All Chapters of أصداء لاتموس: Chapter 11 - Chapter 20

102 Chapters

شظايا الفضة المطفئة

عندما دلفنا إلى داخل النزل، كانت الرطوبة تخنق الأنفاس، وصوت صرير الخشب تحت أقدامنا يشبه استغاثات أرواحٍ حبستها الجدران. نظرت إلينا الفتاة التي أحضرها مارك؛ كانت ذئبة شابة، ملامحها ذابلة وعيناها تحملان نظرة انكسارٍ اعتادت المساومة. قالت بصوتٍ أجش وهي تتفحصنا: "ثلاثة؟ هذا سيكلفكم مبلغاً إضافياً.. المكان هنا ضيق والعيون كثيرة."نظرتُ لها نظرة عدائية باردة، جعلت الكلمات تجف في حلقها وترتجف أطرافها. رميتُ أمامها كيساً جلدياً ثقيلاً، اصطدم بالطاولة الخشبية المتهالكة ليصدر رنيناً معدنياً أسال لعاب طمعها. "نحن هنا لنسألكِ، وإذا كانت إجاباتكِ وافية، ستحصلين على ضعف هذا المبلغ."لمعت عيناها ببريقٍ جشع، وانحنت بسرعة البرق لالتقاط الكيس، لكن قدمي كانت أسرع؛ داست مقدمة حذائي على الكيس بقوة جعلت غبار الأرض يتطاير. "ليس قبل أن تجيبي،" قلتُها بنبرة لا تقبل الجدل.ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: "حسناً.. لكن لا أريد متاعب مع سيمون.""ومن يكون هذا السيمون؟" سألتها بفضولٍ حذر."إنه رب عملي في الحانة.. هو من يجمع الفتيات الضائعات مثلي، يمنحنا سقفاً وطعاماً مقابل أن نعمل لديه في القبو والبار. إنه يملك عيوناً ف
Read more

لغز الجسد المطفأ

كان قلبي يقرع طبول الحماس في صدري بضرباتٍ متسارعة، تكاد تتجاوز سرعة أقدامنا ونحن نشق الغابات عائدين. ستة أيام مضت منذ رحيلي شمالاً، ستة أيام شعرتُ فيها أن روحي قد انشطرت، نصفٌ يطارد السراب في الجبال، ونصفٌ قابعٌ في قلعة "لاتموس" يحرس طيف سيلين.الآن، بدأت أطلال قلعتي الشامخة تلوح في الأفق كعملاقٍ حجري يحتضن أسراري. عبر الرابط العقلي، استشعرتُ ضجيج القطيع؛ الكل كان بانتظار عودة الألفا. أحسستُ بحماس "كميل" بجانبي، كان ذهنه يسبق جسده لرؤية "ميرا"، أما أنا.. فكانت حواسي كلها مشدودة نحو رائحة واحدة، عبير الندى والمطر الذي لا يخطئه قلبي.وصلنا إلى ساحة القلعة، حيث اصطف أعضاء المجلس بوجوههم الصارمة ونظراتهم المترقبة. لم تكن عيناي تبحث عن تقاريرهم أو ترحيبهم، بل كانت تجوب الزوايا حتى وجدتها. كانت تقف هناك، قريبة من باب القلعة العظيم، شامخة كعادتها وتتجنب الزحام، وكأنها لؤلؤة منثورة وسط رمال.أعطيتُ أمراً ذهنياً لمارك: "خذ إيلارا إلى العيادة فوراً، ولا تسمح لأحد بالاقتراب". أشرتُ لياسمين باللحاق بهما، بينما تحولتُ من هيئتي الذئبية بلمح البصر. رمى لي "دايفيد" شورتًا ارتديته على عجل، وتقدمتُ نحو
Read more

