خيوط الليل الكحلي انبلج الصباح الأول فوق تلك الشقة الجديدة حاملاً معه برودة شتائية قارسة، حيث تلبد الأفق بضباب رمادي كثيف غلّف زجاج النوافذ الشاهقة، ليحجب صخب المدينة بالأسفل و يحيلها إلى أشباح متحركة خلف غلالة بيضاء. استيقظت جيداء في السابعة صباحاً دون أن تذوق طعم النوم الفعلي؛ إذ قضت ليلتها الطويلة أسيرةً لتقلبات عقلها المنهك و صوت ياسين المرادي و هو يتردد في ردهات ذاكرتها بنبرته الرخيمة المليئة بالتحدي و الوعود المبطنة حين قال : "تعالي معي إلى الزفاف.. وربما أخبرك هناك". كانت تلك "الربما" كافية لتشعل في صدرها فوضى عارمة من الشكوك و الترقب، فنهضت من فراشها بخطوات واهية متثاقلة، و أعدت لنفسها كوباً من الأعشاب الدافئة لتستعين بدفئه على الصقيع الذي ينهش روحها، تناولت فطار جيدا خوفا من بطش ندي ثم وقفت ترقب الشقة المقابلة عبر مدخل البناية الصامت، متسائلة إن كان جارها الغامض يغط في نوم عميق، أم أنه يمارس هوايته في ملاحقة الأسرار خلف تلك الأبواب الموصدة. لعنته عده مرات قبل ان يقطع حبل أفكارها المشتتة رنين جرس الباب الخارجي؛ لم تكن طرقات ياسين المع
続きを読む