共有

شرارة من الدفئ

last update 公開日: 2026-05-28 22:12:28

كان الصباح في قصر إدريان باردًا على نحوٍ يليق بلقب صاحبه.

الضباب يتسلّل بين نوافذ القاعات الحجرية، يلفّ التماثيل القديمة برداءٍ من الغموض، فيما تدقّ الساعة الضخمة في برج القصر معلنة بداية يومٍ جديد.

استيقظت ريم وهي تشعر بالضيق من برودة الغرفة رغم المدفأة المشتعلة.

تسللت من السرير، وارتدت فستانًا بسيطًا بلون الخزامى، ربطت شعرها بشريطٍ بنفسجي وقالت لنفسها بابتسامة:

"ما دام راسي ما تجمّدش، نقدر نبدأ النهار بخير!"

في الحديقة الخلفية، كانت الخادمة مارغريت تُرتّب الأزهار بمساعدة طفلٍ صغير من خدم القصر يُدعى “توماس”.

كان في وجهه شقاوة بريئة وعينان زرقاوان تشعّان بالذكاء.

وقفت ريم تراقبهما من بعيد وهي تحمل دفترها الصغير، ثم اقتربت بخطواتٍ خفيفة.

– «صباح الخير!»

التفت توماس بحماس:

– «صباح النور، سيدتي ريم!»

– «أها! اليوم لغتي تمام؟»

– «قليلًا!» قال وهو يضحك.

جلست قربه على العشب، وساعدته في ترتيب الزهور.

لكن فجأة، سمعوا صراخًا خافتًا قادمًا من جهة الإسطبل.

ركض توماس بسرعة، وركضت ريم خلفه دون تردد.

في الداخل، كان أحد العمال قد سقط من فوق السلم أثناء تثبيت الحبال على ظهر حصانٍ هائج.

كان الدم يسيل من رأسه، والرجال يحاولون تهدئة الفوضى، فيما الحصان يدور بعنفٍ في مكانه.

صرخت ريم بالجزائرية:

– «يا ربي! ما تروحو عليه! خلوه! الحيوان راه خايِف!»

تجمّد الجميع لحظة — لم يفهموا كلمة واحدة، لكن نبرة صوتها كانت حازمة بشكلٍ جعلهم يتوقفون فورًا.

تقدمت بخطواتٍ واثقة نحو الحصان، مدت يدها نحوه ببطء، وهمست بلغتها الأم بصوتٍ حنون:

– «شوف، شوف فيا… ما تخافش، ما راح يديرولك والو… راني هنا.»

كأن الحصان فهمها. توقف عن الرفس، أخذ يلهث بهدوء، وعيونه تتقلّص تدريجيًا.

وضعت يدها على عنقه تمسّده برفقٍ، ثم التفتت إلى الرجال وقالت بلغتهم بصوتٍ ثابت:

– «الآن يمكنكم مساعدته… لكن بهدوء، أرجوكم.»

هرعوا نحو الرجل الجريح، وبدأوا يسعفونه.

وفي تلك اللحظة، دخل إدريان القاعة بخطواتٍ سريعة بعد أن سمع الضجيج.

نظره البارد جال في المكان، ليتوقف على ريم، تقف وسط الغبار والعرق، شعرها مبعثر قليلًا، ويديها مغطاتان ببعض الدماء من محاولة المساعدة.

قال بصرامة:

– «ما الذي حدث هنا؟!»

أحد الرجال انحنى وقال:

– «الحصان جُنّ يا سيدي، لولا السيدة ريم… لكانت كارثة.»

رفع إدريان حاجبه وهو ينظر إليها:

– «أنتِ؟»

أجابت بخفةٍ وهي تلهث قليلًا:

– «أنا وشكون غيري؟»

ثم تذكّرت بسرعة أنهم لا يفهمون لهجتها، فأضافت:

– «أقصد… نعم، أنا حاولت فقط أن أهدّئه… لم أكن أستطيع الوقوف متفرجة.»