رحلة تحت ضياء الفضة

فتحتُ عينيّ بصعوبة، وكان شعور الثقل يلف أفكاري المشتتة. حاولتُ استرجاع ما حدث في العيادة؛ تلك اللحظة التي تحركتُ فيها بشكل لا إرادي نحو "إيلارا"، وكأن جسدي مبرمج يتحرك من نفسه."سيليني، كيف استطعتُ نقل طاقة لا أشعر بوجودها أصلاً؟" خاطبتُ ذئبتي في عقلي.أجابتني بنبرة تحمل الحيرة ذاتها: "ربما فقدان ذاكرتنا هو ما يحجب عنا إدراكها، لكنها موجودة. لقد تكرر الأمر اليوم كما حصل مع دانيال أول مرة."استمر الجدال في داخلي؛ كيف لم أمت من الاستنزاف؟ وكيف استعدتُ عافيتي بهذه السرعة؟"أشعر بطاقتكِ تتدفق مجدداً،" تابعت سيليني، "لقد بدأت تعود بعد أن غابت الشمس، وكأن هناك مصدراً خفياً يمدنا بها من وراء الأفق."حاولتُ تعديل جلستي فوق السرير الوثير، لكن أنفاسي انحبست حين وقع نظري على دانيال. كان جالساً على كرسي خشبي بجانب السرير، وقد استسلم للنوم وهو يسند رأسه وجزعه على حافة فراشي. في تلك اللحظة، خفق قلبي بقوةٍ لم أعهدها، شعرتُ برغبةٍ عارمة في تأمله. تمددتُ بجانبه، وجعلتُ وجهي مقابل وجهه تماماً، تفصلنا إنشات قليلة.كانت أنفاسه الهادئة تلامس وجهي كعبيرٍ يمدني بطمأنينةٍ غامضة. وجهه المنحوت بعناية، بفكّه ال
Read more

صدى الاسم المفقود

استيقظتُ على وقع طرقاتٍ ملحة ومنتظمة على باب غرفتي، كانت تحمل في طياتها نبرة استعجالٍ لم أعهدها في هدوء القلعة الصباحي. تحاملتُ على جسدي المنهك واتجهتُ نحو الباب؛ كان ضوء الفجر الشاحب يتسلل من الممرات ليرسم ظلالاً طويلة على الأرضية الرخامية. فتحتُ الباب لأجد دانيال واقفاً بهامته الشامخة التي تملأ المدخل، كان يرتدي قميصاً أسود يبرز عرض منكبيه، لكن وجهه كان يحمل تعبيراً مشحوناً بالقلق والترقب."هل نمتِ جيداً؟" سألني بصوته الرخيم الذي يحمل بحّة النوم والاهتمام في آنٍ واحد.هززتُ رأسي وأجبتُ بصوتٍ خافت: "نعم.. بفضلك وبالسكينة التي تركتها في المكان."أخذ نفساً عميقاً ثم قال بنبرة جادة: "جيد، لأن إيلارا استيقظت، وهناك أمرٌ غريب يحصل.. إنها تطلبكِ بالاسم الذي أطلقته عليكِ، 'سيلين'. إنها تسأل إن كنتِ بخير، وتؤكد أنها تشعر بهالتكِ وطاقتكِ في المكان." كان ينظر إليّ وكأنه يحاول العثور على إجابة في ملامحي، وعيناه لا تبدوان سعيدتين، بل كان فيهما انطباعٌ مخيف من القلق الممزوج بالدهشة."دانيال، هل من خطب؟" سألتُه بحيرة، "أليس هذا لمصلحتنا أن تكون تعرفني؟ أليس هذا ما بحثنا عنه طويلاً؟ لِمَ تبدو قلقاً
Read more

لغة النجوم المتجسدة

انتظرنا في الغرفة، كان الصمت يلف المكان إلا من طقطقة نيران المدفأة التي ترسم ظلالاً مهتزة على الجدران. نظرتُ إلى إيلارا الممددة فوق السرير، جسدها الضئيل يوحي بانكسارٍ يمزق الروح، وقررتُ في أعماقي ألا أعرضها لأي ضغطٍ مجدداً؛ فهي الآن خيطي الوحيد نحو الحقيقة. أدركتُ أنني بحاجةٍ لبناء جسرٍ من الثقة بينها وبين دانيال، فبدون هذا التناغم سيغدو الشك جداراً يحجب عنا التقدم. كنتُ أتألم لآلامها، ورأيتُ في رعايتها النفسية واجباً لا يقل أهمية عن علاج ياسمين لأعشابها.كان دانيال يقف كالصخرة، عيناه الذهبيتان تحدقان بالباب بتركيزٍ غريب، وكأنه يستشعر الحركة قبل حدوثها. وفجأة، ودون أن يطرق أحد، اتجه نحو الباب وفتحه بلمحة بصر؛ كان هناك شابٌ من الخدم يقف خلف عربة طعام. شكره دانيال بكلمةٍ مقتضبة، وجرّ العربة للداخل ثم أغلق الباب خلفه بإحكام.تحرك نحوي، وأمسك يدي بجاذبيةٍ لا تُقاوم. "عليكِ أن تأكلي شيئاً.. لقد غابت الشمس ومنذ الصباح لم يلامس معدتكِ سوى الماء،" قالها وعيناه تفيضان بقلقٍ جعل قلبي يرفرف. لم تكن لي شهيةٌ للطعام، لكنني أدركتُ أن دانيال لن يذوق لقمةً ما لم أبدأ أنا، فقلتُ له بابتسامةٍ ضعيفة: "س
Read more

