَّ هكذا؟ تناول طعامك بسرعة، وإلا ستتأخر عن المدرسة."كان لولو يمسك بالخبزة في يده ويقضمها، ويطرف بعينيه، ثم قال بصوت غير واضح: "سمعت من أصدقائي في الروضة أنه إذا كان أبي وأمي على وفاق، فسيأتي قريبًا أخ أو أخت صغيرة. أمي، هل سأحظى بأخت صغيرة؟"كادت ريم أن تختنق حين سمعت ذلك.ضربت على صدرها لتسترد أنفاسها، ثم ألقت نظرة غاضبة على لولو بوجهه البريء، وقالت: "ما هذه الثرثرة؟ تناول فطورك بهدوء.""حسنًا." تمتم لولو وهو يزم شفتيه.لا شك أن أمه تشعر بالخجل.ولا تعلم ريم ما يدور في رأس هذا الصغير، فإن كانت تعلم، لما تركت الأمر يمر بهذه البساطة.بعد أن أوصلت لولو إلى الروضة، قادت ريم سيارتها متجهة إلى الشركة، كأي يوم عادي.كادت أعين الناظرين إليها أن تخرج من مآقيها من شدة الدهشة."أيتها السكرتيرة ريم، لماذا أتيتِ إلى الشركة؟" قالت لها آية من قسم التخطيط، وهي تشير إليها بدهشة، وكأنها لا ينبغي أن تكون هنا.كانت ريم أكثر حيرة منها: "هذه هي الشركة، وإذا لم آتِ إلى هنا، فأين أذهب؟"ت







