All Chapters of عناق على حافة الانتقام (سلسلة قلوب تتناحر عشقًا) : Chapter 11 - Chapter 20

125 Chapters

١١

الفصل 11مع انقضاء شهرٍ تقريبًا على رحيل الصيف، كانت السماء في الجنوب تفيض بمياهها كأنها تبكي أسرارًا دفينة حيث تهطل الأمطار بغزارة وكأنها تحاول محو آثار ما مضى فتغسل الطرقات والأرواح وتُعيد تشكيل المشاهد بعذوبة قاسية، منذرةً ببدايات جديدة أو ربما بعواقب لا مفرّ منها. في الأيام التي عقبت خروج **سيرين** من المشفى، بدا أن **كارم** قد اتخذ قرارًا غير معلن؛ إذ بات وجوده في شركتها أمرًا معتادًا وكأنه يفرض حضوره كدرعٍ يحميها من شتات أفكارها أو كحاجزٍ يحول بينها وبين الغرق في بحرٍ من الذكريات التي لا ترحم. لكن **سيرين** ورغم كل شيء كانت لا تزال تحمل آثار تلك الليالي الثقيلة، حينما استسلمت لسراب الحبوب المنومة التي عبثت بجسدها وأضعفت أوصالها... إذ أصبحت حالتها الجسدية في تراجع، ليس انهيارًا مدويًا، بل ذبولًا صامتًا مثل زهرةٍ فقدت ماءها لكنها لا تزال تحتفظ ببقايا لونها... ومع ذلك، كان هناك شيء ما يتوهّج داخلها، روحٌ تأبى الانكسار، عزيمة خفيّة تدفعها لفرض السيطرة على جسدها الواهن، حتى وإن فقدت شهيتها، كانت تجبر نفسها على التهام الطعام، كما لو كانت تملأ فجوةً سوداء داخلها، تحاول إقناع جسدها با
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٢

الفصل 12**إدراك الحقيقة.. وصدمة اليقين** وأخيرًا، اتضحت أمام سيرين الحقيقة التي كانت تجهلها. الآن فقط أدركت مغزى الكلمات الوداعية التي نطقتها دينا قبل اختفائها، تلك الكلمات التي لم تلقِ لها بالًا حينها، لكنها الآن تنغرز في عقلها كسهام مسمومة. لقد لجأت دينا إلى الشكوى منها إلى ظافر بل ورسمت صورة مشوهة لها، والصقت بها تهمة لم ولن تقترفها يوماً. لم تكن الفرصة سانحة لسيرين لتستوعب وقع الصدمة، إذ جاء صوت ظافر جافًا كحد السكين، قاطعًا كضربة الفأس: "لقد تم الطلاق بيننا." توقفت أنفاسها للحظة، وأخذ جسدها ينتفض بلا وعي، لكن ظافر لم يمهلها وقتًا للرد بل أكمل بصوت أكثر برودة وكأنما يلفظ حكماً نهائيًا لا يقبل الاستئناف: "كان من المفترض ألا تقتربي منها أبدًا وألا تلمسيها... دينا في المستشفى الآن." شعرت سيرين وكأن الهواء سُحب من حولها، وأحست بأن جدران المكان تتقلص وقد ضاقت بها الدنيا أكثر فأكثر حتى كادت أن تختنق... أسئلة أنهالت تنهش بعقلها ولا إجابات تتبادر بذهنها حتى الآن:ما الذي حدث؟ كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ لكن سرعان ما تلاشت دهشتها، وحلّت محلها موجة غضب عارمة إذ لم تكن تتوقع من د
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٣

الفصل 13ماهر لم يكن يقدّم لها النصح، بل كان يلقّنها الدروس. لطالما كان لسيرين نصيبها الوافر من "الوعظ" غير المرغوب فيه... فقد كان بإمكان أي شخص في محيطها أن يتبرع بإسداء نصيحة لها-بدءًا من أفراد أسرة ظافر، مرورًا بماهر، وصولًا إلى السكرتيرات وحتى أدنى الموظفين في القصر... لربما كان الجميع يجدون في ذلك متعةً غامضة وكأن توجيهها واجب مقدس، بينما لم يكن يُطلب منها سوى أن تستمع شاكرة، وتبتسم امتنانًا حتى لو تجرّعَت مرارة التوبيخ. لكنّها لم تعد تلك الفتاة التي تتلقى الأوامر صامتة... لقد سئمت من أن تكون هدفًا سهلاً لمن يهوى التحقير والتوجيه. تصلبت أصابعها المرتخية على جانبيها وانغلقت في قبضةٍ كأنها تكبح زوبعةً توشك أن تخرج عن السيطرة. رفعت سيرين عينيها إلى ماهر، نظرتها كانت صقيعًا خالصًا لا دفء فيه ولا تردد... ثم نطقت بصوت منخفض لكنه نافذ كالسهم يخترق صدر مَن يستمع إليه: "وما شأني أنا إن كان سيدك غاضبًا؟ إن لم يكن لديك شيء آخر لتقوله، فأرجو أن تغادر." ردها لم يكن مجرد رفضٍ بل إعلان واضح بأن زمن الامتثال الأعمى قد ولّى. تردد صدى كلماتها في أذني ماهر، فشعر بقشعريرة باردة تزحف عبر عموده
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٤

الفصل 14لم تكن تعلم إن كان الخوف قد كبّل أطرافها أم أن جسدها ببساطة هو من خذلها، أحبته بما وهبها الله من إحساس أنثى مال قلبها لرجلٍ وبالرغم من شعورها باستجابة حواسه لقربها إلا أن تلامسهما كان أشبه بعقابٍ عنه حب، جاهدت ألا تبادله... ليس هذا ما تريده... إنها تريد علاقة روحانية... فقط ترغب في أن يشعر بها... فقط يشعر. لكن سيرين لم تستطع سوى أن تتحرك بحذر لتحيط بطنها بذراعيها كمن يحمي ما تبقى من قلبه المتهالك. مرّت الثواني ببطء كأنها دهور حتى توقّف ظافر أخيرًا، كان صوته المتقطع يُثقل الهواء بينهما. "لا تجعليني أغضب، سيرين."، قالها بأنفاس متلاحقة، كمن يحاول السيطرة على غضب كامن تحت جلده. لم تستوعب كلماته، كانت نظراتها ضائعة، فارغة وكأنها تبحث عن إجابة في فراغ الغرفة. همست بصوت متحشرج: **"ألم تقل أنك لن تلمسني أبدًا؟ ماذا تعتقد أنك تفعل الآن؟" وما إن لفظت كلماتها حتى اختبأت تدفن رأسها بالوسادة خلفها تغرق وجهها في نسيجها، كمن تأمل في أن يبتلعها القماش ويخفيها عن هذا الواقع. لم يلحظ ذلك الجاحد شحوب ملامحها، لم يرَ ارتجاف أصابعها. **"وهل تعلم حبيبتك بهذا؟ لو علمت، لغضبت، أليس كذلك
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٥

الفصل 15ما إن تسللت كلمات طارق إلى مسامع ظافر حتى شعر وكأن سهمًا مسمومًا قد اخترق صدره بغتة ناثرًا شظايا الألم في كل زاوية من روحه. انتفض قلبه بين أضلاعه في نوبة هلع مفاجئة وتسارعت أنفاسه وكأن الهواء أصبح أثقل من أن يُستنشَق... ومن ثم تراجع خطوة إلى الوراء وكأن صدمة الخبر زعزعت توازنه، يتساءل بصوت مخنوق بالكاد يجد سبيلًا للخروج من بين شفتيه المرتجفتين: **"ماذا… ماذا قلت؟!"** ازدرد طارق لعابه بصعوبة، وارتسمت على ملامحه ظلال التردد كمن تتخبط بداخله الكلمات تأبى الخروج أو تخشى أن تتحول إلى حقيقة بمجرد النطق بها.خفض عينيه وأطلق زفرة ثقيلة، قبل أن يهمس بصوت بالكاد يُسمع: **"لست متأكدًا… لكن عندما ذهبت إلى المشفى اليوم… أخبرني الأطباء أن سيرين… قد توفيت."** ضربت الحقيقة رأس ظافر كصاعقة سقطت عليه من السماء حارقة كل خيوط الأمل التي تشبث بها. شعر بكيانه يهوي إلى أسفل سافلين.. كحجر يسقط ببئر بلا قاع، وهناك باليسار ثقل مريع يسحق ضلوعه. أخذ يردد بشكل جنوني كمن يهزي بكلمات غير مفهومة:-لا… لا يمكن! بالأمس فقط كانت تضحك، تتحدث… كانت حية! كيف يمكن أن تُمحى هكذا من الوجود؟! ارتجف جسده
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٦

الفصل 16ها هي المصادفة تعبث بمصائرهم كأنها يد القدر الخفية التي تكتب فصول الحكاية دون إذنٍ من أبطالها. لا يمكن أن تكون إلا صدفة… لا بد أن تكون كذلك! لكن، إذا كانت سيرين هي من أنقذت حياة طارق في ذلك اليوم، فلماذا التزمت الصمت كل هذه السنوات؟ لماذا لم تخبره ولو لمرة واحدة؟ وإن كانت هي حقًا، فما الذي فعله بها الزمن حتى باتت مجرد ظلٍ باهت؟ كيف سحقتها الأيام حتى صارت ذكرى عابرة بدلاً من أن تكون اسماً محفوراً في وجدانه؟ كيف انتهى بها الحال ضحية لمن كان أولى الناس بحمايتها؟ الندم… ذلك الشعور الثقيل الذي بدأ يتسلل إلى روحه كخنجرٍ صدئ. ألقى طارق التقارير الطبية جانبًا، ثم ارتد إلى الوراء مستندًا إلى الكرسي، عينيه مثبتتان على سقف الغرفة بينما تتلاطم الأفكار داخله كأمواجٍ عاتية ترفض أن تهدأ. بدا الليل طويلاً، مرهقًا، ممتدًا كعقودٍ متتابعة وكأن الزمن رفض أن يمنحه مهربًا من دوامة الأسئلة التي تنهشه. وحين انبثق ضوء الفجر من رحم الظلام، استجمع شتات ذهنه والتقط هاتفه، طلب رقم دينا بصوتٍ بدا خافتًا لكنه مشحون بصرامة لا تخطئها الأذن: "دينا… علينا أن نتحدث. هناك أمرٌ لا يحتمل التأجيل."
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٧

الفصل 17بالطبع، لم تكن دينا تتذكر شيئًا من ذلك لكن ما لم تستطع نسيانه أبدًا هو قدرتها الفطرية على قراءة الآخري، وكأنها تمتلك عينًا ثالثة تتسلل إلى دواخلهم، تلتقط تلك الارتعاشة الخفيفة في زاوية الفم، أو النظرة المشتتة التي تنم عن سر دفين. ذلك اليوم راقبت طارق عن كثب، كان مختلفًا، متوجسًا كمن تحاصره الذكريات ولا يجد مهربًا منها. عيناه ظلتا تتنقلان بين وجهها وذراعيها، كأنهما تبحثان عن إجابة محفورة في الجلد؛ لذلك استشعرت قلقه فقررت أن تناور. تظاهرت بأنها تذكرت، وأجادت الدور كما اعتادت دائما، فابتسمت نصف ابتسامة وكأنها تستدعي الماضي من أعماق الذاكرة، وقالت بصوت يفيض بالحنين: — "بالطبع أتذكر... كيف كنتم جميعًا مغطين بالدماء، في ذلك اليوم كنت مرعوبة؛ فلقد ظننت أنك ستفارق الحياة بين لحظة وأخرى." توقفت لبرهة عن استكمال حديثها متعمدة أن تترك كلماتها تتسلل إليه ببطء، ثم تابعت بنبرة تملؤها المبالغة المدروسة: — "كانت السيارة قد تحولت إلى كومة من الخردة بالكاد استطعت أن أفتح بابها لأتمكن من سحبك للخارج! لم أشعر بالألم حينها، لكنني أدركت لاحقًا أنني كنت مليئة بالجروح والخدوش... ذراعاي تح
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٨

الفصل 18 رفع طارق كأسه إلى شفتيه يرتشف محتواه دفعة واحدة وكأنه يحاول ابتلاع مرارة الحقيقة التي نطق بها للتو، ثم قال بصوت خافت لكنه نافذ كحدِّ السيف: **"ظافر... سيرين ماتت... دَع الماضي يرقد لعل روحها تجد سلاماً لم تحظى به صاحبتها."** لكن ما إن انسلّت كلماته إلى الفضاء حتى تسلّل إلى صاحبها إدراك مباغت؛ لم يكن يتحدث عن سيرين فحسب بل كان ينطق بلسانها كأنها تهمس من خلف ستائر الغياب تطالبه بأن يمضي دون أن يلتفت وأن يجعل ظافر هو الآخر ينفضها عن رأسه حتى تنعم في حياة أبدية كمن ترغب في أن يتناساها الجميع ولا يخلد أحد ذكراها. أما ظافر فقد بدا غارقًا في عالم آخر، ولم يلحظ ذلك الاضطراب الخفي الذي يسري في ملامح طارق بل ظلَّ مستغرقًا في القراءة، عينيه تتنقلان بين السطور في إيقاع رتيب، إلى أن قطع صمت اللحظة صوت الهاتف، متسللًا برنينه الحاد وسط هدوء المكان. مدّ ظافر يده إلى الجهاز ونظر إلى الشاشة... **ماهر.** ضغط زر الإجابة دون تردد، فجاءه صوت ماهر عبر الخط ثابتًا لكنه محمَّلٌ بشيء من الاستعجال: **"السيد ظافر، لقد تعقبت تحركات كارم."** قالها ماهر ولم يُضِع وقتًا بل أرسل إليه الموقع مب
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

