جميع فصول : الفصل -الفصل 120

168 فصول

غيره الجحيم

لم تكد عجلات السيارة تتوقف تماماً أمام البوابة الرئيسية لمستشفى الأمل العام حتى دفع آسر الباب بقوة، ليندفع إلى الداخل كالمجنون. كانت أنفاسه تتلاحق، وبذلته الفاخرة التي كانت قبل قليل رمزاً لانتصاره وسلطته، أصبحت الآن كقيد يخنقه. ركض في الممرات البيضاء، متجاهلاً نظرات الأطباء والممرضات الذين عرفوا وجهه فوراً؛ فهو الرجل الذي تصدرت صورته شاشات الأخبار الاقتصادية منذ أقل من ساعة.لحق به فارس بجهد جهيد، وخلفهما اللواء رأفت الذي كان يمسك بهاتفه ويتحدث بعصبية مع رجاله لتحديد مكان الغرفة."أي غرفة يا رأفت؟! أين هي؟!" صرخ آسر بصوت هادر، ملتفتاً نحو رئيس أمنه بملامح يكسوها الرعب والجنون.أشار رأفت بيده نحو الممر الأيمن: "الغرفة رقم 302 في الدور الثالث يا سيد فارس ، رجالي هناك."صعد آسر الدرج ركضاً، رافضاً انتظار المصعد. كانت كل خطوة يخطوها تبدو كأنها دهر كامل. وصل إلى الطابق الثالث، واندفع نحو الغرفة المنشودة. دفع الباب الخشبي بقوة وعقله يتهيأ ليرتمي تحت قدميها، ليعتذر، ليشرح، ليضمها إلى صدره ويخبرها أن كل ما فعله كان مناورة لحمايتها.لكن الصدمة لجمت حواسه.الغرفة كانت خاوية.. تماماً.الفراش الأ
اقرأ المزيد

ملاذ خلف الجدران

في تلك الأثناء، كانت العجلات السوداء لسيارة ياسين المرادي الفارهة تشق طرقات العاصمة الهادئة، متبعة مساراً يبتعد تدريجياً عن صخب المستشفى الذي تُرِك خلفهم بكل أسراره. كان الصمت داخل مقصورة السيارة ثقيلاً، صمتٌ لم يقطعه سوى الحفيف الخافت للمكيف، والمشهد المتتابع لإنارة الشوارع التي تنعكس على ملامح جيداء الجامدة. كانت تبدو كتمثال رخامي، عيناها معلقتان بالزجاج الجانبي، يدها ما زالت مستقرة على بطنها بحنوٍّ غريزي يرتجف، بينما هاتفها -الذي تركته عمداً فوق فراش المستشفى كرسالة إعلان نهاية- لم يعد له وجود ليشوش ذهنها المثقل.عدّل ياسين مرآته الوسطى، متأملاً ملامحها الشاحبة قبل أن يكسر الصمت بنبرته الهادئة الرزينة: "جيداء.. إلى أين تريدين الذهاب الآن؟ هل أتوجه بكِ إلى قصر السيوفي؟"ارتجفت أهدابها بعنف فور سماع الاسم، والتفتت إليه بنظرة حادة حملت مزيجاً من الرعب والنفور، وقالت بنبرة قاطعة: "إلى قصر السيوفي؟ مستحيل.. لن أطأ ذلك المكان مجدداً ما حييت."أومأ ياسين برأسه متفهماً دون أن يعلق، ثم تابع بطرح خياره الثاني: "إذن.. ما رأيك في الذهاب إلى منزل صديقتكِ ندى؟ أظن أنها الشخص الأنسب لتكوني بجواره
اقرأ المزيد

