LOGINالصقيع تحت سقف واحد ساد الصمت أركان الشقة بعد اعتراف زين المفاجئ. كانت جيداء َتشعر بارتباك حاد ينهش هدوءها، و ثقل نظرات زين المنتظرة لإجابة لا تملكها جعل الهواء في الصالة يضيق. تراجعت خطوة، و حاولت التملص من حصار تلك المشاعر المتأخرة و قالت بصوت متوتر: "زين.. أنا.. أنا أحتاج لبعض الوقت .. سأحضر كوباً من الماء الان " لم تنتظر رده، بل استدارت متوجهة نحو المطبخ المفتوح على الصالة، هرباً من النظرات فهي لم تستجمع شتات نفسها أمام صدمة لم تحسب لها حساباً. في تلك اللحظة بالذات، و بينما كان زين يجلس على طرف الأريكة و عيناه معلقتان بالأرض بأسف، لا يعرف اذا كان ندما ام انه كان يجب ان يصبر قليلا سُمعت طرقات خفيفة، متزنة، و رسمية على الباب الخارجي. و لأن زين لم يكن قد أغلق الباب بإحكام عند دخوله المتسرع، تحرك الباب قليلاً مع الطرقات ليوارب الفراغ. دفع ياسين المرادي الباب بهدوء ودخطا خطوة واحدة داخل العتبة ملقياً تحيته الرسمية: "مساء الخير.." توقفت كلمات ياسين تماماً، وتسمرت عيناه الحادتان على زين العبد الجالس في منتصف الصالة. في جزء من الث
كانت خطوط الطيران القادمة من الخارج تحمل معها زين العبد، الذي بدا وجهه شاحباً وعيناه غائرتين من فرط القلق والسهد. لم يكن يعلم بأي شيء مما حدث لجيداء طوال الشهرين الماضيين؛ كان غارقاً في صفقاته الخارجية، حتى جرى ذلك الاتصال الهاتفي العابر بينه وبين ندى بالأمس. قصت عليه ندى كل شيء؛ رعب اختطاف عمران لها، المأساة التي عاشتها، وطلاقها الرقمي من آسر السيوفي الذي أسدل الستار عليه بالأمس فقط. لم يفكر زين مرتين، ألغى كل ارتباطاته، وحجز أول طائرة عائدة إلى الوطن، ليتوجه فوراً إلى العنوان الجديد الذي أملته عليه ندى. وقف زين أمام باب شقة جيداء الجديدة في الطابق الرابع. تنهد بعمق وهو يحاول تهدئة دقات قلبه المتسارعة، ثم طرق الباب. كانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب عندما دوى جرس الباب. رفعت جيداء رأسها عن الملفات المفتوحة أمامها. لم تكن تنتظر أحدًا. ندى في العمل. وياسين خرج منذ ساعات. أما بقية العالم... فلم تكن راغبة في رؤيته أصلًا. نهضت بهدوء واتجهت نحو الباب. لكن ما إن فتحته حتى تجمدت للحظة. — زين؟ وقف زين العبد أمامها. بذلته ما تزال تحمل آثار سفر طويل. وشعره بدا أكثر فو
. الشقة المقابلة بعد شهر من فقد جيداء للطفلها ، وقفت جيداء أمام باب الشقة التي وفرها لها ياسين. كانت تحمل حقيبة متوسطة الحجم تضم معظم ما تملكه الآن. الغريب أنها لم تشعر بالحزن وهي تغادر. لم يعد هناك ما يستحق التمسك به. القصر انتهى. زواجها انتهى. حتى الحلم الصغير الذي حاولت حمايته انتهى هو الآخر. أغلقت باب الشقة خلفها بهدوء. ثم سارت عدة خطوات عبر الممر. وتوقفت أمام الشقة المقابلة. ظلت تنظر إلى الباب لثوانٍ ثم طرقت الباب لم يمضِ سوى ثوانٍ معدودة حتى انفتح الباب، ليظهر ياسين بطولته الفارهة، مرتديًا قميصًا قطنيًا أسود مريحًا، وقد شمر كميه بعبثية أظهرت عروق يديه البارزة. و انسدلت بعض خصلات من شعره علي جبهته معلنه العصيان ارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة كادت أن تنطق بالترحيب، قبل ان يري الحقيبه التي بجانبها نظر أولًا إلى وجهها ثم إلى الحقيبة في يدها. ثم عاد إلى وجهها مجددًا. و رفع أحد حاجبيه — هل قررتِ الهروب؟ أجابت بهدوء:— جئت لأشكرك. — على ماذا؟ — علي كل شيء . صمت لحظة. ثم قال:— حسنًا. انتظرت لكنه لم يضف شيئًا. تنهدت جيداء.— هذا كل شيء؟ ياسين بسخريته
