All Chapters of خلف جدران الرغبة: Chapter 61 - Chapter 70

157 Chapters

شظايا الزجاج.. حين تتعانق الهزائم

كان الصمت في بهو الفيلا الشاطئية يملك وزناً مادياً، صمتاً ثقيلاً كأنه جدران سجنٍ غير مرئي تضيق على أنفاس "علي". جلس في وسط ذلك الفراغ الفخم، منحنياً بظهره، يداه مشبوكتان وقبضتاه مشدودتان حتى ابيضّت مفاصله، وكأنه مجرمٌ ينتظر في قفص الاتهام لحظة النطق بالحكم النهائي. ​أما حلى، فكانت تدور في البهو بخطواتٍ تائهة، حذاءُها البسيط يصدر صوتاً خافتاً فوق الرخام الإيطالي المصقول. كانت عيناها تجوبان المكان، تتأملان الثريات الكريستالية التي تتدلى كعناقيد من الضوء البارد، والستائر المخملية التي تحجب خلفها زئير البحر. كانت ملامحها مزيجاً من الانكسار والاشمئزاز من هذا الثراء الذي اشتراه علي بقطعٍ من روحه. ​"تحدثي يا حلى.." خرج صوته مبحوحاً، مخنوقاً، وهو لا يزال يشيح بنظره نحو الأرض، "أعصابي لم تعد تحتمل هذا المشهد الصامت.. أشعر بأن كل ركن في هذا المنزل يصرخ بي.. هل خنتِني؟ هل كنتِ اليد التي تمسك الخنجر خلف ظهري طوال الوقت؟" ​توقفت حلى فجأة، التفتت إليه ببطء، ونظرت إليه نظرةً شزراء ممتزجة بالأسى. "اهدأ يا علي.. اهدأ، فأنا لستُ الجلاد هنا، أنا ضحية مثلك تماماً في لعبةٍ قذرة أُجبرتُ على دخولها قبل أ
Read more

أشواكُ الورد.. وقَبضةُ الفولاذ

مضت الأيامُ كأنها تروسٌ في ساعةٍ سويسريةٍ مُحكمة، كان علي وحلى يمارسان لعبة "الاحتراف البارد". تعاهدا بنظراتٍ صامتة خلف مكاتب الزجاج على وأد كل اختلاجٍ عاطفي، ودفن تلك الليلة الشاطئية في مقبرة الذاكرة؛ فالمشاعر في عالمهما ليست سوى رصاصة طائشة قد تقتل الرامي قبل الهدف. كان علي يتحرك بدقةٍ مذهلة، يزن الكلمة بميزان الذهب، ويُلقم حلى "فتات المعلومات" لتمريرها إلى العقيد سهى، معلوماتٍ حقيقية في ظاهرها، لكنها جوفاء لا تقتل "كمال"، بل تُبقي "سهى" على قيد الانتظار. ​وفي ظهيرةٍ قائظة، وبينما كان علي غارقاً في جداول مبيعات المعرض، اخترق رنين هاتفه سكون المكتب. كان "كمال". "كيف حالك يا علي؟" جاء صوته عميقاً، يحمل بحّة السلطة المعتادة. "الحمد لله يا سيد كمال، بخير ما دمتَ بخير." "ليلى ستصل اليوم من باريس.. وأنا غارقٌ في اجتماعاتٍ لا تنتهي. هل يمكنك أن تكون في استقبالها وتقلها من المطار؟" ​لمعت عينا علي بريقٍ قناص؛ لقد عادت خيوط الخطة لتتشابك من جديد. "بالطبع يا سيد كمال، هذا واجب. متى تهبط طائرتها؟" "بعد ساعتين. شكراً لك يا علي، أثقُ بذوقك في الترحيب بها." ​انطلق علي نحو المطار، رائحة "الج
Read more

