بيت / الآخر / الرحلة 301 / البارت الخمسون

مشاركة

البارت الخمسون

مؤلف: Faten Aly
last update تاريخ النشر: 2026-06-09 12:35:30

– وبكده بقى اسمه الملك مينا... موحّد القطرين.

كانت تلك آخر كلمات سلمى الموجهة إلى الصغيرة يثرب، التي بدت مندمجة تمامًا في الحديث، تستمع بعينين واسعتين يشعان اندهاشًا وانبهارًا، كما لو أنها تكتشف عالمًا سحريًا جديدًا يُروى لها للمرة الأولى في حياتها.

في تلك اللحظة بالذات، دلف عليان إلى الغرفة بخطواته الرزينة، وكان قد التقطت أذناه الجملة الأخيرة دون أن يفهم أبعادها أو مغزاها التاريخي. توقف لبرهة أمام عتبة الباب، وعيناه الحائرتان تتأملان حماسهما، محاولاً في عقله فك شفرة كلمة القطرين الغريبة على
استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق
الفصل مغلق

أحدث فصل

  • الرحلة 301   116

    راقب زياد خروجها المفاجئ والسريع من الغرفة، ولاحظ بنظرته الفاحصة كيف سُرقت البهجة العفوية من ملامحها في لحظة عابرة كأنها غيمة سوداء حجبت ضياء وجهها. لم يكن يدري على وجه التحديد ما الذي تبدل في الأجواء ليقلب حالها هكذا، لكن إحساسًا غامضًا بالضيق والوجوم تسرّب إلى صدره هو الآخر دون استئذان؛ كأن شيئًا أساسيًا في غيابها المفاجئ أخلّ بتوازنه النفسي، وكأن الفراغ البارد الذي خلفته وراءها في أركان الغرفة صار صاخبًا ومربكًا أكثر من وجودها الصامت العذب. اعتذر بلباقة من ليلى التي كانت تجلس إلى جوار الحاجة سمية، تغزل معه أطراف حديث ممتد بدا فاتنًا ومشوقًا لمن يراقبهم من بعيد، ثم نهض في عجل كمن أُخرج قسرًا من دفء اللحظة ليُلقى في برد القلق والترقب، وخرج يخطو في الممر الطويل يبحث عنها بعينين ق لقتين تضجّان بالأسئلة الحائرة. لم تمضِ سوى بضع دقائق من البحث في ممرات المستشفى الهادئة حتى وجدها أخيرًا. كانت واقفة وحيدة أمام إحدى النوافذ الزجاجية الكبيرة في نهاية الممر الطويل، يلفّها صمت كثيف وموحش كأنه رداء شفاف يُخفي تحت طياته ما لا يُقال من لوعة وانكسار. عيناها اللامعتان بطيف دموع محبوسة كانتا معلّ

  • الرحلة 301   115

    جاء دوره أخيرًا… دلف إلى مجلس الحاكم "ابن القمر" بخطى متمهلة واثقة، ولكنها كانت تحمل بين طياتها من الصلف والوقاحة ما لا يُطاق ولا يُحتمل. ملامحه كانت جامدة كصخرة قديمة، ونظراته الزائغة لم تطرق الأرض احترامًا لهيبة المكان، بل كانت تواجه كل ركن بتحدٍّ فجّ ومستفز، وكأن الجدران العتيقة نفسها تُهينها عيناه الخبيثتان. عليان، الجالس في صدر المجلس بوقاره المعهود وهيبته المستمدة من أسرار الأجداد، لم يتحرك أنشًا واحدًا. كانت عيناه الثاقبتان تراقبان الداخل بنظرة حذرة فاحصة؛ لم تكن نظرة خوفٍ منه بأي حال، بل كانت تحسبًا وتقييمًا لما قد يجرّه وجود هذا الكائن من ويلات ومصائب. كان يعرفه جيدًا… يعرف أن هذا الرجل تحديدًا لا يعرف للندم طريقًا، وأن جدران السجن التي غُيب وراءها لم تكن سوى استراحة مؤقتة لطبع خبيث يزداد مع العزلة سوادًا وشراسة. نعم… إنه "مديد"، عم جنات، الطاغية الذي سرق ماضيها العذب بدم بارد، ويحاول الآن بكل ما أوتي من مكر أن يلوث مستقبلها النقي. وقف مديد أمامه في منتصف القاعة، رأسه مرفوعة بصلف، وعيناه تشعان وقاحة وتحديًا سافرًا، ثم نفث كلماته بجرأة لا يعرفها سوى من اعتاد الظلم وتشربت رو

