Masukلم تكن ثراء تعرف متى بدأ الأمر بالضبط.
هل بدأ منذ الطفولة؟ منذ أول مرة استيقظت فيها وهي تشعر بأن أحدًا يجلس قرب سريرها؟ أم منذ وفاة والديها، حين أصبحت الوحدة شيئًا حيًا ينام معها ويستيقظ معها؟ أم أنه بدأ عندما رأت ذلك الرجل لأول مرة داخل أحلامها؟ لم تعد تعرف. لكن ما كانت تعرفه جيدًا… أن الأمور لم تعد طبيعية. وقفت أمام اللوحة لفترة طويلة دون حركة. العين المرسومة لم تكن مكتملة بالكامل، لكنها أصبحت أوضح من قبل. خط منحني داكن. ظل خفيف حوله. وكأن شخصًا بدأ يرسم العين ثم توقف عمدًا. شعرت بقلبها يخفق ببطء مؤلم. هي لم ترسم هذا. كانت متأكدة. لكن المشكلة الحقيقية… أن جزءًا منها لم يعد متأكدًا من أي شيء. ابتعدت عن اللوحة بسرعة، ثم التقطت قطعة قماش وغطتها بعنف. “كفى.” قالتها بصوت مرتجف. كأنها تتحدث مع اللوحة نفسها. أو مع عقلها. أو مع الشيء الذي يراقبها كل ليلة. اتجهت نحو المطبخ وهي تحاول تجاهل الرعشة الخفيفة داخل أصابعها. كانت تشعر بالإرهاق. ليس إرهاق الجسد فقط… بل ذلك النوع من التعب الذي يصيب الروح. أعدّت كوبًا جديدًا من القهوة ثم جلست فوق الرخامة بصمت. الشقة هادئة جدًا. هادئة أكثر من اللازم. حتى صوت الثلاجة القديمة بدا بعيدًا. نظرت نحو النافذة. السماء سوداء بالكامل تقريبًا، والمطر لم يتوقف منذ الأمس. كانت تحب المطر سابقًا. أما الآن… فأصبح مرتبطًا به. بهذا الحضور الغامض الذي يظهر كلما هطل المطر. تنهدت وهي تمرر يدها فوق وجهها. “أنا أتوهم.” قالتها بحزم هذه المرة. “هذا كله بسبب الضغط وقلة النوم.” لكن عقلها خانها فورًا. لأنها تذكرت الهمس. اقتربتِ أكثر الليلة… أغمضت عينيها بقوة. صوته بدا حقيقيًا جدًا. دافئًا. هادئًا. ومخيفًا بشكل لا يوصف. ليس لأنه مرعب… بل لأنه لم يجعلها تشعر بالخوف فقط. وهذا أكثر ما أرعبها. في الثانية صباحًا… كانت ثراء مستلقية فوق سريرها تحاول النوم دون جدوى. الغرفة مظلمة إلا من ضوء الشارع الخافت المتسلل عبر الستائر. تقلبت بضيق ثم زفرت بتعب. النوم أصبح معركة مؤخرًا. كلما أغلقت عينيها… شعرت أنه قريب. أحيانًا تسمع أنفاسًا. أحيانًا تشعر بحركة خفيفة فوق شعرها. وأحيانًا تستيقظ متأكدة أن أحدهم كان يحدق بها. نظرت نحو سقف الغرفة بصمت. ثم همست لنفسها: “لو كنت مجرد حلم… لماذا أشعر بك هكذا؟” لم تتوقع إجابة. لكن الغرفة أصبحت أبرد فجأة. توقفت أنفاسها للحظة. ثم ببطء شديد… شعرت بالفراش ينخفض قليلًا خلفها. كأن أحدًا جلس على طرف السرير. اتسعت عيناها فورًا. كل عضلة داخل جسدها تجمدت. لا تتحركي. لكن أنفاسها بدأت تتسارع رغماً عنها. هل تنظر خلفها؟ هل تهرب؟ هل تصرخ؟ لم تستطع فعل أي شيء. ثم… وصلتها الرائحة. مطر. ودخان بارد. أغلقت عينيها فورًا. لا. لا. هذا ليس حقيقيًا. شعرت بقشعريرة تسري فوق ذراعها عندما مرت نسمة باردة قرب عنقها. ثم… أنفاس. هادئة جدًا. قريبة من شعرها. اختنقت أنفاسها داخل صدرها. كانت متأكدة الآن. هناك أحد خلفها. لكن الغريب… أنها لم تشعر بالخطر. بل بذلك الإحساس نفسه الذي يرافق أحلامها. الأمان. وهو ما أخافها أكثر من أي شيء آخر. ارتجفت أصابعها فوق الغطاء. ثم سمعت الصوت. منخفضًا جدًا. وكأنه خرج من الظلام نفسه. “ثراء…” شعرت بقلبها يتوقف للحظة. الصوت… هو نفسه. نفس الصوت الذي سمعته داخل المرسم. هادئ. عميق. وحزين بطريقة غريبة. أغمضت عينيها بقوة أكبر. “من أنت…؟” همست بها بصعوبة. ساد الصمت لثوانٍ طويلة. ثم شعرت بحركة خفيفة خلفها. كأن الشخص اقترب أكثر. حتى أصبحت البرودة تحيط بجسدها بالكامل. ثم جاءها الهمس قرب أذنها مباشرة: “ما زلتِ لا تتذكرينني…” شهقت ثراء بعنف واستدارت بسرعة. الغرفة فارغة. لا أحد فوق السرير. لا أحد قرب النافذة. لا شيء. جلست تلهث وهي تنظر حولها بجنون. ثم انتبهت لشيء. الستائر تتحرك. رغم أن النافذة مغلقة تمامًا. ابتلعت ريقها بصعوبة. ثم نهضت بسرعة وأضاءت الغرفة بالكامل. الضوء جعل كل شيء يبدو طبيعيًا مجددًا. سريرها. خزانتها. الكتب المكدسة قرب الحائط. لا وجود لأي شخص. ومع ذلك… الرائحة ما زالت موجودة. وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة نفسها. “أنا أفقد عقلي…” لكن حتى وهي تقولها… لم تصدقها بالكامل. في الصباح، حاولت التصرف بشكل طبيعي. أخذت حمامًا طويلًا. ربطت شعرها. وارتدت فستانًا أبيض بسيطًا قبل أن تغادر الشقة لأول مرة منذ أيام. الهواء بالخارج كان باردًا ومنعشًا بعد المطر. الشارع مزدحم قليلًا. أصوات الناس والسيارات أعطتها شعورًا مؤقتًا بالأمان. كأن وجود البشر حولها يطرد ذلك الإحساس الثقيل. دخلت المقهى الصغير المعتاد وجلست قرب النافذة. “قهوة؟” رفعت عينيها نحو النادل ثم أومأت بخفة. “كابتشينو.” ابتسم الشاب وغادر. أسندت رأسها إلى الزجاج وهي تزفر ببطء. تحتاج للراحة. للنوم. وربما للتوقف عن الرسم لبعض الوقت. لكن الفكرة وحدها جعلت شيئًا داخلها ينقبض. كأنها لو توقفت عن رسمه… ستخسره. تجمدت أفكارها فورًا. ستخسره؟ كيف تخاف فقدان شخص لا تعرفه أصلًا؟ أخفضت نظرها نحو يديها بصمت. ثم انتبهت فجأة إلى رجل يجلس في الجهة المقابلة من الشارع. يرتدي معطفًا أسود طويلًا. ورغم المسافة… شعرت أنه ينظر إليها مباشرة. تسارع نبضها فورًا. ضيقت عينيها تحاول رؤية وجهه بوضوح. لكن المطر الخفيف والزجاج المشوش جعلا ملامحه غير واضحة. فقط… شعرت أنها تعرفه. نهضت بسرعة دون وعي. وفي اللحظة التي خرج فيها النادل بالقهوة… اختفى الرجل. توقفت مكانها. نظرت حولها بسرعة. الشارع مزدحم. ولا أثر له. “آنسة؟” التفتت نحو النادل الذي نظر لها باستغراب. “قهوَتك.” رمشت عدة مرات ثم جلست مجددًا. لا. لا يمكن