LOGINكان الصباح في قصر إدريان باردًا على نحوٍ يليق بلقب صاحبه.
الضباب يتسلّل بين نوافذ القاعات الحجرية، يلفّ التماثيل القديمة برداءٍ من الغموض، فيما تدقّ الساعة الضخمة في برج القصر معلنة بداية يومٍ جديد. استيقظت ريم وهي تشعر بالضيق من برودة الغرفة رغم المدفأة المشتعلة. تسللت من السرير، وارتدت فستانًا بسيطًا بلون الخزامى، ربطت شعرها بشريطٍ بنفسجي وقالت لنفسها بابتسامة: "ما دام راسي ما تجمّدش، نقدر نبدأ النهار بخير!" في الحديقة الخلفية، كانت الخادمة مارغريت تُرتّب الأزهار بمساعدة طفلٍ صغير من خدم القصر يُدعى “توماس”. كان في وجهه شقاوة بريئة وعينان زرقاوان تشعّان بالذكاء. وقفت ريم تراقبهما من بعيد وهي تحمل دفترها الصغير، ثم اقتربت بخطواتٍ خفيفة. – «صباح الخير!» التفت توماس بحماس: – «صباح النور، سيدتي ريم!» – «أها! اليوم لغتي تمام؟» – «قليلًا!» قال وهو يضحك. جلست قربه على العشب، وساعدته في ترتيب الزهور. لكن فجأة، سمعوا صراخًا خافتًا قادمًا من جهة الإسطبل. ركض توماس بسرعة، وركضت ريم خلفه دون تردد. في الداخل، كان أحد العمال قد سقط من فوق السلم أثناء تثبيت الحبال على ظهر حصانٍ هائج. كان الدم يسيل من رأسه، والرجال يحاولون تهدئة الفوضى، فيما الحصان يدور بعنفٍ في مكانه. صرخت ريم بالجزائرية: – «يا ربي! ما تروحو عليه! خلوه! الحيوان راه خايِف!» تجمّد الجميع لحظة — لم يفهموا كلمة واحدة، لكن نبرة صوتها كانت حازمة بشكلٍ جعلهم يتوقفون فورًا. تقدمت بخطواتٍ واثقة نحو الحصان، مدت يدها نحوه ببطء، وهمست بلغتها الأم بصوتٍ حنون: – «شوف، شوف فيا… ما تخافش، ما راح يديرولك والو… راني هنا.» كأن الحصان فهمها. توقف عن الرفس، أخذ يلهث بهدوء، وعيونه تتقلّص تدريجيًا. وضعت يدها على عنقه تمسّده برفقٍ، ثم التفتت إلى الرجال وقالت بلغتهم بصوتٍ ثابت: – «الآن يمكنكم مساعدته… لكن بهدوء، أرجوكم.» هرعوا نحو الرجل الجريح، وبدأوا يسعفونه. وفي تلك اللحظة، دخل إدريان القاعة بخطواتٍ سريعة بعد أن سمع الضجيج. نظره البارد جال في المكان، ليتوقف على ريم، تقف وسط الغبار والعرق، شعرها مبعثر قليلًا، ويديها مغطاتان ببعض الدماء من محاولة المساعدة. قال بصرامة: – «ما الذي حدث هنا؟!» أحد الرجال انحنى وقال: – «الحصان جُنّ يا سيدي، لولا السيدة ريم… لكانت كارثة.» رفع إدريان حاجبه وهو ينظر إليها: – «أنتِ؟» أجابت بخفةٍ وهي تلهث قليلًا: – «أنا وشكون غيري؟» ثم تذكّرت بسرعة أنهم لا يفهمون لهجتها، فأضافت: – «أقصد… نعم، أنا حاولت فقط أن أهدّئه… لم أكن أستطيع الوقوف متفرجة.» لم يقل شيئًا للحظة. نظراته كانت صامتة، لكنها مختلفة عن السابق — أقلّ حدّة، أكثر تفكيرًا. ثم قال بهدوءٍ غريب: – «أخطرُ الناس… هم الذين يتصرّفون دون خوف.» ضحكت ريم بخفة وهي تمسح جبينها بمنديلها: – «ولا أخطر من اللي يعيش يخاف دايمًا، جلالتك.» مرّت لحظة صمتٍ قصيرة، ثم التفت مغادرًا دون تعليق. لكن في عينيه تلك المرة، كان هناك شيء… كأن شرارة صغيرة بدأت تشتعل في أعماق الثلج. في المساء، كان القصر يغرق في صمتٍ مطمئن. العمال يتحدثون بحماس عن “السيدة التي روّضت الحصان بكلماتٍ غريبة”. أما إدريان، فكان جالسًا في مكتبه الضخم، أمامه شمعة