  • الرحلة 301   114

    كان وليد واقفًا هناك بملامحه الواثقة، وبجواره رجل وقور، يبدو في أواخر الخمسينات من عمره، يعلو وجهه خطوط الزمن وملامح هادئة، لكن عينيه الحائرتين كانتا تبحثان بشغف جارف وتوترٍ خفي بين جنبات المكان، كأنما يبحث عن أثمن شيء ضاع منه منذ سنوات طويلة. وقبل أن تتفوه جيلان بكلمة ترحيب واحدة، اخترق صمت المكان صرخة مفاجئة حادة، صرخة امتزجت فيها لوعة الدهشة بأشواق الحنين الجارف - بـابـا ارتمت رزان كطفلة صغيرة أضلت طريقها لسنوات في حضن الرجل الوقور؛ كانت تلهث، وتبكي بنحيب حار، وتحتضنه بكل ما أوتيت من قوة بين ذراعيها، وكأنها تخشى بكل جوارحها أن يختفي أو يتبخر كسراب إن هي أغمضت عينيها لثانية واحدة. احتضنها الأب هو الآخر بنفس القوة والاشتياق، وضمها إلى صدره كأنه يسترد روحه الضائعة، وجعل يربت على رأسها بحنو أبوي بالغ، ويهمس في أذنها بكلمات دافئة غير مسموعة، كأن كل تلك السنوات العجاف الماضية من الفراق والبعد قد اختُزلت وتلاشت تمامًا في هذا الحضن الواحد الحنون. قالت رزان من بين دموعها المنهمرة، بصوت متهدج هز قلوب الحاضرين - وحشتني يا بابا... وحشتني أوي، كنت فين طول السنين دي ساد الصمت المطلق في ال

  • الرحلة 301   113

    استقرت حياتها شيئًا فشيئًا، وعادت إلى ممارسة عملها في عيادتها وهي تحمل بين ضلوعها ما يشبه السلام الداخلي السكيب... أما الأهم والأثمن في رحلتها تلك، فهو تلك الثقة المفقودة التي استردّتها أخيرًا بنضجٍ وعزم، بعد أن سرقها منها زيف الوعود وخذلان المقربين. عادت لها حرارة القلب العطوف، وعاد الدفء يكسو أيامها الرتيبة، لكنها في سريرة نفسها لا تنكر أبدًا… أنه من آنٍ لآخر، تتسلل إليها أشواقها الغامضة لأيام كالاتيا البعيدة، ولذلك الرفيق الغريب، الهادئ، الذي خفّف عنها بحضوره عبءَ الليالي الطويلة المظلمة. ليالٍ لم تكن تعرف لها وصفًا دقيقًا حتى الآن... أكانت جميلة بلمساتها أم عصيبة بمخاوفها؟ هينة في وقعها أم قاسية في شروطها؟ هي فقط تعرف بيقين أن لياليها هناك لم تكن تنتهي بسهولة، بل كانت تسحب من روحها الكثير. كانت تغرق في شرودها العميق، تنبش بأصابع ذاكرتها في تفاصيل تلك الأيام الخوالي، حين دوى صوت طرقات حادة، مباغتة، على باب العيادة، أعقبها مباشرة دخول الشخص الذي طالما تمنّت من أعماق قلبها أن تمحوه من ذاكرتها تمامًا، أن يُمحى من تاريخ حياتها كليًا كما تُمحى الأحلام السيئة والكوابيس المزعجة عند الصحو

  • الرحلة 301   112

    إنت مجنون رسمي؟.... إنت واعي للّي بتقوله؟ عاوزني أفسخ خطوبة بنتي قبل فرحها بأسبوع واحد… وأجوزها لك إنت؟ بأي عين جايب البجاحة دي كلها؟ كانت تلك الكلمات كصفعة مدوية وبترت هدوء الصالة، خرجت من فم عاطف بصوت جهوري مضطرب، اختلطت فيه حدة الغضب العارم بذهول الصدمة التي شلت تفكيره. وقف الرجل الأربعيني يتأمل بهاء الذي اقتحم منزله فجأة، دون سابق موعد أو إنذار، واعتلى صوته كأنه قادم من معركة حامية الوطيس، لا يعرف أحد من الحاضرين إن كان قد خرج منها منتصرًا رافع الراية، أم مهزومًا يلم شتات نفسه. في المقابل، كان أمجد يجلس على طرف مقعده متوترًا كجمرة تشتعل، وقد شحب وجهه تمامًا وانسحبت منه الدماء، بينما اشتعلت عيناه بنيران غيرة عمياء وغضب حارق كاد يفتك بضلوعه. لم يحتمل الصمت طويلاً، فنهض واقفًا بعنفوان خطيب جُرحت كرامته، واقترب من بهاء بخطوات هجومية، لتتطاير كلماته من بين أسنانه كالسكاكين المسنونة - إنت مين أصلاً يا ابني؟ وتطلع لك صفة إيه عشان تدخل البيت ده؟ وإزاي تتجرأ من أساسه وتطلب خطيبتي ؟ فين دمك وفين رجولتك؟.. ده فرحنا وكتب كتابنا كمان أسبوع..... جاي تقولي في الآخر كل شيء نصيب؟.. ده مش نصيب ي

