LOGINلم تنم ثراء مجددًا تلك الليلة.
بقيت جالسة فوق الأرض الباردة داخل المرسم، تضم ساقيها إلى صدرها بينما تحدق في اللوحة بصمت طويل، وكأنها تنتظر أن تتحرك أمامها في أي لحظة. ذلك الخط الصغير… بداية العين. كان لا يزال موجودًا. حقيقيًا. واضحًا. ورغم بساطته، شعرت نحوه بخوف أكبر من أي شيء آخر. لأنها لم ترسمه. كانت متأكدة من ذلك. مدت يدها ببطء نحو اللوحة، ثم لمست الخط الأسود بأطراف أصابعها. جاف الآن. لكنها أقسمت أنه كان رطبًا قبل دقائق. سحبت يدها سريعًا وكأن شيئًا ما قد لسعها. ثم نهضت بتوتر واتجهت نحو الحمام الصغير. فتحت المياه الباردة وغسلت وجهها بسرعة، محاولة طرد ذلك الشعور الثقيل الذي التصق بصدرها منذ استيقاظها. “أنتِ مرهقة فقط…” قالتها لنفسها وهي ترفع رأسها نحو المرآة. لكن الكلمات فقدت تأثيرها منذ زمن. لم تعد تصدق نفسها أصلًا. نظرت إلى انعكاسها قليلًا. وجه شاحب. عينان عسليتان متعبتان تحيط بهما هالات خفيفة. وشعر طويل فوضوي ينسدل فوق كتفيها. كانت جميلة. هذا ما كان الجميع يقوله دائمًا. لكنها لم ترَ نفسها هكذا يومًا. كل ما كانت تراه داخل المرآة… هو شخص يبدو وحيدًا أكثر من اللازم. أخفضت نظرها نحو يديها. أصابعها ترتجف قليلًا. تنهدت ثم أطفأت المياه وعادت إلى المرسم. اللوحة كانت لا تزال هناك. تراقبها. أحيانًا كانت تشعر أن الرسومات داخل شقتها تملك عيونًا حقيقية. وخصوصًا لوحاته هو. اقتربت منها مجددًا رغم خوفها. الخط الأسود الصغير جعل الوجه يبدو أكثر حياة بشكل مزعج. كأن مجرد بداية عين واحدة كانت كافية لتحويل الرسم إلى شيء… موجود. مررت أصابعها فوق بقية ملامحه. الفك الحاد. الشفاه الهادئة. خصلات الشعر الداكنة. لماذا ترسمه دائمًا؟ ولماذا يبدو مألوفًا لهذه الدرجة؟ أغمضت عينيها للحظة. وفورًا… عاد الحلم إليها. الضباب. البرد. وذلك الشعور الغريب بالأمان قربه. فتحت عينيها بسرعة. لا. يجب أن تتوقف عن التفكير فيه. ابتعدت عن اللوحة بعصبية، ثم بدأت تجمع الفوضى المبعثرة فوق الطاولة في محاولة لإشغال عقلها. لكنها كانت تشعر به. ذلك الحضور الغامض. كأن شخصًا يقف عند باب المرسم ويراقبها بصمت. التفتت بسرعة. لا أحد. تنهدت بتوتر. ثم نظرت نحو الساعة. الرابعة والنصف فجرًا. “رائع.” همست بسخرية مرهقة. لن تنام مجددًا بالتأكيد. في السابعة صباحًا تقريبًا، كانت ثراء تقف أمام ماكينة القهوة في المطبخ بعينين نصف مغلقتين. المطر توقف أخيرًا. لكن السماء بقيت رمادية وكئيبة. تمامًا كما تحبها. ارتشفت قليلًا من قهوتها بينما تسند ظهرها إلى الرخامة، ثم أغلقت عينيها للحظة. خطأ. لأنها رأته فورًا. عينان فضيتان وسط الظلام. فتحت عينيها بسرعة حتى انسكب جزء من القهوة فوق يدها. “آه!” وضعت الكوب بعنف فوق الطاولة وهي تلهث. ما الذي يحدث لها؟ أصبحت تراه حتى وهي مستيقظة الآن؟ مررت يدها فوق وجهها بإرهاق. ربما تحتاج للنوم فقط. أو ربما… لطبيب نفسي. ضحكت بخفوت ساخر من الفكرة. “تخيلي أن تدخلي عيادة وتخبري الطبيب أنكِ واقعة في هوس رجل لا تتذكرين وجهه أصلًا.” هزت رأسها وهي تحمل كوبها وتتجه نحو غرفة المعيشة. شقتها قديمة لكنها مريحة. جدران بلون عاجي باهت. أثاث بسيط. رفوف مليئة بالكتب. ونباتات صغيرة تهتم بها أكثر مما تهتم بنفسها. لكن أكثر ما يميز المكان… هو اللوحات. لوحاتها في كل زاوية. نساء يبكين. أيدٍ متشابكة. ظلال طويلة. وأجزاء من وجه رجل مجهول. أحيانًا كانت تشعر أنها لا ترسم بإرادتها أصلًا. كأن شيئًا داخلها يقود يدها دون وعي. جلست فوق الأريكة وهي تنظر نحو إحدى اللوحات المعلقة أمامها. مجرد رسم سريع بالقلم. لشخص يقف وسط الضباب. ورغم أن ملامحه غير واضحة… إلا أن قلبها انقبض فور رؤيته. أخرجت نفسًا بطيئًا. ثم فجأة… رن هاتفها. انتفضت بخفة قبل أن تلتقطه بسرعة. “ألو؟” — “أخيرًا رديتِ.” تنهدت ثراء براحة بسيطة عندما سمعت صوت صديقتها الوحيدة، ليان. “كنتِ نائمة؟” “أتمنى.” ضحكت ليان بخفة. — “لا تقولي إنكِ بقيتِ ترسمين طوال الليل مجددًا.” نظرت ثراء نحو المرسم بصمت