تتراقص ألسنتها، ودفتره مفتوح. كتب فيه ببطء: "إنها لا تشبه أحدًا. حين تتكلم، يبدو صوتها كأنه من زمنٍ آخر. حين تضحك، يذوب شيءٌ في قلبي… كنت أظنه مات منذ زمن." طرق أحدهم الباب، فدخلت مارغريت وهي تحمل صحنًا صغيرًا من الأعشاب الطبية. – «جلالتك، هذه من السيدة ريم، قالت إنها تساعد في الجروح.» توقّف للحظة، ثم قال بهدوء: – «أخبريها… أني شاكر.» لكن مارغريت ابتسمت بخبثٍ خفيف وقالت: – «لقد كانت تقصد للعامل المصاب، جلالتك، ليس لك.» رفع إدريان رأسه ببطء، كأنه استيقظ من شروده، ثم تمتم لنفسه بارتباكٍ نادر: – «طبعًا… للعامل.» في تلك الليلة، كانت ريم تجلس في غرفتها تكتب في دفترها الصغير: "اليوم صارت حاجة غريبة… حسّيت إني فعلاً أنتمي لهنا، ولو للحظة. يمكن الحكاية هذي ما جاتش بالصدفة. يمكن ربّي جابني نذكّر هاد الناس باللي الرحمة ما تحتاج لغة." رفعت رأسها، نظرت نحو النافذة حيث يلمع ضوء القمر، وهمست: – «يا جلالتك، قلبك مش ثلج… قلبك متعب برك.» وفي الشرفة العليا، كان إدريان يقف مجددًا، يراقب نفس القمر، دون أن يدري أنها تنظر إليه في اللحظة ذاتها. بينهما مسافة زمنٍ كامل، لكن تلك الليلة، بدا كأن شيئًا ما في الكون أخذ نفسًا عميقًا… وبدأ بالتحرك ببطء نحو الدفء.ظلَّ الظل واقفًا عند مدخل الطريق السابع.لم يكن يتحرك.ومع ذلك، كان وجوده وحده كافيًا لجعل الغرفة تضيق حولهم.كان بلا وجه، بلا عينين، بلا فم واضح، ومع ذلك شعرَت ريم بأنه ينظر إليها.إليها وحدها.تراجعت خطوة.فقال إدريان دون أن يلتفت إليها:— «ابقَي خلفي.»أطاعت هذه المرة.لم تجادل.لم تقل له إنّه يأمرها كثيرًا، ولم تسخر من لقب أمير الثلج كما اعتادت.لأن شيئًا في ذلك الكائن أخبرها أن الأمر ليس لعبة.رفع إدريان سيفه.كان نصل السيف يعكس الضوء الأزرق الصادر عن الدوائر السبعة.اقترب الظل.خطوة واحدة.وفجأة انطفأ الضوء الأزرق.صرخ سليم:— «لا تدعوه يلمس الأرض!»نظر إليه إدريان باستغراب.— «ماذا؟»— «لا أعرف! فقط لا تدعه يصل إلى الدائرة!»لم يفهم أحد.لكن الظل مدَّ قدمه.وحين لامست الأرض، اهتزت الغرفة بعنف.تساقطت الحجارة من السقف.صرخت ريم:— «يا جماعة! البئر راح يطيح علينا!»قال الجد:— «يجب أن نخرج!»لكن نادر لم يتحرك.كان يراقب الظل بعينين مختلفتين هذه المرة.لم يكن خائفًا فقط.كان يعرفه.قال إدريان:— «نادر! ماذا يكون هذا؟»ظل صامتًا.صرخ إدريان:— «أجبني!»قال نادر أخيرًا:— «إنه الحار
لم يكن الظلام عاديًا.لم يكن مجرد غياب للضوء.كان ظلامًا كثيفًا، كأن الغرفة نفسها ابتلعت آخر شعاع من المصابيح، ثم أغلقت فمها عليهم.ريم لم تعد ترى إدريان.ولا سليم.ولا جدها.حتى صوت أنفاسهم اختفى للحظات.ثم سمعت الصوت من جديد.قريبًا جدًا.— «ريم…»ارتجف قلبها.كان صوت أمها.نفس النبرة.نفس الحنان.حتى الطريقة التي كانت تنطق بها اسمها.مدت ريم يدها أمامها.— «ماما؟»لم يجب أحد.ثم جاء الصوت من الطريق السابع:— «تعالي يا بنتي… أنا هنا.»تقدمت ريم.خطوة واحدة.لكن يدًا أمسكت معصمها.توقفت بعنف.عرفت اليد قبل أن ترى صاحبها.إدريان.قال بصوت منخفض:— «لا تذهبي.»سحبت ريم يدها قليلًا.— «هذا صوت أمي.»— «أعرف.»— «كيف تعرف؟»صمت.ثم قال:— «لأنني سمعت صوتًا يشبه شخصًا فقدته أنا أيضًا.»تجمدت ريم.للمرة الأولى، لم يكن صوته باردًا.كان يحمل شيئًا لم تعهده فيه.ألمًا قديمًا.وقبل أن تسأله، اشتعل ضوء خافت في طرف الغرفة.ظهر سليم.كان يحمل قطعة معدنية متوهجة.— «لا تستمعوا إلى الأصوات.»نظر إليه إدريان.— «لماذا؟»قال سليم:— «لأن الطريق السابع لا يعرض لك ما تريد رؤيته.»ثم نظر إلى ريم.— «بل