بعد مرور شهر لأول مرة منذ أكثر من شهرين منذ رحيلها يطأ آسر السيوفي عتبة قصر عائلة السيوفي. لم يكن هناك بكاء، و لا صراخ، و لا تكسير للمقتنيات الفاخرة التي تزين البهو الطويل. كان هناك ما هو أقسى من ذلك كله؛ كان هناك الفراغ. فراغ شاسع و ممتد، يبتلع الأصوات و الأنفاس، و كأن الجدران الرخامية العالية قد جردت من دفق الحياة يوم غادرتها جيداء. حرس القصر وقفوا في صمت مطبق، و لم يجرؤ أحد منهم على رفع عينه للنظر في وجه رئيس المجموعة التنفيذي المنهار. صعد درجات السلم الدائري بخطوات ثقيلة، يجر خلفه خيباته، و جسداً هُزل من فرط الندم و الشعور القاتل بالذنب. كان الممر المؤدي إلى جناحه الخاص طويلاً بشكل مرعب، صامتًا لدرجة جعلت نبضات قلبه تبدو كطبول حرب خاسرة. وضع يده المرتجفة على مقبض الباب الرمادي الكبير. تردد لثوانٍ، ثم دفعه ودخل. استقبله الهواء الساكن الذي يحمل بقايا واهية جداً من عطرها الياسميني المفضّل . لم يجد ركاماً أو فوضى، بل وجد جناحاً مرتباً بعناية من قِبل الخدم، لكنه كان مرتباً بالطريقة التي ترتب بها القبور. سار بخطوات متثاقلة داخل الغرفة، كان ق
بكاء الجدران الصامتةبمجرد أن أُغلق باب الغرفة خلف آسر بالكامل، زحف الصمت المرير ليتمدد فوق فراش المستشفى الأبيض. انقشع ذلك البرود المصطنع والقسوة التي واجهت بها آسر، وتلاشت الصلابة التي مكنتها من توقيع أوراق الطلاق الرقمية عبر شاشة هاتفها الباردة. شعرت جيداء فجأة بثقل الجدران من حولها، وبأشعة الشمس الساقطة عبر النافذة وكأنها سياط تحرق روحها الجريحة.امتدت يدها الضعيفة المرتجفة لتستقر فوق أحشائها، فوق ذلك الخلو المريب والرحم الذي بات خاوياً من نبض صغير طالما انتظرت أن تضمه إلى صدرها. انفتحت السدود التي حبستها طوال الساعات الماضية، وانهمرت دموعها بغزارة وصمت حارق، دموع غسلت وجهها الشاحب وجعلت جسدها النحيل يتهاوى وينكمش على نفسه كطفلة صغيرة ضائعة في الظلام.انفتح الباب بخفة ودخلت ندى. لم تكن ندى بحاجة لتسأل عما حدث، فقد رأت آسر يخرج من الممر كشبح مهزوم وملطخ بالدماء، وعلمت أن المواجهة قد انتهت. اندفعت نحو صديقة عمرها، وارتمت فوق الفراش لتأخذها في حضنها بقوة وعاطفة صادقة."جيداء.. يا حبيبتي، أنا هنا.. أنا معكِ،" همست ندى وهي تبكي معها، وتمسح على شعرها المبعثر بحنو بالمر انفجرت جيداء بال
حطام الرخام والرحيل الرقمي خيم على غرفة المستشفى صمت ثقيل يشبه صمت المقابر، صمت لم يقطعه سوى النغمات الرتيبة و الباردة للأجهزة الطبية المعلقة بجانب الفراش. استيقظت جيداء من غيبوبة المخدر، لتجد نفسها مجدداً بين جدران المشفى البيضاء التي باتت تمقتها. لم تكن بحاجة لمن يخبرها بما حدث؛ فالبرودة التي اجتاحت أحشاءها، والخلو المفاجئ الذي شعرت به في رحمها، كانا كفيلين بنقل الحقيقة كاملة إلى روحها. لقد رحل الصغير. غادر العالم قبل أن يرى النور، صبغت دماؤه أسفلت الخذلان وتركها وحيدة. لم تبكِ. تجمدت الدموع في عينيها وتحولت إلى نظرة زجاجية حادة ومظلمة، تنظر بها إلى سقف الغرفة بخلو تام من أي مشاعر. في زاوية الغرفة، كان آسر يجلس على مقعد خشبي صغير، منحنياً بجسده إلى الأمام، ويداه تتشابكان خلف رقبة خفضها بذلّ لم يعهده فيه أحد من قبل. كانت بذلته الفاخرة ما تزال ملطخة ببقايا دمائها الجافة، وشعره مبعثراً، وعيناه محمرتين من فرط البكاء الصامت والندم الذي ينهش أحشاءه كالنار. تحركت يد جيداء بضعف فوق الفراش، فالتفت آسر فوراً مع سماع حركتها الخفيفة. وقف على قدمين تترنحان من فرط الألم، وتقدم نحو حافة الفراش