لم يقل شيئًا للحظة.

نظراته كانت صامتة، لكنها مختلفة عن السابق — أقلّ حدّة، أكثر تفكيرًا.

ثم قال بهدوءٍ غريب:

– «أخطرُ الناس… هم الذين يتصرّفون دون خوف.»

ضحكت ريم بخفة وهي تمسح جبينها بمنديلها:

– «ولا أخطر من اللي يعيش يخاف دايمًا، جلالتك.»

مرّت لحظة صمتٍ قصيرة، ثم التفت مغادرًا دون تعليق.

لكن في عينيه تلك المرة، كان هناك شيء… كأن شرارة صغيرة بدأت تشتعل في أعماق الثلج.

في المساء، كان القصر يغرق في صمتٍ مطمئن.

العمال يتحدثون بحماس عن “السيدة التي روّضت الحصان بكلماتٍ غريبة”.

أما إدريان، فكان جالسًا في مكتبه الضخم، أمامه شمعة تتراقص ألسنتها، ودفتره مفتوح.

كتب فيه ببطء:

"إنها لا تشبه أحدًا.

حين تتكلم، يبدو صوتها كأنه من زمنٍ آخر.

حين تضحك، يذوب شيءٌ في قلبي… كنت أظنه مات منذ زمن."

طرق أحدهم الباب، فدخلت مارغريت وهي تحمل صحنًا صغيرًا من الأعشاب الطبية.

– «جلالتك، هذه من السيدة ريم، قالت إنها تساعد في الجروح.»

توقّف للحظة، ثم قال بهدوء:

– «أخبريها… أني شاكر.»

لكن مارغريت ابتسمت بخبثٍ خفيف وقالت:

– «لقد كانت تقصد للعامل المصاب، جلالتك، ليس لك.»

رفع إدريان رأسه ببطء، كأنه استيقظ من شروده، ثم تمتم لنفسه بارتباكٍ نادر:

– «طبعًا… للعامل.»

في تلك الليلة، كانت ريم تجلس في غرفتها تكتب في دفترها الصغير:

"اليوم صارت حاجة غريبة… حسّيت إني فعلاً أنتمي لهنا، ولو للحظة. يمكن الحكاية هذي ما جاتش بالصدفة. يمكن ربّي جابني نذكّر هاد الناس باللي الرحمة ما تحتاج لغة."

رفعت رأسها، نظرت نحو النافذة حيث يلمع ضوء القمر، وهمست:

– «يا جلالتك، قلبك مش ثلج… قلبك متعب برك.»

وفي الشرفة العليا، كان إدريان يقف مجددًا، يراقب نفس القمر، دون أن يدري أنها تنظر إليه في اللحظة ذاتها.

بينهما مسافة زمنٍ كامل، لكن تلك الليلة، بدا كأن شيئًا ما في الكون أخذ نفسًا عميقًا… وبدأ بالتحرك ببطء نحو الدفء.

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • حين ابتلعني الحبر   حين يتمرد القلب على التاج

    لم يكن الفجر قد بزغ بعد حين تسللت ريم من فراشها.شيءٌ ما أيقظها — ليس صوتًا، بل إحساسًا خفيًا بأن شيئًا غير طبيعي يدور في أروقة القصر.ارتدت رداءها الصوفيّ الفاتح، ولفّت شعرها بوشاحٍ حريري بلون الزهر الجاف، ثم خرجت بخفةٍ إلى الممر المظلم.كانت الأروقة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى خشخشة الريح خلف النوافذ الطويلة ذات الزجاج الملوّن.وبينما كانت تخطو بخطواتٍ مترددة، لمحت عند نهاية الممر رجلين من الحرس يتحدثان بصوتٍ خافت:– «الأوامر واضحة… الفتاة تغادر قبل شروق الشمس.»– «لكن الملك لم يصدر أي أمرٍ بذلك!»– «الأوامر من المجلس مباشرة، يا رجل. نحن ننفذ فقط.»تراجعت ريم ببطءٍ، تختنق أنفاسها بين القلق والغضب، ثم تمتمت بلهجةٍ خافتة:– «هاك دايرينها فالسكات؟ تحبّو تسرّبوني كي السّارق؟»كانت تعرف أن الذهاب الآن يعني النهاية… أن تُمحى كأنها لم تكن.لكن أكثر ما جرحها هو أنها لم تُمنح حتى فرصة الوداع.في تلك اللحظة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، أمامه شمعةٌ تكاد تنطفئ.لم يغمض له جفن منذ أخبرها بخطة الإبعاد.بين يديه خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا معلّقتين بصورةٍ صغيرة رسمها بنفسه على ورقٍ قديم — وجه ريم