أطيافُ الماضي.. وموائدُ المَكيدة

كان "مول الإمواج" يضج بحياةٍ مخملية، حيث تختلط رائحة العطور العالمية الفاخرة ببريق الواجهات الزجاجية التي تعرض أحلاماً باهظة الثمن. كان علي يسير بجانب ليلى، يراقبها وهي تنتقل بخفة بين فساتين السهرة في متجر "ديور"، كانت تبدو كفراشةٍ باريسية لا تدرك حجم الأشواك التي تحيط بالبستان الذي ترقص فيه. ​انسحبت ليلى إلى غرفة القياس وهي تحمل كومة من الحرير والدانتيل، فبقي علي واقفاً في الرواق الخارجي، يشيع نظراته في الفراغ، يحاول طرد صورة وجه العقيد سهى من ذاكرته. وفجأة، تجمدت نظراته.. وعلى بعد أمتار قليلة، في متجرٍ متخصص لملابس الحوامل، لمح طيفاً يعرفه جيداً. ​كانت مي. ​بدت مختلفة، بملامح يكسوها إرهاقٌ جميل، وقد بدأ نتوء صغير يبرز أسفل فستانها الفضفاض، معلناً عن وجود حياة جديدة بدأت تتشكل رغم أنف الفوضى. تحرك علي بآلية، وكأن مغناطيساً خفياً يجذبه نحو ذنبه القديم. وقف خلفها مباشرة، وشعر ببرودة تسري في أطرافه وهو يهمس بنبرةٍ خافتة: "إذن.. لا زلتِ مصرة على الاحتفاظ بهذا الطفل." ​انتفضت مي وكأن صاعقة ضربت الأرض تحت قدميها. التفتت ببطء، ورمقته بنظرةٍ شزراء، نظرة تفيض بالكراهية والاشمئزاز، وقالت
Read more

ميثاقُ الظل.. واعترافُ الثعلب

استقرت الأجواء في صالة الطعام الفخمة على نغمةٍ من التوتر الصامت، حيث كان الضوء الخافت المتدلي من الثريا الكريستالية ينعكس على الأطباق المذهبة التي بدت فارغة إلا من "لمسات" فنية من الطعام الباريسي. كان السيد كمال يحدق في صحنه بتجهمٍ مخيف، حاجباه الكثيفان يقتربان من بعضهما البعض كغيمتين منذرين بعاصفة، بينما كانت ليلى تجلس بزهوٍ زائف تنتظر كلمة ثناء. ​"أين الطعام؟" سأل كمال بصوتٍ خفيض يحمل رنين الرعد البعيد، دون أن يرفع عينه عن الطبق. أجابت ليلى بثقة مهزوزة وهي تشير بسبابتها الرقيقة: "إنه أمامك يا أبي.. هذا (كوتليت) بصلصة الترفل السوداء، طبق فرنسي كلاسيكي." ​في تلك اللحظة، لم يستطع علي كبح جماح ضحكته التي انفلتت منه رغماً عنه، غطى فمه بيده محاولاً التظاهر بالسعال، لكن عينيه كانتا تلمعان بالمرح. "هل تسمين هذا طعاماً؟" زفر كمال وهو يرفع شوكته ليشير إلى قطعة صغيرة لا تكاد تُرى، "ماذا ترينا؟ دجاج أمامك؟ حتى إن هذا لا يكفي وجبة لدجاجة!" ​لم يتمالك علي نفسه وانفجر ضاحكاً وهو ينظر إلى تعابير وجه ليلى المصدومة: "هل تريدني أن أطلب بعض البرغر يا سيد كمال؟" سأل علي بمرح وهو يغمز لليلى التي احت
Read more

مرايا الخوف.. وهمسات في قصر الحوت

​عندما أغلق علي باب صالة الطعام خلفه، لم يذهب باتجاه الباب الخارجي كعادته ليهرب من نظرات كمال الثاقبة، بل وجد نفسه يسير نحو الدرج الرخامي العريض. كان ملمس الدرابزين الخشبي المصقول تحت كفه بارداً، تماماً كبرودة الأفكار التي كانت تعصف برأسه. صعد الدرج ببطء متعمد، يغرس قدميه في السجاد العجمي الكثيف الذي يبتلع صوت الخطوات، وكأنه يحاول سرقة بعض الثواني من الزمن قبل أن يواجه ليلى في خلوتها. ​كان القصر هادئاً بشكلٍ مرعب، ذلك الهدوء النخبوي الذي لا يكسره سوى طنين المكيفات المركزية الخفي. توقف أمام باب غرفتها، تردد للحظة، ونظر إلى انعكاس صورته في المرآة الكبيرة المعلقة في الممر؛ رأى رجلاً يرتدي حلة فاخرة لكنه يحمل ملامح "مبتز" لا يزال يخشى السقوط. طرق الباب ثلاث طرقات خفيفة، إيقاعها يحمل تردداً لم يعهده في نفسه من قبل. ​"ادخل." جاء الصوت من الداخل مغلّفاً ببرودٍ باريسي مصطنع، لكنه افتقد إلى حدة الغضب التي توقعها بعد معركة "الدجاجة" على مائدة العشاء. ​فتح الباب ببطء. كانت الغرفة تفوح برائحة الياسمين الممزوجة بعطرها الخاص. كانت ليلى تجلس على أريكة مخملية قرب النافذة الضخمة التي تطل على مساحات
Read more

