Share

لغة بين زمنين

last update publish date: 2026-05-28 22:11:17

استيقظت ريم باكرًا ذلك الصباح، بعد ليلةٍ طويلة من التفكير والأحلام الغريبة.

كان ضوء الشمس يتسلل عبر الستائر المخملية بلونٍ خمريّ، يتراقص على الجدران المزخرفة برسوماتٍ نباتية دقيقة، ويفتح عينيها على واقعٍ لا تزال غير مصدّقة أنه حقيقي.

جلست في السرير الفخم، تنظر حولها بدهشةٍ وارتباك:

"ما شاء الله! حتى الوسادة هنا تحسّها من سحاب، مش قطن!"

رفعت الغطاء عنها، ووقفت أمام المرآة الكبيرة التي يحيط بها إطار ذهبي منقوش بعناية.

كانت ترتدي قميص نوم من الحرير الأزرق الفاتح، خفيفًا على بشرتها بطريقة لم تعهدها.

اقتربت من النافذة، ففتحتها بحذر. الهواء البارد حمل معها رائحة الزهور النديّة وصوت العصافير.

قالت لنفسها بصوتٍ خافت:

– «يا ربي… ما كنتش نحلم بهذا العالم، كنت نحسّ روحي جزء منو.»

ثم ضحكت بخفة:

– «بصح ما كنتش نتصور ندخلو حرفيًا!»

دخلت الخادمة مارغريت وهي تحمل صينية الفطور، مليئة بالخبز المحمص والمربى وشاي الأعشاب.

ابتسمت ريم، وقالت بلهجتها المعتادة:

– «صباح الخير، يا مارغريت! واش راكي اليوم؟»

نظرت الخادمة إليها بحيرة، ثم قالت:

– «عذرًا سيدتي… لم أفهم.»

تنهدت ريم وضحكت بخفة:

– «آه، نسيّت! يعني… good morning!»

ابتسمت مارغريت بانحناءة:

– «صباح النور، سيدتي ريم.»

جلست ريم إلى المائدة الصغيرة قرب النافذة، ثم سألتها بالإنجليزية البسيطة التي تعلمتها بسرعة:

– «هل تعرفين إن كان جلالته… مشغول اليوم؟»

– «جلالته دائمًا مشغول، سيدتي. لكنه طلب أن يُرسل لكِ هذا.»

قدّمت لها مارغريت دفترًا جلديًّا أنيقًا، مزيّنًا بزخارف من الفضة.

فتحت ريم الغلاف، فوجدت بداخله ورقة كتب فيها إدريان بخطٍّ متقن:

"لكِ… حتى تدوّني حكاياتك الغريبة. لعلّنا نفهمك يومًا."

رفعت حاجبيها بدهشة، ثم ضحكت بخفة:

– «ما شاء الله عليه! جامد كيما الثلج، وبعدين يكتب كلام كيما الشعر!»

ثم أضافت وهي تبتسم لنفسها:

– «ماشي معقول… يمكن قلبه ما هوش حجر كيما يقولوا.»

قضت ريم الساعات التالية في الحديقة الخلفية للقصر.

كانت تجلس على مقعدٍ رخامي وسط أزهار البنفسج، تمسك الدفتر وتكتب فيه بلغتها:

"اليوم الخامس ليّ هنا. كل شيء جميل، بس غريب. الناس يتكلموا بلغة كيما من الكتب، وأنا نحاول نتعلم. الملك… ما زال غامض، كيما لو عندو جرح قديم مخبّيه ورا العيون الباردة ديالو."

بينما كانت تكتب، لمحت من بعيد إدريان يخرج من الممر الحجري مع أحد الوزراء.

كان يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا، يقف بانتصابٍ وهيبةٍ لا تُشبه أحدًا.

حين مرّ قربها، توقفت لحظة عن الكتابة.

هو أيضًا رآها — لكنه لم يقترب.

بل اكتفى بنظرة سريعة، قصيرة… لكنها طويلة بما يكفي لتُربكها.

قال الوزير بجانبه:

– «ما زالت الغريبة هنا، يا جلالتك. البعض يقول إنها ساحرة، والآخرون يرونها فألًا سيئًا.»

أجابه إدريان ببرود:

– «الجهل يجعل الناس يخافون من كل ما لا يفهمونه.»

ثم تابع السير دون أن يلتفت.