صمت متواطيء

لم تشرق شمس الصباح الجديد حتى كانت سيارة آسر السيوفي تقف بعنف أمام البناية التي تقطن فيها ندى. ترجل آسر وخلفه فارس، وكانت ملامح آسر مشوهة بقلة النوم والجنون، وعيناه حمراوان كالجمر. صعد السلالم ولم ينتظر المصعد، وبدأ يدق جرس باب ندى بعنف وهستيرية، كأنه يحاول كسر الخشب بقبضتيه.انفتح الباب بقوة، لتطل منه ندى ملامحها تشتعل بالغضب. لم تكن ندى مجرد صديقة لجيداء، بل كانت توأم روحها، والوحيدة التي تعرف كم تحملت جيداء من صراعات عائلة السيوفي. وقبل أن ينطق آسر بكلمة، بادرت هي بالصراخ في وجهه: "كيف تجرؤ على المجيء إلى هنا يا آسر؟! كيف تطأ قدمك عتبة بيتي بعد ما فعلته؟!"حاول آسر دفع الباب ليدخل وهو يصيح: "أين جيداء يا ندى؟! أعلم أنها عندكِ! اخرجيها فوراً!""ليست هنا! وحتى لو كانت هنا، كنت سأحميها منك ومن قذارة عائلتك!" وقفت ندى كالسد المنيع، وصوتها يهز الممر: "زوجتك كانت تختطف، تواجه الموت على يد عمران ، وأنت كنت تقف في بذلتك الفاخرة تبتسم للكاميرات وتصافح جدك وتقتنص المنصب! أي نوع من الرجال أنت؟! لقد بعت حياتها من أجل الكرسي والشركات!"تراجع آسر خطوة، ووجهه يشحب تحت وطأة طعناتها اللفظية، وص
اقرأ المزيد

واحه الغياب

واحة الغياب وأسرار الملاذفي صباح اليوم التالي، تسللت خيوط الشمس الذهبية عبر الستائر الحريرية للشقة الراقية، لتلقي بظلال هادئة على جدران الملاذ الجديد الذي لجأت إليه جيداء. كان المكان يغرق في صمت مطبق، صمت لا يشبه صخب قصر السيوفي ولا رعب المستودع المهجور.استيقظت جيداء على غثيان مباغت وعنيف، شعور بات يتكرر في الصباحات الأخيرة ليمتص ما تبقى من قواها الجسدية بفعل الحمل الحرج الذي تمر به. هرعت نحو الحمام، واستندت بيديها المرتجفتين إلى الحوض الرخامي، وأنفاسها تتلاحق بصعوبة. لمست بطنها بعفوية وحنو، هامسة لنفسها بمرارة ونبرة حامية: “عليك أن تكون قوياً يا صغيّري.. نحن الآن بمفردنا، بمفردنا تماماً، ولن أسمح لعائلة السيوفي بتهديد حياتك مجدداً”. عادت إلى غرفة المعيشة بخطوات ثقيلة، وجلست على الأريكة الرمادية الكبيرة، ملتفة بغطاء دافئ، وعيناها معلقتان بالفراغ.لم يقطع هذا السكون سوى صوت نقرات خفيفة ومرتبة على الباب الخارجي. انقبض قلبها غريزياً، لكن الخوف تمدد وحل محله الارتياح عندما انفتح الباب لتدخل ندى.لم تكن ندى بحاجة لكثير من البحث؛ فبمجرد أن تأكدت بالأمس من تولي ياسين المرادي حماية جيداء،
اقرأ المزيد

نخب البدايات الجديده

دفء مستعار ولغة صامتةاستقرت عتمة المساء فوق شرفة الشقة الراقية، وحلت برودة لطيفة بددت بقايا حرارة النهار. كانت جيداء تجلس على مقعد الشرفة المخملي، تراقب الأضواء الخافتة للمجمع السكني، وقد لفت جسدها برداء صوفي دافئ، بينما استقرت كفها فوق بطنها بنعومة. غادرت ندى قبل بضع ساعات بعد أن اطمأنت على استقرار وضعها، تاركة خلفها هدوءاً سمح لجيداء بإعادة ترتيب شظايا أفكارها.قطع هذا السكون صوت حركة خفيفة عند الباب الخارجي، تلاها نقر مألوف وهادئ. وقفت جيداء وعدلت رداءها ثم اتجهت نحو الباب وفتحته، لتجد ياسين المرادي يقف أمامها بكامل وسامته العمليّة. كان قد تخفف من سترة بذلته الرسمية وحملها على ذراعه، وقام بطي أكمام قميصه الأبيض بدقة، بينما كانت علامات إرهاق يوم طويل في السوق تمتزج بابتسامته الساخرة المعهودة."مساء الخير أيتها الهاربة الدولية،" قالها ياسين بنبرة خفيضة متهكمة، وهو يرفع حقيبة ورقية تفوح منها رائحة ذكية ومعقدة: "مررتُ بالمطعم الإيطالي الذي تفضلينه.. أو الذي أعتقد أنكِ تفضلينه . أحضرتُ عشاءً لشخصين، هذا إن لم تكوني قد قررتِ إعلان الإضراب عن الطعام احتجاجاً على جودة الضيافة هنا."ابت
اقرأ المزيد