زلزال الألفا و صدمة العرش

كانت قاعة المجلس تغلي بمرارة الخيانة، ورائحة التمرد تفوح من أنفاس الحاضرين الذين تجرأوا على التشكيك في قرارات الألفا. لم أعد أحتمل همساتهم المسمومة ولا نظراتهم التي توحي بأنني قصرت في حق القطيع لأجل "غريبة". في تلك اللحظة، انفجر البركان الكامن في صدري؛ ضربتُ الطاولة الخشبية الضخمة بأقوى ما عندي، فدوى صوت انكسارها كقصف الرعد، وتشققت من المنتصف وبدأت بالانشطار نصفين تحت قوة قبضة الألفا الغاضبة. زمجرتُ بوجه كل شخص في المجلس، زمجرةً هزت أركان القاعة وجعلت الحاضرين يتراجعون خطواتٍ إلى الوراء، وقد تملكهم رعبٌ فطري من "انديميون" الذي كاد أن يخرج من تحت جلدي. نقلتُ نظري بحدة إلى "ميرا"؛ لم تحتمل بريق عينيّ الذهبيتين المشحونتين بالوعيد، فخضعت وركعت أمامي بارتجاف، ثم التفتُّ إلى أخي "جون" الذي سارع باللحاق بها والركوع، وتبعهما البقية دون أن يجرؤ أحدٌ على رفع بصره. تكلمتُ بصوتٍ خشن يخرش القلوب ويجمد الدماء في العروق: "أنا الذي استلمت مهام هذا القطيع وعبئه الثقيل وأنا في الثامنة عشرة من عمري.. لأنك أنت يا جون، لم تكن تحمل هذه القوى ولا تلك السلطة في دمك. هل تعتقدون أنني كنتُ سعيداً؟ لقد
Read more

تحت وطأة الدموع..

"إيلارا.. ما هذا الهراء؟ ما الذي تقولينه؟ أنتِ تهذين!"سحبتُ يدي من بين يديها بعنف، وتراجعتُ خطواتٍ للوراء وكأن كلماتها كانت جمراتٍ حرقت جلدي. كان عقلي يرفض، بكل ما أوتي من منطق، استيعاب فكرة أنني "إلهة" أو كائنٌ متجسد من ضياء القمر. لم استطع تصديق كلامها انا ذئبة ولدي ذئبة وسبق ان تحولت فكيف اكون آلهة متجسدة ،كل ما فكرت به ان ايلارا تهذي لانها لم تستعد صحتها كاملة بعد ،وفجأة، انقطع حبل أفكاري المشدودة بصوت فتح الباب؛ كان دانيال.وقفتُ متسمرة في مكاني. كان حضوره الطاغي يملأ الغرفة، لكنني كنتُ أعلم في أعماقي أنني لا أستطيع إخباره بشيء الآن على الاقل، ليس قبل أن أنظم هذه الفوضى العارمة في ذهني، وليس قبل أن أحافظ على الوعد الذي قطعته لإيلارا. كنتُ أدرك أنها ستفقد كل ذرة ثقة بي إذا ما قلت شيء أمام دانيال في هذه اللحظة، وهي التي ما زالت تنظر إليه بريبة الحذر.سمعتُ صوته الرخيم يناديني، صوتاً يحمل قلقاً لم يستطع إخفاءه. حاولتُ السيطرة على ارتجاف أنفاسي وتوجهتُ نحوه، مرتديةً قناع الهدوء المصطنع: "كل شيء على ما يرام.. لكن إيلارا ترفض تناول الطعام، وأنا كنتُ أحاول إجبارها فحسب."لم
Read more

همسات الخسوف …

تلك الليلة، لم يكن الفراش الوثير سوى ساحة لمعركة أفكاري. كنتُ أتقلب يمنة ويسرة، وأغطية السرير الحريرية تلتف حولي كقيودٍ ناعمة. كلمات إيلارا كانت تدوي في عقلي كصاعقةٍ لم يهدأ رنينها؛ "إلهة القمر المتجسدة". حاولتُ تفنيد المعلومات ببرودٍ منطقي: مَن هو "بان"؟ ولماذا فعل ما فعل؟ وهل استهدافه لإيلارا وحجرها له علاقة بالكمين الذي أطاح بدانيال؟بحسب ادعاءات إيلارا، كل حجر متصل بروح حارسة، والقلب متصل بي.. لكن أين "انانا" و"جوليا"؟ وكيف نصل إليهما؟ وإذا كانت المخطوطة معي، فلماذا لم يسرقوها مع الحجر أيضاً؟ أم أن السارق لم يدرك قيمة الورق العتيق؟ والأهم.. ما علاقة فقدان ذاكرتي بكل هذا الشتات؟كان عليَّ أن أبدأ من مكانٍ ما. أسهل طريق الآن هو البحث عن الحارستين المفقودتين. شعرتُ بشكٍ ينهش صدري؛ ربما إيلارا جنت نتيجة التعذيب، ربما هذه الترهات ليست سوى هلاوس ولدت من رحم المعاناة. قلتُ لنفسي: "إذا وجدنا جوليا وانانا، ساعرف أن ما تقوله يحمل ذرة من الحقيقة.. وإذا لم نجدهما، سأعتبرها مجنونة فحسب."لم أستطع انتظار الصباح. تسللتُ من فراشي، وقدمي الحافيتين تلامسان الأرضية الباردة التي أرسلت
Read more

