เข้าสู่ระบบكانت الساعة تقترب من الرابعة فجرًا حين أدركت ثراء أنها لن تنام.
مرة أخرى. جلست فوق أرضية المرسم الباردة، تسند ظهرها إلى الأريكة الصغيرة بينما تحتضن ركبتيها بصمت. المطر بالخارج عاد من جديد. قطراته تضرب زجاج النوافذ بإيقاع بطيء يشبه الطرقات. والشقة… هادئة أكثر من اللازم. تلك النوعية من الهدوء التي تجعل الإنسان يشعر أن شيئًا سيئًا يختبئ خلفها. رفعت عينيها نحو اللوحة الموضوعة أمامها. لوحة الرجل ذاته. ملامحه أصبحت أوضح بكثير الآن. الفك الحاد. الشعر الداكن الطويل نسبيًا. الرقبة القوية. والعين الفضية التي بدأت تكتمل ببطء مخيف. كل يوم تضيف اللوحة شيئًا جديدًا وحدها. أو هكذا كانت تشعر. وفي كل مرة… كان يبدو أكثر جمالًا. وأكثر واقعية. وأكثر خطورة على عقلها. أغمضت عينيها بإرهاق. ثم همست لنفسها: “أنا أفقد عقلي فعلًا…” لكن حتى تلك الجملة لم تعد تخيفها كما السابق. ربما لأن جزءًا منها… بدأ يتقبل الأمر. وهذا ما كان مرعبًا. رن هاتفها فجأة. انتفضت بخفة قبل أن تلتقطه بسرعة. ليان. ضغطت زر الإجابة فورًا. “ألو؟” — “أنتِ مستيقظة، صح؟” كان صوت ليان متعبًا قليلًا، وكأنها خرجت للتو من مناوبة طويلة. ابتسمت ثراء بخفوت. “هل أصبح الأمر واضحًا لهذه الدرجة؟” ضحكت ليان بخفة. — “أعرفكِ أكثر مما تعتقدين.” ساد صمت قصير. ثم قالت ليان بنبرة أكثر هدوءًا: — “هل نمتِ اليوم أصلًا؟” نظرت ثراء نحو اللوحة بصمت. “ليس كثيرًا.” — “ثراء…” عرفت تلك النبرة فورًا. نبرة “القلق”. تنهدت وهي تمرر يدها داخل شعرها الطويل. “أنا بخير.” — “وأنا ملكة بريطانيا.” ضحكت ثراء رغماً عنها للمرة الأولى منذ أيام. لكن ليان لم تضحك. — “أنا جادة. أنتِ تختفين منذ أسبوع تقريبًا. لا تردين على الرسائل، ولا تخرجين، وصوتكِ مرهق جدًا.” أخفضت ثراء نظرها نحو أصابعها. كانت ترتجف قليلًا. “مجرد ضغط.” — “هل عادت الأحلام؟” تجمدت للحظة. ثم همست: “لم تختفِ أصلًا.” ساد الصمت. ثم جاء صوت ليان أهدأ هذه المرة: — “ثراء… هل ما زلتِ ترينه؟” نظرت ثراء نحو اللوحة مرة أخرى. قلبها انقبض ببطء. “نعم.” — “نفس الرجل؟” “نعم.” — “هل تتذكرين وجهه أخيرًا؟” ابتلعت ريقها بصعوبة. “بعضه فقط.” — “أنتِ ترسمينه مجددًا، صح؟” لم تجب. لكن صمتها كان كافيًا. تنهدت ليان طويلًا. — “سآتي غدًا.” “ليان…” — “لا نقاش.” ورغم عناد صوتها… شعرت ثراء بدفء خفيف داخل صدرها. ليان كانت الشيء الوحيد الطبيعي المتبقي في حياتها. الشيء الوحيد الذي يجعلها تشعر أنها ما زالت مرتبطة بالعالم الحقيقي. بعد ساعة تقريبًا… كانت ثراء تحاول الرسم مجددًا. جلست أمام اللوحة بينما ضوء الأباجورة البرتقالي الخافت ينعكس فوق بشرتها البيضاء. أخذت نفسًا بطيئًا. ثم رفعت الفرشاة. “عين واحدة فقط…” همست بها لنفسها. “ارسمي العين فقط.” اقتربت الفرشاة من اللوحة. لكن فورًا… اختفى كل شيء داخل عقلها. كأن أحدهم محا صورته عمدًا. ارتجفت أنفاسها بضيق. “لا…” أغمضت عينيها بقوة محاولة التذكر. ثم فجأة… رأته. عينان فضيتان وسط الضباب. نظرة ثابتة عليها. هادئة. وحزينة بشكل غريب. شهقت بخفة وفتحت عينيها بسرعة. وضعت الفرشاة فوق اللوحة بعشوائية. خط أسود سريع. ثم آخر. ثم توقفت فجأة. اتسعت عيناها ببطء. لأن الخطوط التي رسمتها… كانت صحيحة. لأول مرة. حدقة العين بدأت تظهر بوضوح. فضية. باردة. وجميلة بشكل مؤلم. شعرت بقلبها يرتجف داخل صدرها. “كيف…؟” همست بها. ثم جاءها ذلك الإحساس مجددًا. الحضور. هذه المرة أقوى. أقرب. حتى الهواء داخل المرسم أصبح أبرد. ارتعشت أصابعها ببطء. لا تلتفتي. لكنها التفتت. لا أحد. المرسم فارغ. لكن الظلال داخل الزوايا… بدت أعمق من المعتاد. وكأن الضوء لم يعد يصل إليها