  • حين ابتلعني الحبر   عطر المؤامرة

    لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب النافذة في جناحها، تحمل فنجان شايٍ دافئ وتراقب الساحة من بعيد.كانت السماء رمادية، والريح الباردة تمرّ كأنها تنذر بشيء.قالت مارغريت وهي تضع وشاحًا على كتفيها:– «لقد تحدثتُ مع إحدى الوصيفات هذا الصباح… يبدو أن الملكة الأم طلبت حضور مجلسٍ خاص الليلة.»– «مجلس؟ وش من مجلس؟»– «مجلس النبلاء. نادرًا ما يجتمع إلا لأمرٍ مهم.»أطرقت ريم رأسها، ثم تمتمت بخفةٍ قلقة:– «أكيد كاين حاجة مش عادية.»في قاعة الملكة الأم، كانت الستائر الثقيلة مسدلة، والشموع تذوب ببطءٍ في حوامل من الفضة.جلست الملكة على عرشٍ صغيرٍ من المخمل الداكن،أمامها بعض اللوردات القدامى، وجانبها اللورد غرينفيل الذي بدا أكثر توترًا من العادة.قالت الملكة بنبرةٍ باردة لا تخلو من الهيبة:– «لقد تركنا الغريبة بيننا فترةً كافية.أنقذت حياة

  • حين ابتلعني الحبر   همسات .... الفجر

    كان الفجر يتسلّل بخجلٍ من خلف أشجار الحديقة الملكية،يلمس أوراق الورد بنعومةٍ كأن السماء تُربّت على الأرض.كل شيءٍ كان ساكنًا، إلا تلك النسمة التي تحرّك أطراف الثوب الأبيض لريم وهي تمشي بخطواتٍ خفيفة على الطريق الحجري المرصوف بالندى.كانت قد استيقظت قبل الجميع.لم تنم إلا قليلًا، فصدى الحفل ما زال يرنّ في أذنيها،ووجه إدريان حين رآها للمرة الأولى في تلك القاعة… ما زال يشغل فكرها أكثر من اللازم.قالت لنفسها وهي ترفع شعرها قليلاً لتتجنب نسمة باردة:"يا ربي، واش راه يدير بيا؟ قلبي ولا يلعب بيه كيما ولاد الحومة بالكرة..."ضحكت بخفةٍ على كلامها، ثم سمعت صوت خطواتٍ خلفها.لم تحتج إلى أن تلتفت لتعرف من هو.– «أيقظتك الريح، أم قلبي المزعج؟»التفتت نحوه، فوجدته يسير نحوها مرتديًا معطفًا أسود طويلًا،وشعره منسدلٌ قليلًا على جبينه، بعينين رماديتين لا تخطئهما العين.– «قلّيت نجي قبل الوقت، ما حبيتش نلقاك تستناني بزاف.»ابتسم وقال:– «مرة أخرى… لم أفهم كلمة.»ضحكت ورفعت حاجبها:– «يعني جيت بكري، ما حبيتش نخليك تستنى.»– «Ah… you came early. You don’t like to make your king wait.»– «ملكي؟ رجعت ليه