عندما يهمس القمر لأنياب الذئب …

ارتاح بالي قليلاً بعد أن رسمتُ ملامح المرحلة القادمة؛ فأصعب ما في التيه هو غياب الوجهة، والآن أصبح طريقي واضح المعالم نوعاً ما. مشيتُ على رؤوس أصابعي بحذر القطة، وأشرتُ لإيلارا أن تكمل نومها قبل أن أتسلل عائدة لغرفتي. أدرتُ مقبض الباب بكل هدوء، وأدرتُ ظهري للممر كي أغلق الباب دون أن يصدر تكةً واحدة. أغلقته وتنفستُ الصعداء، وشعرتُ بنصرٍ صغير في قلبي.لكن، ما إن التفتُّ لأمشي حتى اصطدمتُ بجسدٍ ضخم يسدُّ عليَّ الممر لغرفتي. في تلك اللحظة، اجتاحني شعورٌ هائل بالغباء؛ كيف اعتقدتُ ولو للحظة أنني قادرة على مراوغة "ألفا"؟ إن سمعه كالفولاذ، ودبيب النمل فوق الصخر لا يخفى على حواسه المضاعفة.قبل أن أنطق بحرف، أمسك يدي بحزمٍ وجذبني خلفه نحو غرفته، وأغلق الباب بضربةٍ واحدة أخرست كل تبريراتي. دفعني برفقٍ حتى استند ظهري إلى خشب الباب الصلب، ووقف أمامي كحصنٍ منيع لا يمكن اختراقه. شعرتُ بالكلمات تخنقني؛ لقد أمسكني متلبسة، والآن أنا مسجونة بين ذراعيه اللتين طوقتا رأسي، وجسده الذي يكاد يلامس جسدي.أغمضتُ عيناي واستنشقتُ رائحته؛ كانت مزيجاً من الغابة والمطر والرجولة الطاغية. شعرتُ بالخج
Read more

ظلال التحدي …

جلستُ منتصبةً فوق السرير، والملاءات الحريرية تنسدل حولي برقة، بينما كان دانيال لا يزال متكئاً بوضعيةٍ مريحة، واضعاً يده تحت رأسه. كانت عيناه الذهبيتان تلاحقان كل حركة أقوم بها، مما جعلني أشعر بتركيزه الكامل عليّ. بدأتُ أحرك سبابتي بخطوطٍ دائرية عشوائية فوق غطاء السرير، أحاول الهرب من خجلي وأنا أقول بنبرةٍ مترددة: "بما أنك سمعت كل شيء.. لم تعلق حتى الآن على موضوع الألوهية."كنتُ أراقب رد فعله، أخشى أن يسخر من الأمر أو يظنه ضرباً من الهذيان. لكنه وبحركةٍ مباغتة، أمسك يدي ليوقف عبث أصابعي، وسحبها نحو وجهه. "لا يهمني إن كنتِ بشراً، أو إلهة، أو من أي عالمٍ أتيتِ،" قالها وصوته يخرج كحفيف الشجر في ليلةٍ هادئة، "فبالنسبة لي.. أنا أراكِ إلهة للجمال، والحب، والرقة."قرب يدي من ثغره وطبع عليها قبلاتٍ متتالية، دافئة وعميقة، جعلت قلبي يذوب كمكعب ثلجٍ تحت شمس تموز. شعرتُ بالخدر يسري في عروقي، لكنني استجمعتُ شتات نفسي قائلة: "دانيال، أرجوك.. أنا محرجة كفاية من سؤالي."رفع جذعه فجأة وجلس قبالتي، مطوقاً وجهي بيديه الكبيرتين اللتين تشعرانني بالأمان المطلق. "سيلين، انظري إليّ.. ما أنتِ عل
Read more
PREV
123456
...
11
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status