مع مرور الأيام، بدأت ريم تتعلم اللغة القديمة بسرعة.

كانت مارغريت تساعدها كل صباح، وتضحك من محاولاتها العجيبة.

أحيانًا كانت ريم تنطق الكلمة بشكلٍ مضحك، فيتصادف أن يكون معناها غريبًا جدًا.

في أحد الأيام، بينما كانت في المكتبة، جاء إدريان ليجدها تتحدث إلى نفسها بصوتٍ عالٍ.

قالت وهي تراجع الكلمات:

– «Bonjour… لا لا، مش هذي… كيف قالوا؟ Good day؟ ولا My grace؟ لا لا، هذي تاع الملوك!»

ضحك إدريان ضحكة قصيرة لم يسمعها أحد منذ زمنٍ طويل.

قال ساخرًا:

– «هل تتحدثين إلى الكتب أيضًا؟»

التفتت نحوه بارتباك، فوضعت الكتاب جانبًا بسرعة:

– «أوه! لا، كنت غير نحاول نتعلم لغتكم… صعيبة شوي!»

– «صعبة؟» كررها بفضول.

– «يعني… complicated!» قالتها بحركة يديها العفوية.

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم قال:

– «إن كنتِ ذكية بما يكفي لتتحدثي مع الكتب… فستتعلمين لغتنا قريبًا.»

– «أكيد! ما دام الثلج بدا يذوب شوية، نقدر نتفاهم قريب!»

توقّف لحظة، وكأنه لم يصدق جرأتها، ثم تمتم بخفوتٍ:

– «أنتِ غريبة حقًا.»

– «وأنتَ أكثر غرابة مني، يا جلالتك.»

تركها ومشى ببطء، بينما هي ابتسمت بخفة وقالت بصوتٍ منخفض:

– «قال ما عندوش قلب… بصح أنا شفت شرارة في عينيه.»

في المساء، جلست ريم مجددًا قرب المدفأة، تكتب في دفترها الجديد:

"الملك إدريان... أمير الثلج كما يسمونه. يظن أني لا أرى ما يخفيه، لكنه ما يعرفش باللي العيون تفضح أكثر مما تخفي. غدوة نحاول نحكي معاه أكثر، مش بالعقل، لكن بالقلب."

رفعت رأسها نحو النار المشتعلة أمامها، وهمست:

– «يا ربي، واش كاين بيني وبين هذا الرجل؟ جدار من الجليد… ولا مرآة تعكس كل واحد فينا للآخر؟»

وفي الأعلى، في شرفته المعتادة، وقف إدريان ينظر نحو ضوء المدفأة في غرفتها البعيدة، ونسمة باردة تمرّ بين يديه.

"لماذا لا أستطيع التوقف عن التفكير بتلك الغريبة…؟"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حين ابتلعني الحبر   حين يتمرد القلب على التاج

    لم يكن الفجر قد بزغ بعد حين تسللت ريم من فراشها.شيءٌ ما أيقظها — ليس صوتًا، بل إحساسًا خفيًا بأن شيئًا غير طبيعي يدور في أروقة القصر.ارتدت رداءها الصوفيّ الفاتح، ولفّت شعرها بوشاحٍ حريري بلون الزهر الجاف، ثم خرجت بخفةٍ إلى الممر المظلم.كانت الأروقة ساكنة، لا يُسمع فيها سوى خشخشة الريح خلف النوافذ الطويلة ذات الزجاج الملوّن.وبينما كانت تخطو بخطواتٍ مترددة، لمحت عند نهاية الممر رجلين من الحرس يتحدثان بصوتٍ خافت:– «الأوامر واضحة… الفتاة تغادر قبل شروق الشمس.»– «لكن الملك لم يصدر أي أمرٍ بذلك!»– «الأوامر من المجلس مباشرة، يا رجل. نحن ننفذ فقط.»تراجعت ريم ببطءٍ، تختنق أنفاسها بين القلق والغضب، ثم تمتمت بلهجةٍ خافتة:– «هاك دايرينها فالسكات؟ تحبّو تسرّبوني كي السّارق؟»كانت تعرف أن الذهاب الآن يعني النهاية… أن تُمحى كأنها لم تكن.لكن أكثر ما جرحها هو أنها لم تُمنح حتى فرصة الوداع.في تلك اللحظة، كان إدريان جالسًا في مكتبه، أمامه شمعةٌ تكاد تنطفئ.لم يغمض له جفن منذ أخبرها بخطة الإبعاد.بين يديه خريطة المملكة، لكن عينيه كانتا معلّقتين بصورةٍ صغيرة رسمها بنفسه على ورقٍ قديم — وجه ريم

  • حين ابتلعني الحبر   عطر المؤامرة

    لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب النافذة في جناحها، تحمل فنجان شايٍ دافئ وتراقب الساحة من بعيد.كانت السماء رمادية، والريح الباردة تمرّ كأنها تنذر بشيء.قالت مارغريت وهي تضع وشاحًا على كتفيها:– «لقد تحدثتُ مع إحدى الوصيفات هذا الصباح… يبدو أن الملكة الأم طلبت حضور مجلسٍ خاص الليلة.»– «مجلس؟ وش من مجلس؟»– «مجلس النبلاء. نادرًا ما يجتمع إلا لأمرٍ مهم.»أطرقت ريم رأسها، ثم تمتمت بخفةٍ قلقة:– «أكيد كاين حاجة مش عادية.»في قاعة الملكة الأم، كانت الستائر الثقيلة مسدلة، والشموع تذوب ببطءٍ في حوامل من الفضة.جلست الملكة على عرشٍ صغيرٍ من المخمل الداكن،أمامها بعض اللوردات القدامى، وجانبها اللورد غرينفيل الذي بدا أكثر توترًا من العادة.قالت الملكة بنبرةٍ باردة لا تخلو من الهيبة:– «لقد تركنا الغريبة بيننا فترةً كافية.أنقذت حياة

  • حين ابتلعني الحبر   همسات .... الفجر

    كان الفجر يتسلّل بخجلٍ من خلف أشجار الحديقة الملكية،يلمس أوراق الورد بنعومةٍ كأن السماء تُربّت على الأرض.كل شيءٍ كان ساكنًا، إلا تلك النسمة التي تحرّك أطراف الثوب الأبيض لريم وهي تمشي بخطواتٍ خفيفة على الطريق الحجري المرصوف بالندى.كانت قد استيقظت قبل الجميع.لم تنم إلا قليلًا، فصدى الحفل ما زال يرنّ في أذنيها،ووجه إدريان حين رآها للمرة الأولى في تلك القاعة… ما زال يشغل فكرها أكثر من اللازم.قالت لنفسها وهي ترفع شعرها قليلاً لتتجنب نسمة باردة:"يا ربي، واش راه يدير بيا؟ قلبي ولا يلعب بيه كيما ولاد الحومة بالكرة..."ضحكت بخفةٍ على كلامها، ثم سمعت صوت خطواتٍ خلفها.لم تحتج إلى أن تلتفت لتعرف من هو.– «أيقظتك الريح، أم قلبي المزعج؟»التفتت نحوه، فوجدته يسير نحوها مرتديًا معطفًا أسود طويلًا،وشعره منسدلٌ قليلًا على جبينه، بعينين رماديتين لا تخطئهما العين.– «قلّيت نجي قبل الوقت، ما حبيتش نلقاك تستناني بزاف.»ابتسم وقال:– «مرة أخرى… لم أفهم كلمة.»ضحكت ورفعت حاجبها:– «يعني جيت بكري، ما حبيتش نخليك تستنى.»– «Ah… you came early. You don’t like to make your king wait.»– «ملكي؟ رجعت ليه