  • حين ابتلعني الحبر   ليلة تاج........... والنظرات

    لم تعرف القصور ليلًا أكثر بريقًا من تلك الليلة.كانت الأروقة تتلألأ بآلاف الشموع المعلقة في ثرياتٍ ضخمة تتدلى من الأسقف العالية، كأن النجوم قررت النزول إلى الأرض لتشهد ما سيحدث.الموسيقى تنساب من فرقةٍ راقية خلف الستار، أنغام الكمان تختلط بخفقان القلوب،والنبلاء يرتدون أفضل ما تملكه خزائنهم، يتهامسون، يراقبون، يبتسمون بخبثٍ مخمليّ.كانت هذه الليلة التي سيُعلن فيها إدريان تحالف المملكة مع أمراء الشمال —لكن الهمسات في الممرات لم تكن عن التحالفات، بل عن "الغريبة" التي ستحضر الحفل.عن ريم.في جناحها، وقفت ريم أمام المرآة.تأملت انعكاسها بذهولٍ صغير.لم تكن تلك الفتاة التي دخلت المكتبة يومًا ما في الجزائر ترتدي بنطال جينز وكنزة رمادية...بل امرأة من قصيدةٍ لا تنتمي لزمنٍ محدد.ارتدت فستانًا من الحرير الملكي الأبيض المائل إلى الذهبي، ينساب على جسدها كضوء الفجر،تطريزاته نُسجت بخيوطٍ من اللؤلؤ الصغير،أما شعرها الأسود الطويل فقد رفعت نصفه بأمشاطٍ فضية، وعلّقت على عنقها قلادة بسيطة أهداها إدريان قبل أيامٍ قليلة —لم يقل وقتها إنها هدية، لكنه قال:«وجدتها تشبهك… بسيطة من بعيد، مذهلة حين تقترب

  • حين ابتلعني الحبر   ظل الملكة

    لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»لم تلتفت ريم.ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.قال بسرعة للوزير:– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.– «أردتُ أن أراكِ هذا

  • حين ابتلعني الحبر   دفئ بعد العاصفة

    لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباحٍ سابق.السماء كانت صافية على نحوٍ غريب، كأن المطر غسَل ذنوب القصر بأسره.الحدائق المبللة تلمع كزمردٍ مكنون، والهواء يحمل عبير الأرض بعد المطر — رائحة الحياة نفسها.حين عاد الملك إدريان إلى القصر، كان الكلّ في ذهول.معطفه الممزّق، شعره المبتلّ، والخدش على وجنته — كلها علامات على ليلةٍ لم تُروَ تفاصيلها بعد.لكن ما صدمهم حقًا… أنّ ريم كانت تمشي إلى جواره، بثوبٍ رماديٍّ بسيط، وابتسامةٍ صغيرةٍ رغم التعب، وكأن شيئًا مقدّسًا يجمعهما.تقدّم اللورد غرينفيل بخطواتٍ حذرة:– «جلالتك… الحمد لله على سلامتك. كنا نظنّ أن العاصفة قد…»قاطعه إدريان بصوتٍ حازمٍ لكنه دافئ:– «لقد أنقذتني السيدة ريم. من دونها، لما عدت إلى هنا.»صمت الجميع.ثم قالها بهدوءٍ أربكهم أكثر:– «خلوّها ترتاح، بزاف تعبت.»ارتفعت الحواجب دهشة.حتى ريم نظرت إليه مصدومة قبل أن تبتسم بخفّة:– «وش قلت؟ بزاف؟!»ابتسم إدريان بخفّةٍ نادرة وقال:– «هل قلتها جيّدًا؟»– «ما شاء الله عليك، يا سيدي الملك… صرت تهدر جزائري!»ضحك بعض الخدم في الخفاء، وارتبك البعض الآخر، بينما وقفت الملكة الأم في الشرفة العليا ت

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status