المواجهه

واجهة خلف الأبواب المغلقةفي الصباح التالي، لم تكن الأجواء في المقر الرئيسي لشركات ياسين المرادي تشي بأي صخب، فالكبار يحسمون معاركهم بصمت. دخل آسر السيوفي إلى المبنى بخطوات واثقة وصارمة، يرتدي بذلته الرسمية التي تفرض هيبتها على المكان. لم يكن يركض، ولم تكن ملامحه تفصح عن نيران الغيرة التي تنهش صدره، بل كان قناع البرود الرخامي يغلف وجهه بالكامل. بجانبه كان يتحرك فارس، بذات الثقل والهدوء، بينما لحقت بهما سكرتيرة ياسين بخطوات مرتبكة وهي تحاول اللحاق برئيس مجموعة السيوفي.تجاوز آسر مكتب السكرتارية وفتح باب مكتب ياسين المرادي الرئيسي دون استئذان، لكن بحركة هادئة وحاسمة.كان ياسين يجلس خلف مكتبه الزجاجي الفخم، يراجع بعض الأوراق وهو يرتشف من قهوته الصباحية. لم ينفعل ولم تظهر على وجهه المفاجأة، بل رفع عينيه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامته الساخرة المعهودة. أشار بيده لسكرتيرته بضرورة المغادرة، فأغلقت الباب خلفها، ليتحول المكتب الواسع إلى ساحة مواجهة صامتة بين قطبين في السوق."أهلاً بسيادة الرئيس التنفيذي الجديد،" قالها ياسين بنبرة منخفضة متهكمة، وهو يسند ظهره إلى مقعده الجلدي: "توقعتُ زيارتك،
اقرأ المزيد

لعبه الشطرنج

امتدت ظلال المساء فوق شرفة الشقة الهادئة مجدداً، حاملة معها نسيماً بارداً داعب خصلات شعر جيداء وهي تجلس شاردة الذهن. كانت ممسكة بكتاب لم تقرأ منه سطراً واحداً، فعقلها كان مشغولاً بتخيل الخطوة القادمة لآسر. كانت تعلم أنه لن يصمت، وأن كبرياءه العالي كرئيس تنفيذي لمجموعة السيوفي سيجعله يبحث عنها في كل شبر، لكنها كانت تأمل أن يحميها جدار هذا المكان لفترة أطول.قطع حبل أفكارها ذلك النقر الهادئ والمألوف على الباب الخارجي. وقفت بعد أن عدّلت رداءها الصوفي، وفتحت الباب لتجد ياسين المرادي يقف أمامها بذات الهيئة الرزينة والوسيمة التي غادر بها صباحاً، لكن ملامحه كانت تحمل بريقاً إضافياً من التسلية والسخرية المعهودة."مساء الخير يا نزيلة الشقة رقم أربعة،" قالها ياسين بنبرة خفيضة متهكمة وهو يدخل، واضعاً حقيبة كمبيوتره المحمول على الطاولة الجانبية: "أتيتُ لأتأكد من أنكِ لم تقومي بطلاء الجدران بلون آخر في غيابي، ولأرى إن كان الصغير قد قرر أن يطلب عشاءً معيناً الليلة أم سنكتفي بالوجبات الخفيفة؟"ابتسمت جيداء ابتسامة خفيفة، وتنحت جانباً ليتحرك في الصالة: "مساء النور يا ياسين. نحن بخير، والصغير هادئ الي
اقرأ المزيد