بالكامل. ثم… تحركت إحدى اللوحات. تجمدت أنفاسها. اللوحة المعلقة قرب الباب اهتزت وحدها بخفة. ثم استقرت. نهضت ثراء ببطء. قلبها بدأ يخفق بعنف. “من هناك؟” خرج صوتها أضعف مما أرادت. الصمت. لكنها شعرت بشيء يتحرك خلفها مباشرة. شيء طويل. بارد. قريب جدًا. اتسعت عيناها. ثم… مرت نسمة باردة فوق عنقها. واختنقت أنفاسها. الرائحة. مطر. ودخان بارد. أغمضت عينيها فورًا. لا. لا يمكن أن يكون هنا. ثم جاءها الهمس. منخفض جدًا. قرب أذنها تمامًا. “ثراء…” ارتجف جسدها بالكامل. ذلك الصوت… كل مرة تسمعه فيها… تشعر أن قلبها يعرفه أكثر من عقلها. فتحت عينيها بسرعة واستدارت بعنف. لا أحد. لكن شيئًا كان مختلفًا هذه المرة. النافذة. كانت مفتوحة. الستائر البيضاء تتحرك مع الريح الباردة. رغم أنها متأكدة أنها أغلقتها قبل قليل. اقتربت منها ببطء. ثم تجمدت. هناك أثر يد سوداء خفيفة فوق الزجاج. أكبر من يد إنسان طبيعي. تراجعت فورًا وهي تشعر بالبرد يزحف داخل عظامها. ثم فجأة… انطفأت الأنوار. شهقت بعنف. غرقت الشقة بالكامل في الظلام. وأصبح صوت المطر أعلى. وأقرب. حتى شعرت وكأن العالم كله اختفى… ولم يتبقَ سوى الظلام حولها. ثم بدأت تسمع الأصوات. همسات بعيدة. كلمات غير مفهومة. أصوات كثيرة جدًا تتحدث في الوقت نفسه. وضعت يديها فوق أذنيها بفزع. “توقفوا…” لكن الأصوات ازدادت. ثم وسط كل تلك الهمسات… سمعت صوته وحده بوضوح. هادئ. ومنخفض. “لا تنصتي لهم.” اختفت الأصوات فجأة. واتسعت عيناها ببطء. في اللحظة نفسها… عادت الكهرباء. تراجعت للخلف تلهث. المرسم عاد طبيعيًا. اللوحات ثابتة. لا وجود لأي شيء. لكن… على اللوحة أمامها… كانت العين الثانية قد بدأت تظهر. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في عالم السُدُم… كانت السماء تنزف ظلامًا. الشقوق الفضية العملاقة التي تملأ السماء أصبحت أوسع من السابق، والضباب الأسود يتحرك بعنف بين الأبراج والممرات. مدينة الظلال كلها تشعر بالخطر. الكائنات داخل السُدُم لا تخاف بسهولة. لكن الليلة… حتى الظلال كانت مضطربة. وقف آسر أعلى البرج الأسود المطل على المدينة، عباءته الطويلة تتحرك مع الرياح الباردة. عيناه الفضيتان مثبتتان على الشق الأعظم في السماء. وكان يشعر بها. بوضوح. ثراء اقتربت أكثر الليلة. أكثر مما يجب. اقترب كِيان منه بخطوات سريعة هذه المرة. وعلى غير عادته… بدا متوترًا. “لقد بدأت الظلال تعبر.” قالها فورًا. ظل آسر صامتًا. فأكمل كِيان: “أنت تعرف ما يعنيه هذا.” نعم. يعرف. حين يضعف الحاجز… لا تعبر كائنات السُدُم فقط. بل تعبر أيضًا: الكائنات المنسية. الأشياء التي حُبست خلف الظلال منذ الحرب الأولى. اقترب كِيان أكثر. “المجلس يريد إغلاق الرابط فورًا.” أغمض آسر عينيه للحظة. فظهرت صورتها داخل ذهنه مجددًا. ثراء. وحدها داخل المرسم. خائفة… لكنها ما زالت تحاول رسمه. ارتجف شيء داخله بعنف هادئ. ثم فتح عينيه ببطء. “لن أؤذيها.” قالها بهدوء مخيف. لكن كِيان هز رأسه. “الأمر لم يعد متعلقًا بك وحدك.” ثم رفع نظره نحو السماء المتشققة. وفي اللحظة نفسها… ظهر شيء داخل أحد الشقوق. عين ضخمة سوداء فتحت نفسها ببطء داخل السماء. عين ليست بشرية. ولا تنتمي لكائن حي طبيعي. عين جعلت مدينة السُدُم بأكملها تصمت. همس كِيان أخيرًا: “لقد استيقظ الحارس…”مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها
ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث
لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير
استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل
لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل
بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل