جميع فصول : الفصل -الفصل 10

30 فصول

الفصل 1

تأخرت عن العمل مجددًا. ليس من السهل أن يكون لديك طفل في الرابعة من عمره.هذا الصباح، استيقظ ليون مريضًا، وحرارته مرتفعة. لم أستطع اصطحابه إلى الحضانة ولا تركه وحيدًا، فاضطررت لطلب المساعدة من جارتي تريسي. وافقت بعد أن وعدتها بدفع أجرها من الإكراميات. ناولتها بعض النقود، وألقيت على ليون نظرة أخيرة قلقة مع قبلة، ثم اندفعت خارج الباب.في اللحظة التي ولجت فيها المطعم، أدركت أن هناك شيئًا مختلفًا اليوم. كان التوتر يملأ الأجواء، واضطراب عجزت عن تفسير مصدره. بالكاد وصلت إلى الغرفة الخلفية لأرتدي زيّ العمل قبل أن يظهر المدير."أين كنتِ يا أرييلا؟" زمجر.لم يكن يصرخ أبدًا؛ بل كان دائمًا هادئًا حتى تحت الضغط. لكنه اليوم بدا مضطربًا، بل خائفًا.ابتلعتُ ريقي بصعوبة.لم يكن الحصول على هذه الوظيفة بالأمر الهيّن؛ فهذا ليس مجرد مطعم، بل كان من تلك الأماكن الراقية التي تقتصر على النخبة، من النوع الذي يستحيل تقريبًا أن تُقبل فيه. السبب الوحيد لوجودي هنا هو داميان؛ لقد التقيت به في ظروف صعبة وأنقذته في الشارع ذات يوم، وعندما سألني كيف يمكنه رد الجميل، طلبتُ وظيفة.أنهيت المدرسة الثانوية فحسب، وبالكاد أكم
اقرأ المزيد

الفصل 2

لم ألتفت حتى نحو الصوت. شعرت وكأنني تجمدت في مكاني. كان ينبغي لي أن أتوقع ذلك، بالنظر إلى كل ما حدث قبل سنوات. بالطبع، إنه متزوج. هل ظننت أنه سينتظرني طوال حياته؟لكنني ما زلت غير قادرة على تصديق ذلك، وغير مستعدة لهذا الألم الذي غمرني حين سمعت أنه قد مضى في حياته، وتزوج، وأسس عائلة.شعرت برغبة في البكاء.لم يقل آشر شيئًا، اكتفى بالنظر إليّ، بينما وقفت هناك متجمدة في مكاني. وفجأة، صاح بنبرة حادة: "اخرجوا!" كان في صوته قوة وغضب مكتوم، فلم أتمالك نفسي وبدأت أسرع نحو الباب.لكنه أوقفني مجددًا.قال: "ليس أنتِ."ثم تابع: "اخرجوا جميعًا."نهض الجميع، خلت القاعة في لحظة.بقيت واقفة أنظر إليه وهو يبادلني النظرات بوجه جامد لا تعبير فيه.لم أدرِ كيف أتصرّف، فقد كنت متوترة للغاية، ولا أعلم ماذا أقول أو كيف أتمالك نفسي.لقد مرت خمس سنوات. لقد تزوج ومضى في طريقه، ولا يوجد سبب يجعله يضمر لي الضغينة أو يظل غاضبًا مما حدث منذ سنوات.بالنظر إليه الآن، أرى كيف زاده التقدم في العمر جاذبية ووسامة. لقد اختفى ذلك الفتى الذي عرفته ذات يوم.كان آشر الذي أحببته يفيض بسحر أرعن، ونار جامحة في عينيه، حين كنت غارقة
اقرأ المزيد

الفصل 3

هززت رأسي. لا.مرارًا وتكرارًا، هززت رأسي، متمنية أن تكون هذه اللحظة مجرد كابوس.لكن آشر اكتفى بمراقبتي، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة ومدروسة. كانت عيناه تلمعان بتسل كما لو كان يستمتع برؤيتي أتهاوى أمامه.لم ينبس ببنت شفة؛ كان يراقبني فحسب، كمفترس يتلهى بفريسته.حاولت استيعاب كلماته، أن أجد لها معنى، لكنها لم تتسق مع أي شيء؛ لم تكن منطقية."لكنك متزوج"، همست بصوت مرتجف: "لقد مضيت في حياتك. ماذا تقول؟ أنا لا أفهم."ضحك ضحكة خافتة باردة، ووخزتني سخريته كالسكين."يبدو أن مشاعركِ قد جرفتكِ، يا أرييلا." كان صوته متهكمًا وقاسيًا."لم أقل أبدًا إنني أحببتكِ. لم أقل أبدًا إني سأتزوجكِ. ولم أقل حتى إن لكِ أي أهمية."انقطع نفسي."ما قلته حقًا"، تابع ونبرته تقطر سمًا: "هو أنكِ دميتي. سأستخدمكِ حتى لا يبقى منكِ شيء. حتى لا تعودي تعرفين نفسكِ. حتى لا يعود أحد يعرفك."انحنى للأمام، مستندًا بمرفقيه على ركبتيه، بينما أحرقتني نظرته القاتمة."سأستمتع بتدمير كل جزء فيكِ."لسعت الدموع عينيّ. انقبض حلقي، لكنني أجبرت نفسي على الكلام."أرجوك لا تؤذني يا آشر"، توسلت: "لقد مرت سنوات. لقد مضيت بحياتك بالف
اقرأ المزيد

الفصل 4

ابتسم. ابتسامة بطيئة، محسوبة."مهما كان الأمر" تمتم، "إذا اكتشفوا الأمر، فأنتِ تعرفين قوانين المافيا."أغمقت عيناه، وصار صوته شبه همس: "أنتِ في عداد الموتى."انتابتني رعدة خوف. ارتعدت. لأنني عرفت أنه يقول الحقيقة. فور أن يعيدني معه، أكون في عداد الموتى.لن ينقذني أحد. لا يمكنني ترك ليون. لن أترك ليون. إنه يحتاجني.رأى الخوف في عيني. وقد أحب ما رأى."إذن الأفضل أن تخبريني لماذا؟" قال، وصوته أكثر هدوءًا: "لماذا هربتِ، يا أرييلا؟"اقترب قليلًا، متأملًا إياي، وأردف: "هل كنتِ خائفة من أن أؤذيكِ؟"، كانت نبرته شبه عابثة، لكنها تقطر تهكمًا: "هل كان الخوف—بعد أن خنت ثقتي— هو ما دفعكِ للهرب؟"كنت يائسة لأجد مخرجًا. استطعت أن أرى أنه يريد مني أن أقول نعم. يريد مني أن أعترف بأنني كنت خائفة منه.وهكذا فعلت. أومأت برأسي. مرتجفة. متجنبة النظر إليه. ابتسم بسخرية."جيد."رفع ذقني إلى الأعلى، مجبرًا إياي على مواجهة نظره."أنا أحب خوفك." قال وهو يلعق شفته، ثم تحرك. فتهاوت يداه.لاحت أصابعه بحزامه. فارتد صوت طقطقة المشبك المعدني. ثم صوت سحاب بنطلونه.وفجأة، كشف عن رغبته الجامحة التي استقرت أمام وجهي مباشر
اقرأ المزيد

الفصل 5

ظل آشر واقفا في مكانه لا يحرك ساكنًا، ومرت الثواني كأنها دهر قبل أن يستدير نحوي. نظر إليّ، ورأيت في عينيه الغضب، والحنق، والنار المشتعلة بحرارة، مما أصابني بالخوف.تراجعت خطوة إلى الوراء، وبدت تلك الحركة الصغيرة كافية لانتشاله من غيبوبته، لأنه قبل أن يرتد طرفي، كان هناك بالفعل... يقف أمامي مباشرة.وبينما كان يحدق بي، حاولت أن أتفادى التقاء أعيننا. كانت نظرته ثاقبة جدًا، حادة جدًا، ومثيرة للخوف جدًا، فنظرت إلى الأسفل.لكنه قال من بين أسنان مطبقة بغضب، آمرًا: "انظري إليّ."رفعت رأسي، مجبرة نفسي على مواجهة نظراته."انظري. إليّ." شدد على كل حرف بنبرة حادة. ثم سألني: "ماذا قلتِ؟"هززت رأسي. كنت خائفة من النطق بأي كلمة، خائفة من إعادة العبارات التي قد خرجت من فمي للتو. قبل لحظات فقط، كان يسخر من فكرة أن يكون لي حبيب، أو أن أكون مع شخص آخر، أو أن أكون متزوجة. والآن، ها هو يتصرف بهذا الغضب لأنني أخبرته أن لي ابنًا."أعيدي ما قلتِه، تبًا لكِ!" زأر، مما جعلني أئن خوفًا."قلت إن لي ابنًا"، اعترفت، وصوتي بالكاد مسموع: "إنه يعتمد عليّ. لا يمكنني تركه. أنا عائلته الوحيدة والوصية عليه. لا يمكنني تركه
اقرأ المزيد

الفصل 6

"لا أحد! إنه لا أحد!" صرخت بصوت مكسور، يمزقه اليأس: "لم أخنك قط يا آشر. دائمًا كنت أنت فقط. دائمًا كنت أنت فقط.""اخرسي أيتها العاهرة!" استشاط غضبًا، وقال وصوته يغلي بالغيظ: "أتظنينني أحمق؟ أتظنينني غبيًا؟ أتظنينني..." قطع جملته، ومرر يده بين خصلات شعره، ثم حدق فيّ من جديد، وتابع: "إذن من أين أتى هذا الابن؟ أستدعين الطهارة المطلقة؟""لا. لم أقل ذلك أبدًا، أنا...""أتظنين أنني لم أسمع الإشاعات؟ الناس تهمس خلف ظهري، تقول إنك كنت تتسللين سرًا؟ أتظنين أنني لا أعرف غايتكِ الحقيقية من ملاحقتي، أنا ابن الدون؟"هززت رأسي، وفتحت فمي لأتحدث، لكنه لم يكن قد انتهى بعد."أتظنين أنني لا أعرف لماذا أجبرتِني على مضاجعتكِ قبل أسابيع قليلة من تزييف موتك؟" خفض صوته أكثر، صار أكثر خطورة: "بل دبرته، يجب أن أقول.""لا أعرف ما الذي تتحدث عنه يا آشر" همست، وما زلت منكمشة على الأرض، تلتف ذراعاي حول ساقيَّ، كأنني أحاول لملمة شتاتي: "لم أكن مع أي رجل قط. لم أكذب عليك قط. لم أخنك قط."سخر مني، متجاهلًا إياي تمامًا.ثم قال: "وهذا ابنكِ"— وصوته يقطر سخرية وكأن الكلمات نفسها تثير في نفسه الغثيان— "كم عمره؟"ترددت. ف
اقرأ المزيد

الفصل 7

انقبض فكه، وعيناه تحرقانني بنظراتهما.قال، وكلماته تخرج متثاقلة: "لقد دستِ على قلبي، وحولتني إلى الرجل الذي أنا عليه اليوم."أفلتت منه ضحكة جافة خاوية من المرح، وهو يهز رأسه. ثم أخذ نفسًا عميقًا وتراجع خطوة إلى الوراء.قال ببرود: "سيتعين عليكِ إدراك عواقب أفعالكِ، والتعرف على الرجل الذي حولتني إليه."ثم استدار.بالكاد استطعت رفع رأسي، بينما ابتعد عني.انفتح الباب بصرير خافت، وفي اللحظة التي هم فيها بالخروج، همست: "آشر..."كانت همسة خافتة، لم تكن سوى صدى نفس بالكاد يسمع، لكنني تعلقت بالأمل— لعله يتوقف. لعله، رغم كل شيء، يعود إليّ ويصغي لما سأقول...لكنه لم يفعل.لم يتوقف، ولم يتردد. فقط خرج، وأغلق الباب خلفه بقوة.بعنف.تُركت هناك، منكمشة على الأرض الباردة، أضم ركبتيَّ إلى صدري، ودموعي تبلل قماش ملابسي.بكيت لوقت بدا لي كأنه ساعات. أو ربما دقائق. لم أعد متأكدة.كل ما عرفته أن الذكريات— تلك اللحظات الثمينة الجميلة التي تشبثت بها لسنوات— قد تحولت الآن إلى شيء مختلف تمامًا.الحب الذي ظننت أننا تشاركناه يومًا لم يعد يعني له شيئًا.لم يعد.…وبعدما شعرت أن الدهر قد انقضى، انفتح الباب بصرير م
اقرأ المزيد

الفصل 8

سأل داميان بتردد: "هل تريدين أن أحضر شخصًا آخر؟ ربما امرأة؟ أتعتقدين أن التحدث مع امرأة سيكون أسهل من التحدث معي؟"لأول مرة منذ أن بدأت هذا الكابوس، أجبت، وكان صوتي بالكاد يهمس: "لا، أريد فقط... أن أستحم. وربما ملابس أخرى؟"قال بصوت مفعم بالارتياح: "بالطبع!" وكأنني منحته أخيرًا شيئًا منطقيًا ليفعله، شيئًا يمكن أن يساعد ولو قليلًا.اندفع خارج الباب، وترددت خطواته وهي تبتعد في الرواق. بقيت هناك بضع لحظات، أحتضن نفسي، وعقلي لا يزال يعيد ترتيب كل ما حدث. ثم عاد داميان بعد فترة قصيرة، وتحمل ذراعاه كومة من الملابس ومستلزمات الاستحمام.قال وهو يضعها على كرسي مكسور، إحدى أرجله مفقودة مما جعله يميل قليلًا: "أحضرت كل ما خمنت أنكِ قد تحتاجينه، وطلبت من مادي أن تجهزه." ثم أشار نحو الجانب الخلفي من الغرفة، وتابع: "هناك حمام خلفك مباشرة، يمكنك استخدامه، فيه ماء ساخن."همست تلقائيًا: "أنا أعرف."توقف للحظة، ثم أومأ برأسه وكأنه أدرك كم كانت كلماته غبية: "صحيح، بالطبع أنت تعرفين." نقل خطاه في مكانه وقال: "حسنًا... سأتركك الآن."قلت: "حسنًا. شكرًا لك."لم يضيع داميان لحظة أخرى— كاد أن يندفع خارج الغرفة.
اقرأ المزيد

الفصل 9

توجهت مباشرة إلى شقتي.كانت صغيرة– مجرد غرفة واحدة ضيقة مقسمة إلى مطبخ، وحمام مكتظ، وغرفة نوم، وركن جلوس بالكاد يرى. كانت الجدران باهتة، والأثاث غير متناسق، لكنها كانت موطني.حضرت حساء ليون أولًا، وتأكدت من أنه في درجة حرارة مناسبة تمامًا قبل أن أتوجه إلى منزل تريسي لأحضره.عندما فتحت الباب، اتسعت عيناها دهشة."أرييلا؟ ظننت أنك لن تعودي حتى وقت متأخر من الليلة. ألا ينتهي دوامك عند الثامنة؟ ما الذي تفعلينه هنا؟"ابتسمت ابتسامة خفيفة، وقلت: "نعم... شعرت بالأسى لترك ليون وحيدًا."سخرت تريسي بمزاح: "كان معي، يا سخيفة.""أعرف ذلك. لكنه مريض... وشعرت بالأسى، لذا طلبت العودة لأعتني به."هزت كتفيها: "حسنًا، لا بأس."كانت تريسي جارتي، لكن لكل منا حياتها المستقلة، شأننا شأن أغلب سكان المدينة. كنا دائمًا نعمل، دائمًا نركض خلف المال، دائمًا نحاول البقاء على قيد الحياة. كنت محظوظة لأنها ساعدتني في رعاية ليون حين تستطيع– خاصة أنها تعمل من المنزل معظم الوقت.ناولتها بعض المال، لكنها ترددت: "أرييلا، ليس عليك أن–""فقط خذيها."لا بد أن شيئًا في وجهي جعلها تتوقف عن المجادلة، لأنها تنهدت وقبلت المال. لكن
اقرأ المزيد

الفصل 10

لِمَ لا؟لِمَ لا أحزم بعض الأغراض– ما يكفي فقط ليوهم الآخرين بأنني ما زلت هنا، وما يكفي فقط لئلا أثير أي شبهات– ثم أرحل قبل أن يصلوا إليّ؟لم أملك إلا أن أتساءل: أكانت هذه الفرصة الوحيدة التي ستمنح لي؟لم يعد بوسعي أن أجلس هنا مكتوفة الأيدي، أنتظر اللحظة التي يقرر فيها آشر أن يشرفني بحضوره مجددًا، أو أن يأتي ليذلني، تمامًا كما فعل في المرة السابقة.لقد عشت خمس سنوات كامرأة مستقلة، أعتني بابني حتى عندما كنت حبلى، ونجوت رغم كل الصعاب. لم أكن لأسمح لآشر رومانو بأن يكسرني مجددًا.حزمت بعض الأغراض، وأخذت النقود التي أعطاني إياها داميان– كانت ستساعد، لكنها لن تكفي لنقلنا إلى مكان آخر. كانت وجهتي الأولى المطعم. لحسن حظي، كان داميان هناك. عندما دخلت مكتبه، رفع نظره، ولانت ملامحه حين رآني."أرييلا..." توقف للحظة، وكأنه لم يدر ماذا يقول. لقد رأى الضيق مرسومًا على وجهي، ثم أردف: "هل أنت بخير؟ كيف تشعرين؟"أومأت برأسي، رغم أنني لم أكن متأكدة من ذلك: "أحتاج إلى مساعدتك يا داميان"، قاطعته دون مقدمات.قطب جبينه، وتقدم بضع خطوات نحوي."ماذا حدث؟ ما الأمر؟"ترددت، لكن حاجتي الملحة لمساعدته طغت على خوفي
اقرأ المزيد
السابق
123
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status