١٩

الفصل 19تناهت إلى مسامع ظافر همسات متفرقة تتردد بين الجيران امتزجت فيها نبرة الأسى بالحيرة كأنها نواح مكتوم يتسلل عبر الجدران: "المسكينة فاطمة... لم تُرزق يومًا بابنة، لكن الأقدار منحتها سيرين، فكانت لها الابنة التي لم تلدها، ثم انتُزعت منها كما انتُزع منها كل شيء."** **"أما كانت فتاة ذكية ومهذبة؟ كيف اختطفتها يد الموت بهذه العجلة؟"** **"الحياة وسط الأثرياء ليست كما يظنها الناس... آخر مرة رأيتها، كانت ظلًا باهتًا لفتاة، كأنها تمشي فوق خيط رفيع بين الحياة والفناء... نحيلة إلى درجة أن نسمة ريح كان بإمكانها أن تقتلعها من بيننا."** **"كم تحدثت فاطمة وسيرين عن السعادة، عن زوج محب، عن حياة هانئة... لكنهما كانتا تكذبان، ربما حتى على نفسيهما... ثلاث سنوات مضت على زواجها، ولم يأتِ بها زوجها إلى هنا ولو مرة واحدة!"** كان ظافر يستمع إلى كل ذلك، وصدره يضيق بغصة ثقيلة كأنها صخرة تهوي في بئر سحيق داخله... ورغم ذلك، انتظر... انتظر طوال اليوم، لكن لا فاطمة عادت، ولا سيرين. اتكأ ظافر على كرسي خشبي محاولًا أن يغرق في غياهب النوم، لكنه لم يكن سوى شرك خادع، كمين مُحكم يقوده إلى فخ كابوس جديد.
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more

٢٠

الفصل 20 بخلاف النوم والطعام لم يكن في حياة ظافر شيء سوى العمل كأنه انصهر مع مكتبه لا يغادره إلا ليعود إليه وكأن الجدران احتوته حتى أصبح جزءًا منها. أما طارق، فقد وجد نفسه مضطرًا للذهاب بنفسه لاستعادة المتعلقات التي تركتها سيرين زوجة ظافر في شقة كارم. لم يكن الأمر سهلًا عليه خاصة وأنه شعر أن شيئًا ما في ظافر قد تبدل فمنذ عودته من مقاطعة سان لم يعد الرجل ذاته إذ صار أكثر صمتًا، أكثر انعزالًا كمن فقد تواصله مع الواقع أو ربما وجد ملاذه في عالم آخر لا يدركه سواه. لم يستطع طارق كبح فضوله فاستدار نحو ماهر وسأله محاولًا انتزاع إجابة تُفسر كل هذا الغموض: "ما الذي يحدث مع ظافر هذه الأيام؟" هزّ ماهر رأسه ببطء وكأن الأمر يحيره أيضًا، ثم قال: "لست أدري سيد طارق. ولكن... هل تعتقد أن السيد نصران وقع في حب السيدة تهامي فعلًا؟" ارتعشت ملامح طارق للحظة، نظرة غامضة تألقت في عينيه، ثم قال بصوت خافت كمن يحدث نفسه أكثر مما يجيب: "من يدري؟" ركب طارق سيارته وأشار لسائقه بالتحرك، ومن ثم أراح رأسه على مسند المقعد، وأغمض عينيه للحظة بينما فرك البقعة بين حاجبيه وكأنه يحاول ترتيب أفكاره وسط ضجيج التساؤ
last updateLast Updated : 2026-03-29
Read more
PREV
123456
...
13
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status