لم يتحرك أحد.حتى الهواء في الغرفة الدائرية بدا وكأنه توقف عن المرور بين الجدران.كانت ريم واقفة أمام الكتاب الأسود، تحدق في الصفحة التي لم تعد تحمل كلمات، بل صورة واضحة للرجل الذي ظهر في المرآة قبل لحظات.رجل طويل، يرتدي معطفًا داكنًا، ووجهه نصف غارق في الظل.وفي يده…القطعة المعدنية نفسها.القطعة التي كانت تضيء حين لمسها إدريان.ابتلعت ريم ريقها.— "هذا هو."رفع إدريان عينيه إليها.— "من؟"أشارت إلى الصورة.— "الرجل اللي كان يتبعنا."ثم تذكرت أن إدريان لم يكن يفهم كل كلماتها باللهجة الجزائرية، فأعادت ببطء باللغة التي تعلمتها منه:— "الرجل… الذي كان خلفنا منذ الطريق."لم يجب إدريان فورًا.كان وجهه قد تغير.ذلك الهدوء البارد الذي اشتهر به لم يعد موجودًا بالكامل. حل محله شيء أشد خطورة.الحذر.اقترب من الكتاب، ومد يده نحو الصفحة.لكن قبل أن تلامس أصابعه الورق، انطفأت الصورة.ثم ظهرت جملة واحدة:"لا تثقوا بمن يحمل العلامة."تجمدت ريم.— "ممتاز."نظر إليها إدريان.— "ماذا؟"— "الكتاب يقول لنا ألا نثق في الرجل."توقف قليلًا.ثم قال ببرود:— "والكتاب نفسه ابتلعك وأرسلك إلى هنا."نظرت إليه ر
لم يكن الظلام الذي ابتلعهم ظلامًا عاديًا.كان كثيفًا، ساكنًا، حتى إن ريم شعرت للحظة بأنها لا تنزل داخل بئر، بل تهبط إلى مكان لا ينتمي إلى الأرض أصلًا.كانت يدها قابضة على الحبل بقوة، فيما كانت قدماها تبحثان بحذر عن موضع ثابت في الجدار الحجري.أسفلها كان إدريان.وأمامهما سليم.أما الجد عبد القادر فبقي في الأعلى، بعد أن أقسم أن يبقى قرب الحبل مهما حدث.قال إدريان:— "بهدوء."همست ريم:— "أنا هادئة."— "أنت ترتجفين."— "من البرد."صمت لحظة.ثم قال:— "نحن في الصحراء."تنهدت.— "خلاص، ما عنديش عذر."ضحك سليم من الأسفل.كانت ضحكة قصيرة.لكنها كسرت شيئًا من التوتر.قال:— "على الأقل لم تفقد حس الفكاهة."أجابته ريم:— "لو نفقدها هنا، نضيع."بعد دقائق، لامست قدماها أرضًا صلبة.رفعت المصباح.وتجمدت.لم يكن أسفل البئر حفرة صغيرة كما توقعت.كان هناك ممر كامل.ممر حجري قديم يمتد في الظلام.الجدران مغطاة بنقوش دقيقة.نجوم.أقمار.أبواب.وكتب.اقترب إدريان من أحد الجدران.رفع المصباح.وقال:— "هذه ليست مجرد زخارف."اقتربت ريم.— "واش لقيت؟"أشار إلى نقش صغير.كان يمثل فتاة تحمل كتابًا.وبجانبها رجل
كان الطريق يمتد أمامهم كخيطٍ داكن يشقّ بحرًا من الذهب.منذ أن غادروا المدينة، قلّت المباني شيئًا فشيئًا، حتى اختفت تمامًا، ولم يبقَ حولهم سوى الصحراء.صحراء واسعة، هادئة، مهيبة.كانت الشمس قد ارتفعت، وأخذت الرمال تعكس الضوء حتى اضطر إدريان إلى تضييق عينيه كلما نظر من النافذة.أما ريم، فكانت تحمل القطعة المعدنية في كفها.لم تتركها منذ عثروا عليها أمام باب الغرفة.كانت باردة في البداية.لكنها أصبحت دافئة شيئًا فشيئًا، وكأنها تستجيب لوجودها.أو لوجود إدريان.