  • الرحلة 301   111

    تجمّع الشباب من جديد بعد طول شتات، وهذه المرة كانت الأنفاس تلتقي داخل شقة وليد، حيث تسللت إلى قلوبهم المجهدة رائحة الذكريات الدفيئة التي لا تُنسى؛ ذكريات أيامهم الخوالي في منزل أيمن، حين كانت فكرة "العودة إلى الوطن" هي قضيتهم الكبرى، وشغلهم الشاغل، وأملهم المشترك الذي يغذونه بالدموع والدعاء. لكن جلسة الليلة كانت مختلفة، ذات طابع خاص؛ فقد انضم إليهم وجهان جديدان تماماً على المجموعة القديمة: جيلان وأمجد. لم يكونا في أعين الحاضرين مجرد ضيوف عابرين، بل كانا تحديداً في نظر بهاءتجسيداً حياً وباهراً لمعاني الوفاء النادر والتضحية الأسطورية التي أنقذت الحب من الضياع. استرخى يوسف في جلسته فوق الأريكة، ورمق حسن بنظرة مازحة تلمع بالخباثة الأخوية، وسأله مغمزاً - إيه يا أبو علي؟ طمنا.. أم العيال استقبلت العروسة الجديدة إزاي؟ الأجواء ولعت ولا مسيطر؟ هز حسن رأسه بأسى مضحك، وضغط على كفيه كأن السؤال قد نكأ جرحاً نازفاً في كبريائه - اسكت يا يوسف ولا تسألنيش… أنا عايش في مرستان رسمي والله.... أم العيال ساكتة بس عشان كلام الناس والمظاهر، وعايشة في دور الست المظلومة المكسورة المقبوضة، لكن في الكواليس

  • الرحلة 301   البارت الثانى والأربعون

    انتهت للتو من آخر محاضراتها الثقيلة، وضعت سماعات الهاتف في أذنيها بآلية دون أن تُشغّل أي مادة صوتية، فقط لتمنح نفسها درعًا واقيًا وعزلة مؤقتة تفصلها عن ضجيج العالم الخارجي الصاخب. خرجت من القاعة بخطى هادئة، رصينة، وهي تحكم قبضتها على كتبها الجامعية وتضمها إلى صدرها بقوة وكأنها تتشبث بالورق كرفيق وح

  • الرحلة 301   البارت الحادى والأربعون

    كانت تسير مع الفتيات في طريق العودة، لكن روحها غادرت جسدها لتظل معلقة هناك، في المدى الفاصل بين الحلم والواقع. كانت شاردة تماماً، مأخوذة بزلزال داخلي يبعثر طمأنينتها، وتتساءل في سرها بجنون هل ما رأيته في ساحة الدار كان حقيقة ملموسة، أم أن الشوق استبدّ بي فخلق لي من السراب طيفاً؟ حاولت جاهدة أن تنفض

  • الرحلة 301   البارت السابع والثلاثون

    كان الصمت الخانق يخيم على أرجاء المكان ككفنٍ ثقيل، لا يقطعه سوى عويل الرياح المسائية وهي تعبث بعنف بأطراف الستائر القطنية الخفيفة، مفسحة المجال لنظرات القلق الوجل كي تسيطر على وجوه الرجال المحتقنة. وفجأة، انتفض بهاء من سكونه ليقطع هذا الحصار، وعيناه تتقدان بجمر العزم والإصرار الصلب – يا جماعة، لاز

  • الرحلة 301   البارت السادس والثلاثون

    كانت سلمى تجلس فوق ذلك الكرسي الخشبي الوثير، المطرز بعناية فائقة بخيوط الذهب الخالص التي تشابكت كعروق الشمس. تحيط بأثيرها رائحة نفاذة، ساحرة، انبعثت من طقوس الأعشاب البرية الممزوجة ببتلات الورد الجوري المجفف، بينما كان صوت ارتطام أمواج البحر بالصخور يصل إلى مسامعها من بعيد، رخيمًا، كأنه ترتيلة سماو

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status