المناوره

الحبر البارد ومناورة المهلة الأخيرةعندما أغلق ياسين باب الشقة خلفه وعاد إلى ملاذه المقابل، عاد السكون ليفرض كلمته على المكان، لكنه لم يكن هدوءاً باعثاً على الراحة. كانت كلمات ياسين عن مواجهته مع آسر تدور في رأس جيداء كأعاصير صغيرة صامتة. نظرت إلى كف يدها التي لم تعد ترتجف، وثبتت بصرها على الفراغ بنظرة حاسمة ولدت من رحم الخذلان القاتل.فكرت بمرارة: آسر يظن أنني بضاعة مخبأة، يظن أن التهديد بأسحاق شركات ياسين سيعيدني إلى طاعته كجارية كسبها في صفقة عائلية.. هو لا يفهم أنني من رحلت، وأن كرامتي التي داس عليها أمام شاشات التلفزيون لن تلممها نفوذ مجموعة السيوفي.التفتت نحو طاولة المطبخ حيث كان يقف هاتف أرضي صغير، وضعه ياسين في الشقة لتتواصل به مع الحراس بالأسفل أو مع ندى دون استخدام شبكات المحمول التقليدية التي يسهل تتبعها. رفعت السماعة، وضغطت الأرقام واحداً تلو الآخر بثبات غريب. كانت تحفظ رقمه الشخصي السري عن ظهر قلب، الرقم الذي لم يكن يملكه سوى قلة، والذي كان يخصصه لها دائماً ليرد عليها وسط أعتى اجتماعاته.. الاجتماعات التي لم يعد لها قيمة الآن.------------------------------في ذات اللحظة
اقرأ المزيد

ندبه قديمه

في الصباح الباكر، وقبل أن تتسلل خيوط الشمس بالكامل عبر ردهات المجمع السكني، كانت جيداء تقف أمام باب الشقة المقابلة. بدت بكامل أناقتها الهادئة والعملية، يغلف وجهها شحوب خفيف، وعيناها تحملان تصميماً لا يلين. أخذت نفساً عميقاً ثم رفعت يدها وطرقت الباب نقرات خفيفة لكنها حازمة.لم تمر سوى ثوانٍ معدودة حتى انفتح الباب الخشبي الثقيل. تراجعت جيداء خطوة صغيرة إلى الخلف بعفوية، واتسعت عيناها بذهول طفيف.كان ياسين يقف أمامها بجسد يقطر حيوية، يرتدي بنطالاً قطنياً رمادياً فضفاضاً دون قميص، وشعره البني مبعثر بخفة يوحي بأنه استيقظ للتو. ما خطف أنفاس جيداء ولفت نظرها بالكامل لم يكن وضوح عضلات صدره وبنيته الرياضية القوية، بل كانت تلك الندبة القديمة العميقة والغائرة التي تمتد بشكل مائل فوق جانبه الأيسر، بالقرب من قلبه؛ علامة داكنة تشهد على معركة أو حادثة عنيفة عاشها في ماضيه ولم يتحدث عنها قط.تلاقت عيناهما، ولاحظ ياسين نظرتها المعلقة بنُدبته، فارتسمت على شفتيه ذات الابتسامة الساخرة والمتهكمة التي تفلح دائماً في كسر أي جمود. تراجع إلى الداخل خطوة، وأشار لها بالدخول وهو يقول بنبرته الخفيضة المسترخية: "ص
اقرأ المزيد

حبر بارد

حبر بارد في عرين الشؤونفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، توقفت سيارة ياسين المرادي السوداء ذات الزجاج المعتم أمام المبنى الحكومي الفاخر المخصص لمكتب شؤون العلاقات الأسرية. كان الجو العام للمكان يفرض هدوءاً رسمياً صارماً. ترجل ياسين أولاً، بكامل أناقته وثقله، ثم دار ليفتح الباب لـ جيداء التي نزلت بخطوات متزنة، يغلف ملامحها برود حاسم يخفي خلفه تعب حيرتها وغثيان صباحها الحرج.دلفا معاً إلى قاعة الانتظار الرئيسية الفاخرة، المخصصة للشخصيات رفيعة المستوى في هذه البلاد. ولم تكن سوى ثوانٍ معدودة حتى التقت الأعين.كان آسر السيوفي يجلس هناك، وبجانبه فارس. بدا آسر مجهداً للغاية، لكنه حافظ على ثباته وبرستيج منصبه الجديد كرئيس تنفيذي؛ بذلته كُويت بعناية، وشعره مصفف بدقة، لكن عينيه الحمراوين من قلة النوم فضحتا الجحيم الذي يعيشه. وفور أن رأى جيداء تدخل، انتفض واقفاً بجسده كاملاً، وتحركت غريزة التملك والغيرة في عروقه كالبركان المخمد فور أن لمح ياسين المرادي يتحرك بجانبها كظلها الصامت.تقدم آسر خطوات، وبصوت منخفض وحاد يحمل وعيداً مبطناً وجنوناً مكتوماً، قال وهو يحدق في ياسين: "لم أكن أعلم أن مكاتب الشؤو
اقرأ المزيد
السابق
1
...
1011121314
...
17
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status