بروتوكول الغواية.. ولادة الإمبراطورية

مرت الأيام على "علي" ثقيلة كأنها رصاص ذائب ينسكب في عداد الوقت. لم تكن مجرد أيام، بل كانت صراعاً نفسياً يخوضه مع جدران مكتبه الفخم. كان يجلس خلف مكتبه العريض، يميل برأسه إلى الخلف ويسند رقبته على حافة المقعد الجلدي، وعيناه معلقتان بنقوش السقف كأنه يقرأ فيها مستقبله المجهول. في يده اليمنى، كان يمسك قلمه "البانثر" المعدني، يضغط على الزر العلوي بإيقاع رتيب ومستفز: تيك.. تيك.. تيك. كانت كل ضغطة تعكس نبض التوتر في عروقه وجوعه للحظة التي يخرج فيها من الظل ليشارك كمال في "لعبة الكبار". ​فجأة، انكسر حاجب الصمت بطرقات واثقة على خشب الباب. اعتدل علي في جلسته، وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يخرج صوته رخيماً وحاداً: "ادخلي يا حلى.." ​انفتح الباب، ومع انفتاحه تسلل عطرها الفرنسي النفاذ ليحتل الغرفة قبلها. دخلت حلى، وكانت في قمة أناقة السكرتيرة التي يعرفها علي جيداً؛ قميص حريري أبيض يلتصق بجسدها، وتنورة سوداء قصيرة ومشدودة للغاية، تبرز تضاريس جسدها وانحناءات مؤخرتها مع كل خطوة مدروسة تخطوها نحو مكتبه. ​"السيد كمال اتصل.. لديك اجتماع في مكتبه في تمام الحادية عشرة،" قالتها وهي تتوقف أمام المكتب، وصوته
Read more

رقصة الأقنعة.. إمبراطورية الظل

لم تكن شمس ذلك الصباح مجرد ضياء، بل كانت خيوطاً من لهب تسلط الضوء على ممرات شركة كمال الرخامية. في الردهة الفخمة، حيث تهمس الجدران المكسوة بالخشب الداكن بأسرار الصفقات المشبوهة، كان "علي" يقف بصلابة تثير الريبة. لم يكن يرتدي معطف المختبر الأبيض الذي اعتاد عليه زملائه في كلية الصيدلة، بل كان يرتدي بدلة كحلية داكنة، صُممت خصيصاً لتبرز عرض منكبيه وطوله الفارع الذي يمنحه هيبة فطرية. ​كانت السكرتيرة تختلس النظر إليه بين الحين والآخر، متسائلة عن سر هذا الشاب الذي يمتلك وسامة التماثيل الإغريقية وبرود الجليد. وفجأة، انفتحت الأبواب الكهربائية الضخمة ليعلن وصول "القيصر". دخل كمال بخطواته الثقيلة، يحيط به هالة من السلطة المتعبة، ليتفاجأ بـ "علي" يقف في انتظاره كجندي مخلص.. أو كصياد صبور. ​"علي؟" رفع كمال حاجبيه بدهشة، وتوقف عن السير. "ماذا تفعل هنا في الصباح الباكر؟ هل هناك طارئ؟" ​اقترب علي بخطوات مدروسة، وانحنى قليلاً ليهمس بنبرة رخيمة تحمل وزناً يفوق سنوات عمره: "يجب أن نتحدث يا سيد كمال.. على انفراد." ألقى علي نظرة خاطفة وسريعة نحو الموظفين الموجودين، نظرة كانت كافية ليفهم كمال أن ما ي
Read more

