الوحدة لا تعني أن تبقى دون أشخاص… أحيانًا تعني أن يبقى معك الشيء الخطأ لفترة طويلة جدًا.” كان المطر يهطل بهدوء فوق نوافذ الشقة القديمة، صوت قطراته منتظم بشكل يكاد يكون مريحًا، لولا ذلك الإحساس الثقيل الذي يملأ المكان كل ليلة. ذلك الإحساس نفسه. إحساس أن هناك من يراقبها. رفعت ثراء عينيها ببطء عن اللوحة أمامها، ثم نظرت نحو زاوية المرسم المظلمة. لا شيء. مجرد ظلال ساكنة. تنفست ببطء وهي تعيد خصلة شعر طويلة خلف أذنها، محاولة تجاهل القشعريرة التي زحفت أسفل رقبتها دون سبب واضح. الساعة تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل. كعادتها. كانت دائمًا تعمل ليلًا. الليل أكثر رحمة من النهار، وأكثر صدقًا أيضًا. في النهار تضطر لسماع أصوات البشر، مجاملاتهم، نظرات الشفقة التي تكرهها منذ وفاة والديها. أما الليل… فالليل لا يسأل شيئًا. الليل فقط يراقب. ابتسمت بسخرية صغيرة من الفكرة، ثم أعادت نظرها إلى اللوحة أمامها. نفس الرجل مجددًا. تنهدت بضيق. “ليس مرة أخرى…” همست بها وهي تضع الفرشاة جانبًا. منذ أشهر وهي تحاول رسم وجه مختلف. أي وجه. لكن في كل مرة ينتهي بها الأمر وهي ترسمه هو. رجل لا تعرفه.
Last Updated : 2026-05-24 Read more