قصير. “تقريبًا.” — “ثراء… أنتِ تحتاجين للخروج من تلك الشقة أحيانًا.” ابتسمت بخفوت. “أنا بخير.” — “أنتِ تقولين هذا دائمًا.” سكتت ثراء للحظة قبل أن تقول: “ليان…” — “مم؟” “هل سبق وشعرتِ أن شخصًا يراقبك طوال الوقت؟” ساد الصمت لثوانٍ. ثم ضحكت ليان. — “هذا السؤال مخيف جدًا الساعة سبعة الصبح.” لكن ثراء لم تضحك. لاحظت ليان ذلك فورًا. — “ثراء؟” تنهدت الأخيرة وهي تمرر يدها فوق شعرها. “لا شيء… انسَي الأمر.” — “هل عادت الكوابيس؟” أغمضت عينيها للحظة. “هي لم تختف أصلًا.” صمتت ليان قليلًا ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا: — “أنتِ ما زلتِ تفكرين في نفس الرجل؟” شعرت ثراء بقلبها ينقبض. “أراه كل ليلة تقريبًا.” — “لكنكِ لا تعرفينه.” “أعرف.” — “إذن لماذا ترسمينه دائمًا؟” نظرت نحو اللوحة القريبة منها. ثم همست دون وعي: “لأنني أشعر أنه حقيقي.” ساد الصمت مجددًا. قبل أن تقول ليان بلطف: — “ثراء… الأحلام ليست دائمًا رسائل.” لكن ثراء لم ترد. لأن جزءًا منها كان يشعر أن هذا ليس مجرد حلم. أبدًا. حل المساء ببطء. والسماء عادت تمطر من جديد. كانت ثراء جالسة داخل المرسم، ترتدي قميصًا أبيض واسعًا وسروالًا قطنيًا داكنًا بينما تعقد شعرها الطويل بشكل عشوائي. أمامها اللوحة نفسها. الوجه نفسه. والعين الناقصة نفسها. أخذت نفسًا عميقًا ثم رفعت الفرشاة. “حسنًا…” همست بها. “لنرَ إن كنت سأفشل مجددًا.” بدأت ترسم ببطء. خطوط خفيفة. ظل خافت. ثم توقفت. شيء ما خطأ. ضيقت عينيها قليلًا. هي تعرف شكل عينيه. متأكدة من ذلك. تشعر به داخل رأسها بوضوح… لكن فور محاولة رسمهما… يختفي كل شيء. كأن عقلها يُمحى فجأة. ارتجفت أصابعها قليلًا. ثم… جاءها ذلك الإحساس مجددًا. أنفاس. خلفها مباشرة. توقفت الفرشاة في يدها. قلبها بدأ يخفق ببطء مؤلم. لا تلتفتي. لكنها التفتت بسرعة. لا أحد. المرسم فارغ. “تبًا…” همست بها وهي تضع الفرشاة بعنف. ثم نهضت واتجهت نحو النافذة محاولة التقاط أنفاسها. المطر بالخارج كان قويًا الآن. قطراته تضرب الزجاج بعنف. وفجأة… رأت انعكاسًا خلفها. رجل طويل يقف داخل المرسم. شهقت واستدارت بعنف. لا أحد. عاد الصمت. لكن هذه المرة… كانت متأكدة أنها رأته. وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ضربات قلبها. ثم سمعت الصوت. خفيف جدًا. كأنه خرج من مكان بعيد. “ثراء…” توقفت أنفاسها. كان صوت رجل. منخفض. هادئ. ومؤلم بطريقة غريبة. استدارت ببطء نحو المرسم. الظلال في الزوايا بدت أعمق من المعتاد. كأن الضوء لم يعد يصل إليها بالكامل. “من هناك؟” خرج صوتها مرتعشًا. لا إجابة. لكنها شعرت بشيء يتحرك قربها. شيء بارد مر بمحاذاة ذراعها بخفة. شهقت وتراجعت خطوة للخلف. ثم… سقطت إحدى الفرش فوق الأرض وحدها. تجمدت. كانت بعيدة عن حافة الطاولة. مستحيل أن تسقط وحدها. شعرت بالبرد يزحف داخل عظامها. “هذا ليس حقيقيًا…” همست بها. لكن قبل أن تتحرك… وصلتها رائحة خفيفة. مطر. ودخان بارد. نفس الرائحة. نفسها تمامًا. الرائحة التي ترافق أحلامه دائمًا. اتسعت عيناها ببطء. ثم… شعرت بلمسة خفيفة جدًا تمر فوق شعرها. كأن أحدهم مرر أصابعه بين خصلاته ببطء. ارتجف جسدها بالكامل. واختنقت أنفاسها داخل صدرها. لم يكن خوفًا فقط. كان شيئًا آخر. شعورًا دافئًا ومؤلمًا في الوقت نفسه. شعورًا جعل قلبها يرتجف بطريقة لم تفهمها. أغمضت عينيها دون وعي. وفي تلك اللحظة… سمعت الهمس قرب أذنها مباشرة. قريب جدًا. “اقتربتِ أكثر الليلة…” فتحت عينيها بعنف واستدارت بسرعة. لا أحد. لكن… اللوحة خلفها تغيّرت مجددًا. لأن الخط الأسود الصغير… أصبح يشبه عينًا أكثر من السابق.مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها
ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث
لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير
استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل
لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل
بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل







