جميع فصول : الفصل -الفصل 170

190 فصول

الفصل ١٦٠

انغلق الباب الخشبي الثقيل لجناح قصر الظلال ، ليعزل خلفه كل صخب شوارع المدينة و صراعات مكاتب البورصة الجافة. عادت العتمة الهادئة لتلف أرجاء المكان، و لم يكن يضيء عتمة الممر سوى وهج خافت للمدفأة الحجرية التي كانت تنفث دفئاً ناعماً يمتزج مع رائحة عطر يوسف المألوفة .كانت علياء تجلس فوق الأريكة المخملية الواسعة، ترتدي ثوباً حريرياً بحمالات ناعماً باللون الأسود يبرز بياض عنقها و كتفيها. شاردة الذهن قليلاً، تفكر في ترتيبات فستان زفافها الأبيض الذي اختارته مع نور اخيرا ، و الابتسامة العذبة لا تفارق شفتيها.فور أن خطت قدم يوسف داخل الجناح، انتبهت لحضوره ابتسمت فورا كان يوسف يرتدي حلته الرسمية الفاخرة، لكنه نزع سترته و رماها على المقعد القريب براحة، و فك زر قميصه العلوي ليتنفس الصعداء. لم يتكلم؛ بل التقت عيناه المظلمتان الحادتان بعينيها الواسعتين، و سرى بينهما في كسر من الثانية ذلك التجاذب الحار و الشغف غير المكتوم الذي طال غيابه عن حصونهم . خطا يوسف خطواته الرصينة و الفارهة نحوها. تباطأت حركته عندما وقف أمامها مباشرة، و نظر إليها بكثافة حارة و جاذبية طاغي
اقرأ المزيد

الفصل ١٦١

استيقظت علياء مع أولى خيوط الصباح الساطعة، لتجد نفسها ما زالت مستقرة في حضن يوسف الدافئ، و رأسها يستند إلى صدره العريض الذي يتحرك بأنفاس هادئة و منتظمة. تحركت بخفة محاولة النهوض و الابتعاد عن الفراش لتتحرك نحو يومها، إلا أن ذراعه الفارهة امتدت فجأة بجرأة هادئة، لتلتف حول خصرها مجدداً و تجذبها نحو صدره بقوة و عذوبة بالغة لغت كل المسافات.ابتسمت علياء بعفوية، و نظرت إلى ملامحه المسترخية التي تفيض بالتسلية الصباحية، و قالت بنبرة خافتة و رقيقة: — يوسف... اتركني، لابد أن نستيقظ فوراً. لدي ألف مهمة اليوم تخص ترتيبات الزفاف و لا يمكننا التأخير. أغلق يوسف عينيه بتكاسل و محبّة ، و شَدّ على جسدها برفق، و أجاب بنبرته المخملية المنخفضة:— لا أريد النهوض يا جميلتي... كل ما أريده في هذا العالم هو أن نبقى هكذا معاً و للأبد، بعيداً عن صخب الحياه . أزاحت علياء يديه عن خصرها برقة بالغة و تحركت لتجلس على حافة السرير و هي تضحك بصوت ناعم: — لا نستطيع يا سيد يوسف... الوقت يتحرك ضدنا. تنهد يوسف و هو تظاهر بالضيق، و تمتم بملامح كسولة تملؤها التسلية: — مفسدة للمتع
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٢

في تمام السابعة مساءً، كانت السيارة البنتلي السوداء التابعة لمجموعة الكيلاني تقف أمام المدخل الرئيسي للقصر وقف يوسف بجوارها و هو ينظر إلى ساعته للمرة الثالثة خلال دقيقتين. مرر يده في شعره بتململ خفيف. ثم تمتم:— قالت خمس دقائق فقط. بعد عشر دقائق انفتح الباب الكبير للقصر. في هذه اللحظه توقف عن الكلام. نزلت علياء الدرجات الرخامية بهدوء. و لم يشعر إلا بنفسه يحدق. كعادته كل مرة وكأنه لم يعتد رؤيتها بعد. كان الفستان العاجي ينساب حولها بنعومة بسيطة بعيدة عن المبالغة، و شعرها الأسود الطويل يتراقص مع نسمات المساء الخفيفة. توقفت أمامه و رفعت حاجبها. — ماذا يحدث ؟ ما بك؟ ظل صامتاً فلوحت بكفها أمام وجهه. — يوسف؟ رمش أخيراً ثم قال بجدية كاملة: — كنت أحاول تذكر شيء مهم. ضيقت عينيها — ما هو؟ — كيف أتنفس. انفجرت ضاحكة. فضحك هو الآخر. ثم مد يده إليها.— لنذهب قبل أن أقرر إلغاء العشاء بالكامل. وضعت كفها في كفه. — هل انا جميلة لهذه الدرجة؟ — انت دائما الاجمل ابتسمت علياء بهدوء و قال يوسغ — الأن أخشى ان صفوت سيقضي السهرة كلها ينظر إليك بدلاً من العقود و وقتها ربما
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٣

كان مطعم "لا فيرونا" واحداً من أكثر مطاعم ڤالورا فخامة و خصوصية ضواء خافتة، موسيقى هادئة، و نوافذ زجاجية عملاقة تطل على النهر المتلألئ أسفل المدينة .ما إن دخل يوسف و علياء حتى نهض صفوت الزند مرحباً بهما بابتسامته الهادئة المعتادة. رجل في منصف الثلاثينات قصير ملامحه هادئه ابتسم لهم بترحيب أما دينا فقد نهضت هي الأخرى . ابتسمت. لكن علياء لم تعرف لماذا شعرت أن هناك شيئاً ما قد تغير. لم يكن في ملامح دينا شيء واضح، و لا في نبرة صوتها، و مع ذلك... كان هناك شيء بارد خلف تلك الابتسامة المتكلفه تبادل الجميع التحية و جلسوا حول الطاولة. بدأ الحديث بصورة مريحة في البداية، و كان صفوت بارعاً في إدارة الأجواء؛ يتحدث قليلاً، و يستمع كثيراً، و يعرف كيف يجعل الجميع يشعر بالارتياح. بعد دقائق رفع يوسف كأس الماء و قال مبتسماً: — «بالمناسبة، أعتقد أن دينا أنقذت المشروع هذا الأسبوع.»ضحكت دينا بخفة: — « لم افعل السيد يوسف يبالغ كعادته.» — «أبداً.»تدخل صفوت ضاحكاً — «لا تصدقيها يا علياء. لقد رأيتها تجعل ثلاثة مستشارين قانونيين يعيدون كتابة تقرير كامل خلال ساعة واحدة.»
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٤

اندهشت علياء من هجوم دينا غير المبرر و قبل ان ترد التفتت دينا إلى يوسف بعد ذلك، و أضافت بابتسامة باهتة: — «علياء كانت دائماً مختلفة... الناس يحبون مساعدتها بشكل غريب، حتى قبل أن تطلب المساعدة بنفسها.» ضحك يوسف و عيناه تلمعان بمحبّة: — «هذه موهبة جميلة جداً.» علّقت دينا و هي تحرك كوبها: — «نعم... جميلة جداً. بعض الناس يقضون أعمارهم كاملة يحاولون إثبات أنفسهم و كفاءتهم، و بعض الناس يكفي أن يدخلوا الغرفة فقط لتُفتح لهم كل الأبواب صامتة.» لا أحد من الرجال علق على الجملة أو التفت لمغزاها الخفي؛ لكن علياء شعرت بها كالسهم المباشر الذي غُرس في كبريائها ماذا يحدث لها اليوم تسألت علياء بينها و بين نفسها بدأت تدرك بدقة مجهرية أن الأمر ليس مجرد صدفة عابرة، و لا مجرد سوء فهم بسيط لروتين العمل؛ هناك شيء ما حاقد و جاف يتملّك دينا الليلة، شيء بارد لم تستطع فهمه أو تفكيك شفراته بعد.قطع أفكارها المشتتة صوت صفوت الزند بلهجته الدبلوماسية المعتادة: — «بالمناسبة يا سيد يوسف ... كيف تسير ترتيبات الزفاف الفخمة معكم؟» ابتسم يوسف و نظر إلى علياء برق
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٥

في صباح اليوم التالي، كان الطابق الأخير من برج آل الألفي غارقاً في هدوء ثقيل لا يشبه هدوء الصباحات المعتادة. خلف الجدران الزجاجية العازلة للصوت، جلس سليم الألفي وحده في مكتبه الواسع. كان ينظر عبر النافذة الممتدة من الأرض حتى السقف نحو المدينة التي بدأت تستيقظ ببطء.مدينة كاملة تتحرك، تتنفس، وتظن أن يومها سيمر طبيعياً. أما هو... فكان يعلم أن شيئاً ما بدأ يتحرك تحت السطح؛ شيء لن يراه أحد حتى يفوت الأوان. صدر صوت خافت من خلفه. فُتح الباب، و دخل شخصان، ثم أُغلق الباب مجدداً. و لم يتبادل أي منهم التحية؛ فلم يكن هذا النوع من الاجتماعات يحتاج إلى مجاملات أو بروتوكولات تقليدية. استدار سليم ببطء عن النافذة، و تقدم نحو مكتبه، ثم جلس بوقاره الصارم. أما الزائران فبقيا في الظل القريب، كأن وجودهما نفسه لا يجب أن يُسجل في ذاكرة المكان أو أروقة البرج. مرت ثوانٍ طويلة من الصمت الثقيل، قبل أن يسأل سليم بهدوء: — «هل ظهرت أي مشكلة؟» أجاب أحد الأشخاص بصوت منخفض:— «لا.» سأل سليم للتأكيد — «أي شيء غير متوقع؟» اجاب الظل — «حتى الآن... لا.» ظل سليم يراقبه بعينين مظلم
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٦

مرّت الأيام التالية بهدوء غريب هدوء من النوع الذي يجعل الإنسان يطمئن رغماً عنه. كانت علياء تقضي معظم وقتها بين تصاميم الفساتين و قوائم الضيوف و ترتيبات الزفاف التي لم يعد يفصلها عنها سوى عشرة أيام . أما يوسف فكان يغيب لساعات طويلة خارج القصر، غارقاً بين الاجتماعات و العقود و المراجعات الخاصة بمشروع الطاقة الجديد اراد ان ينتهي من الجزء الهام من تأسيس المشروع قبل الزفاف وعدها يوسف انه سيكون لهما شهر عسل مميز و اخبرها انه سيحمل مفاجأة لها ستسعدها كل شيء كان طبيعياً. هادئاً و مستقراً ومع ذلك... لم تستطع علياء التخلص من ذلك الشعور الثقيل الذي رافقها منذ عشاء "لا فيرونا". كلما تذكرت دينا شعرت بشيء غير مريح تلك الغصه المؤلمه ايام الجامعه كانت دينا تغار منها و لكن بعد التخرج وشق كل منهم طريقه في الحياه لم تعد علياء تنشغل بهذه الامور في صباح ذلك اليوم... قطع رنين الهاتف أفكارها. نظرت إلى الشاشة فتجمدت أصابعها. دينا ظلت تحدق بالاسم لثواني . ثم أجابت — صباح الخير. لم يصلها رد. فقط صوت أنفاس متوترة متقطعة. كأن الطرف الآخر كان يجري أو يبكي أو
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٧

انطلقت علياء بسيارتها عبر شوارع ڤالورا و هي تشعر أن شيئاً ما لا يستقيم. طوال الطريق كانت تستعيد نبرة دينا المرتبكة عبر الهاتف لم تكن تعرف ما الذي حدث. لكنها كانت متأكدة أن الأمر كبير. كبير لدرجة جعلت دينا تطلب رؤيتها فوراً. وصلت إلى البناية بعد أقل من عشرين دقيقة. أوقفت السيارة بسرعة و صعدت الدرجات بخطوات متعجلة. و عندما وصلت إلى باب الشقة ضغطت الجرس بعد لحظات انفتح الباب. و تجمدت علياء.... لم تكن هذه هي دينا التي تحدثت معها قبل قليل. لا أثر للدموع.. و لا أثر للذعر.. و لا حتى للارتباك. كانت ترتدي ملابسها بعناية و شعرها مرتب كعادته. بل إن ملامحها بدت هادئة تماما. عقدت علياء حاجبيها بحنق شديد، و تراجعت خطوة للخلف قائلة بنبرة حادة:— دينا؟ دينا كانت تقف بكامل ثباتها، و هندامها ، و على شفتيها ارتسمت ابتسامة باردة... ابتسامة تقطر شماتة و سخرية مالت دينا رأسها ببرود، و سندت يدها على حافة الباب بتسلية لا ترحم، و أجابت بصوت منخفض و مخملي: — «عليكِ بالدخول أولاً يا عزيزتي..ف الحقائق لا تناقش علي عتبات الممرات تفضلي و ازاحت دينا يديها عن الباب لتفسح المجال ل علياء
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٨

أزاحت علياء نظراتها المشتتة عن الباب المغلق الذي غادرت منه دينا، و التفتت بكامل جسدها نحو الطاولة المستديرة حيث استقر الملف الأسود . تقدمت خطوتين، و بأصابع ترتجف من فرط الحنق، أشارت بسبابتها نحو الأوراق و قالت بنبرة جليدية حادة: — «ما هذا يا سليم؟ ما الذي تحاول العبث به مجدداً لماذا تعبث داخل ممرات حياتي؟» سحب سليم نفساً عميقاً و ثقيلاً، و أمال رأسه ببرود ممتع لا يرحم، و أجاب بصوت منخفض و هادئ شق سكون الغرفة: — «هذا الملف بالتحديد يا علياء... هو الوثيقة الرسمية التي ستضمن دخول يوسف الكيلاني خلف جدران السجن لخمسين عاماً على الأقل، و سيعلن إفلاس إمبراطوريته بالكامل و تتلاشى أصوله في السوق في أقل من يومين، إذا ظهرت هذه السطور للعلن و أمام جهات التحقيق الرسميه .» تجمدت الأنفاس في صدر علياء بالكامل، و سرى تيار مرعب من الذعر الخالص في أوصالها. شعرت بغيظ حارق يعتصر قلبها، و تلاشت كل حصونها لتصرخ في وجهه بسبّ مباشر و علني جرد الغرفة من وقارها: — «أنت رجل قذر يا سليم! سافل و خسيس! تظن أن أكاذيبك و تلفيقاتك الرخيصة ستهز شعرة واحدة من نفوذ يوسف أو تجعل
اقرأ المزيد

الفصل ١٦٩

حين تبلغ قسوة الأيام ذروتها، تضطر القلوب النقية لارتداء أقنعة القسوة، لحماية الأرواح التي تعشقها من الموت صامتاً. خرجت علياء من بناية دينا و كأن الهواء قد اختفى من العالم. لم تشعر كيف وصلت إلى السيارة. و لا كيف أغلقت الباب خلفها. كل ما كانت تشعر به هو ثقل الملف الأسود المستقر فوق حجرها. بقيت لدقائق طويلة تحدق أمامها دون أن تدير المحرك. ثم فتحت الملف مرة أخرى. للمرة الثالثة. وربما الرابعة. وكأنها تبحث عن خطأ. عن ثغرة. عن شيء واحد يثبت أن سليم يكذب. لكن كلما قلبت صفحة ازداد قلبها هبوطاً. تحويلات..... حسابات.... أختام. توقيعات إلكترونية. أرقام لا تفهم نصفها لكنها تفهم جيداً أنها تبدو حقيقية بصورة مرعبة. أغلقت الملف بعنف. وألقت رأسها على المقود.— مستحيل... همست بها لنفسها. — مستحيل يا يوسف... لكن حتى هي لم تكن تعرف هل كانت تقصد استحالة أن يكون مذنباً... أم استحالة أن ينجو من هذا الملف. عندما عادت إلى القصر كانت قد استنزفت كل طاقتها. فتحت الباب و دخلت. فوجدت يوسف جالساً في الصالة يراجع بعض الأوراق. رفع رأسه فور سماعه خطواتها. و بمجرد أن وقعت عيناه عليها عقد ح
اقرأ المزيد
السابق
1
...
141516171819
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status