أن يكون موجودًا فعلًا. هذا مستحيل. لكن قلبها… لم يتوقف عن الخفقان بعنف حتى بعد دقائق طويلة. عادت إلى شقتها قبل الغروب بقليل. وأول شيء فعلته… هو التوجه نحو المرسم. توقفت أمام اللوحة المغطاة بالقماش الأسود. ثم سحبت الغطاء ببطء. وتجمدت. العين أصبحت أوضح. اتسعت عيناها بصدمة. هذه المرة لم يكن مجرد خط. بل جزء كامل من عين. ظل رمادي خافت. رموش داكنة. ولمعة فضية بالكاد تُرى. تراجعت خطوة للخلف. “لا…” همست بها. يدها بدأت ترتجف. هي لم ترسم هذا. لم تلمس اللوحة منذ الأمس أصلًا. اقتربت ببطء. ثم رفعت يدها نحو العين المرسومة. وقبل أن تلمسها… شعرت بشيء خلفها. حضور ثقيل. هادئ. قريب جدًا. توقفت أنفاسها. هذه المرة لم تحتج للالتفات كي تعرف. هو هنا. أغمضت عينيها ببطء. ثم… شعرت بتيار بارد يمر فوق شعرها. كأن أصابع غير مرئية تحركه برفق. وقلبها… خانها مجددًا. لأنه لم يشعر بالخوف فقط. بل بالاشتياق أيضًا.مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها
ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث
لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير
استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل
لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل
بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل
بدأت الليلة بهدوءٍ ناعم.هدوء يشبه تلك اللحظات القليلة التي تسمح فيها الحياة لثراء أن تتنفس دون خوف.كانت جالسة فوق أرضية المرسم، ساقاها مطويتان أسفلها، بينما تنتشر اللوحات حولها في كل مكان.كلها له.آسر.وجهه.عيناه الفضيتان.ملامحه التي أصبحت تحفظها أكثر من ملامحها هي.أما آسر…فكان مستلقيًا فوق
مرّت الأيام التالية بهدوء غريب.هدوء لم تعتده ثراء في حياتها.لا كوابيس تمزق نومها.لا ذلك الشعور الثقيل بأن شيئًا يراقبها من العتمة.ولا الوحدة التي كانت تبتلعها كل ليلة منذ طفولتها.لأن آسر أصبح هنا.جزءًا من أيامها.من تفاصيلها الصغيرة.من أنفاسها نفسها.حتى إنها أحيانًا كانت تنسى أنه ليس بشريًا
لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعد أن غفت ليان في الخارج، وحتى بعد أن هدأ المطر، وحتى بعد أن خمدت أصوات المدينة تمامًا…بقيت مستيقظة بين ذراعي آسر.تفكر.كلماته ما زالت تدور داخل رأسها بلا رحمة.“قد أموت.”كلما تذكرتها شعرت بشيء ينهار داخل صدرها.كانت مستلقية فوقه، بينما يده تمر ببطء داخل شعرها الطويل
كان المطر يهطل بهدوء تلك الليلة. قطرات ناعمة تضرب زجاج النوافذ بإيقاعٍ مريح، بينما المدينة بأكملها غارقة في سكونٍ رمادي ثقيل. أما داخل شقة ثراء… فكان العالم مختلفًا تمامًا. دافئًا. هادئًا. وممتلئًا بشيء لم تعرفه ثراء يومًا قبل آسر. الحنان. استيقظت ثراء قرب الفجر على إحساس ناعم يتحرك داخل ش