ليل الضفاف.. ووعود لا تنام

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة ليلاً حين كبح "علي" جماح محرك سيارته الفارهة أمام بوابته الشاطئية. كان صدره لا يزال يعبق بعطر "ليلى"؛ ذلك المزيج الباريسي الذي اختلط بعبق المطعم الفاخر ودخانه الثقيل. رمق المرآة الجانبية بنظرة خاطفة، فرأى انعكاس عينيه؛ كانت تحملان بريق انتصارٍ مثقلٍ بالهواجس، كمن رفع كأساً عالياً وهو يدرك يقيناً أنه سيدفع ثمن نخبها غاليًا.​ترجل من السيارة بؤدة، متعمداً أن تطول خطاه على الرمال الناعمة التي تحف ممشى الفيلا. كان القمر بدراً في كبد السماء، يغسل الأديم بضيائه الفضي، ويجعل لجين أمواج البحر يلمع كقطع من زئبقٍ مذاب. وقف برهةً على الشاطئ، يستنشق هواء الليل المالح، محاولاً طرد صخب العشاء من رأسه، لكن الصور كانت تلاحقه كظله: وجه ليلى وهي تهمس له بثقة طفولية، يدها المرتجفة حين لامست كأسه، وذلك الوعد الصامت الذي قطعه لها في أعماقه.​اهتز هاتفه في جيبه، أخرجه ليقرأ رسالة من "حلى": «أرقبكِ من خلف عتمة الشرفة.. كم ستبقى هائماً تتأمل القمر؟ أم أن عشاء "الأميرة" أجهز على شهيتك حتى للتأمل؟»​رفع بصره نحو الفيلا، فرأى طيفها خلف زجاج الشرفة العلوي، منحنياً كمن يترصد بفار
Read more

مقصلة النور.. وهمس الظل

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحًا حين توقفت سيارة حلى البيضاء أمام مبنى تجاري شبه مهجور في منطقة الكرامة القديمة. لم يكن المكان مما تتخيله العين مقرًا للقاء؛ واجهة زجاجية متربة، وموقف سيارات خالٍ إلا من بضع سيارات متآكلة، وباب دوار يئن كلما دار. نظرت حلى إلى رسالة سهى مرة أخرى، تتأكد من العنوان: «الطابق الرابع، المكتب 412. لا تتأخري». تنفست بعمق، وأطفأت محرك السيارة. كان صدرها يضيق كلما اقتربت من هذا المكان. منذ أن أيقظتها رسالة سهى في فجر ذلك اليوم، وهي تشعر بثقل غير معتاد في أطرافها. حاولت أن تخفيه عن علي حين غادر الفيلا إلى مكتبه، لكنه قرأ في عينيها ما لم تنطق به. قبلها على جبينها وقال: «لا تخافي. العبوة معكِ. أعطيها إياها، واخرجي. لا تدعيها تجركِ إلى حوارات أطول». فتحت حقيبتها الصغيرة، وتأكدت من وجود العبوة الشفافة التي أعطاها إياها علي. كانت باردة تحت أصابعها، كأنها تحمل سمًا أو دواء. أغلقت الحقيبة، وخرجت من السيارة بخطوات متثاقلة. كان المبنى من الداخل أسوأ مما توقعت. رائحة الغبار والرطوبة تملأ الردهة الضيقة، والمصعد القديم بدا وكأنه لم يُستخدم منذ شهور. فضلت الدرج.
Read more

وجوه في الظل.. وبداية الصيد

وصلت حلى إلى الفيلا الشاطئية بعد منتصف الليل. كانت لا تزال ترتدي ملابسها التي ذهبت بها إلى لقائها مع سهى، وكان وجهها شاحباً، وعيناها تحملان أرقاً ثقيلاً. لم تنتظر حتى تغلق الباب خلفها، بل اندفعت تتحدث: «لن تصدق ما رأيته. سهى كانت واثقة جداً، متعجرفة، كأنها تملكني بالكامل. لديها صور لنا في الصباح الباكر ونحن نخرج من الفيلا. تعرف متى ننام ومتى نستيقظ. تعرف أنني كنت هنا تلك الليلة. تريد أسماء الموردين خلال عشرة أيام، وإلا ستقتل أحمد.» كان علي واقفاً أمام النافذة الزجاجية الكبيرة التي تطل على البحر، سيجارة تتدلى من بين أصابعه، والدخان يتصاعد في الهواء البارد. لم يلتفت إليها، ظل صامتاً لثوانٍ طويلة، حتى شعرت حلى بأن صمته أثقل من أي كلمة يمكن أن يقولها. أخيراً، أطفأ سيجارته في منفضة رخامية صغيرة، والتفت إليها. كانت عيناه تحملان هدوءاً غريباً، هدوء من خطط لكل الاحتمالات. تقدم نحوها ببطء، حتى وقف على بعد خطوة منها. رفع يده ووضع أصابعه تحت ذقنها، رافعاً وجهها لتواجه نظراته. «هل خفتِ؟» سأل بنبرة هادئة. لم تجب. كانت عيناها تغرقان بدموع حبستها طويلاً. «لا تخافي،» همس، «لقد توقعت هذا منذ الب
Read more
PREV
1
...
56789
...
16
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status