لم تكن تعرف أي الاحتمالين أكثر إزعاجًا.قال إدريان وهو يراقبها:— "منذ الصباح وأنت تنظرين إليها."— "لأنها غريبة."— "كل ما يتعلق بهذا الكتاب غريب."قلبت القطعة بين أصابعها.— "المشكل أنها ما كانتش تضيء حتى لمستها أنت."نظر إليها بصمت.ثم قال:— "وهذا ما يقلقني."رفعت رأسها.— "علاش؟"— "لأنني لا أعتقد أن الكتاب يختار الأشخاص عشوائيًا."ساد الصمت.لم تجد ريم جوابًا.فهي كانت تفكر في الأمر نفسه منذ الليلة الماضية.إذا كانت الكتب السبعة بوابات، فلماذا اختارها الكتاب الأول؟ولماذا أعاد إدريان معها؟ولماذا ظهرت العلامة عندما لمس هو القطع
لم تتبع ريم الرجل ذو العمامة.ولم يكن ذلك لأنها لم تكن فضولية؛ بل لأن شيئًا في نظرة إدريان جعلها تفهم أن الأمر أكبر من مجرد رجل غريب يراقبهم.قال لها بهدوء:— "لا نتحرك الآن."رفعت حاجبها.— "علاش؟"— "لأننا لا نعرف من يراقب من."نظرت إليه لحظة، ثم ابتسمت رغم توترها.— "راك وليت تحكي كيما رجال المخابرات."— "لا أعرف ما معنى ذلك."— "خير ليك ما تعرفش."لم يفهم.فقط نظر إليها باستغراب.ضحكت ريم، ثم عادت إلى كوب الشاي.بعد دقائق، نهض الجد عبد القادر.— "نروحو."خرج الثلاثة من المقهى، لكن هذه المرة لم يسلكوا الطريق نفسه الذي دخلوا منه.قادهم الجد عبر زقاق ضيق، تحيط به جدران طينية عالية، تتدلى من بعضها نباتات صغيرة جافة.كانت الشمس قد ارتفعت، وأصبح الهواء أكثر حرارة.ومع ذلك، كان الزقاق باردًا نسبيًا بسبب الظلال.أعجب إدريان بطريقة بناء البيوت.اقترب من أحد الجدران وقال:— "من المدهش أن الناس عرفوا كيف يصنعون البرودة من الطين."أجاب الجد دون أن يتوقف:— "الناس زمان كانوا يعرفو يعيشو بلا ما يحتاجو لكل شيء."ترجمت ريم كلامه.ظل إدريان صامتًا.ثم قال:— "ربما كنا نملك أشياء كثيرة، لكننا نسينا
استيقظت ريم باكرًا ذلك الصباح، بعد ليلةٍ طويلة من التفكير والأحلام الغريبة.كان ضوء الشمس يتسلل عبر الستائر المخملية بلونٍ خمريّ، يتراقص على الجدران المزخرفة برسوماتٍ نباتية دقيقة، ويفتح عينيها على واقعٍ لا تزال غير مصدّقة أنه حقيقي.جلست في السرير الفخم، تنظر حولها بدهشةٍ وارتباك:"ما شاء الله! حت
لم تكن ريم تدري هل ينبغي أن تصرخ أم تضحك أم تبكي.كل ما حولها كان يفوق خيالها: الأعمدة المذهّبة، الستائر المخملية الثقيلة بلون النبيذ، الأرضية اللامعة التي تعكس ضوء الثريات الكريستالية.كل شيء يلمع، كل شيء يهمس بالعظمة… وبالغرابة.أما هو، الملك إدريان، فكان يقف أمامها كتمثال من الجليد.قوامه المنتص
كانت القصور في ذلك العصر تُزيَّن كما تُزيَّن الأساطير.في تلك الليلة، كان قصر إدريان يضجّ بالحركة: الخدم يركضون في الممرات حاملين الأطباق الفضية، الشموع تشتعل في الثريات الكريستالية العملاقة، والموسيقى الكلاسيكية تنساب في الأرجاء مثل نهر من الهدوء الملكي.أُقيمت مأدبة فاخرة تكريمًا لبعض النبلاء الق
ااستيقظت ريم على صوت عصافير لم تسمع مثلها من قبل؛ نغمة تشبه الموسيقى أكثر مما تشبه التغريد.أشعة الشمس كانت تتسلل بخجل من بين الستائر الثقيلة، ترسم خطوطًا ذهبية على أرضية الغرفة اللامعة.للحظة، ظنّت أن ما حدث بالأمس كان حلمًا طويلًا، لكن حين فتحت عينيها تمامًا، رأت الفستان الأزرق معلّقًا على المقع