  • حين ابتلعني الحبر   ليلة تاج........... والنظرات

    لم تعرف القصور ليلًا أكثر بريقًا من تلك الليلة.كانت الأروقة تتلألأ بآلاف الشموع المعلقة في ثرياتٍ ضخمة تتدلى من الأسقف العالية، كأن النجوم قررت النزول إلى الأرض لتشهد ما سيحدث.الموسيقى تنساب من فرقةٍ راقية خلف الستار، أنغام الكمان تختلط بخفقان القلوب،والنبلاء يرتدون أفضل ما تملكه خزائنهم، يتهامسون، يراقبون، يبتسمون بخبثٍ مخمليّ.كانت هذه الليلة التي سيُعلن فيها إدريان تحالف المملكة مع أمراء الشمال —لكن الهمسات في الممرات لم تكن عن التحالفات، بل عن "الغريبة" التي ستحضر الحفل.عن ريم.في جناحها، وقفت ريم أمام المرآة.تأملت انعكاسها بذهولٍ صغير.لم تكن تلك الفتاة التي دخلت المكتبة يومًا ما في الجزائر ترتدي بنطال جينز وكنزة رمادية...بل امرأة من قصيدةٍ لا تنتمي لزمنٍ محدد.ارتدت فستانًا من الحرير الملكي الأبيض المائل إلى الذهبي، ينساب على جسدها كضوء الفجر،تطريزاته نُسجت بخيوطٍ من اللؤلؤ الصغير،أما شعرها الأسود الطويل فقد رفعت نصفه بأمشاطٍ فضية، وعلّقت على عنقها قلادة بسيطة أهداها إدريان قبل أيامٍ قليلة —لم يقل وقتها إنها هدية، لكنه قال:«وجدتها تشبهك… بسيطة من بعيد، مذهلة حين تقترب

  • حين ابتلعني الحبر   ظل الملكة

    لم تكن القصور تُحاك فقط بالرخام والذهب، بل بالهمسات أيضًا.في الأيام الأخيرة، كانت الهمسات كالعاصفة —همسات عن الملك الذي تغيّر، عن نظراتٍ غريبة يوجّهها لغريبته، عن امرأةٍ جاءت من "لا مكان" وسحرت قلب أمير الثلج.في الصباح، كانت الشمس تتسلل عبر النوافذ العالية، ترسم خيوطًا من الضوء على الأرضية الملساء.ريم كانت تمشي في الممر الطويل المؤدي إلى القاعة الكبرى، تحمل بيديها كتابًا قديمًا استعادت من مكتب إدريان.فجأة، توقفت حين سمعت صوت خافت خلف الأعمدة:«يقولون إنها ساحرة… جعلت الملك يضحك.»«بل تقول الخادمة إنها رأته يكرر كلماتها الغريبة!»«قال لها بالأمس “ها واش دايرين”، تخيّلي! الملك بنفسه!»لم تلتفت ريم.ابتسمت بخفةٍ حزينة وأكملت سيرها.لكن داخلها كانت النار تشتعل ببطءٍ — ليس من الغضب، بل من الألم.كم هو صعب أن تُتَّهَم فقط لأنك مختلف.حين دخلت القاعة، وجدت إدريان واقفًا قرب خريطةٍ ضخمة معلّقة على الجدار، يتحدث مع أحد الوزراء.كان صوته قويًّا، ثابتًا، لكن عينيه حين وقعتا عليها تغيّر كل شيء.قال بسرعة للوزير:– «يمكننا مناقشة ذلك لاحقًا.»ثم اقترب منها بخطواتٍ هادئة.– «أردتُ أن أراكِ هذا

  • حين ابتلعني الحبر   دفئ بعد العاصفة

    لم يكن صباح ذلك اليوم يشبه أي صباحٍ سابق.السماء كانت صافية على نحوٍ غريب، كأن المطر غسَل ذنوب القصر بأسره.الحدائق المبللة تلمع كزمردٍ مكنون، والهواء يحمل عبير الأرض بعد المطر — رائحة الحياة نفسها.حين عاد الملك إدريان إلى القصر، كان الكلّ في ذهول.معطفه الممزّق، شعره المبتلّ، والخدش على وجنته — كلها علامات على ليلةٍ لم تُروَ تفاصيلها بعد.لكن ما صدمهم حقًا… أنّ ريم كانت تمشي إلى جواره، بثوبٍ رماديٍّ بسيط، وابتسامةٍ صغيرةٍ رغم التعب، وكأن شيئًا مقدّسًا يجمعهما.تقدّم اللورد غرينفيل بخطواتٍ حذرة:– «جلالتك… الحمد لله على سلامتك. كنا نظنّ أن العاصفة قد…»قاطعه إدريان بصوتٍ حازمٍ لكنه دافئ:– «لقد أنقذتني السيدة ريم. من دونها، لما عدت إلى هنا.»صمت الجميع.ثم قالها بهدوءٍ أربكهم أكثر:– «خلوّها ترتاح، بزاف تعبت.»ارتفعت الحواجب دهشة.حتى ريم نظرت إليه مصدومة قبل أن تبتسم بخفّة:– «وش قلت؟ بزاف؟!»ابتسم إدريان بخفّةٍ نادرة وقال:– «هل قلتها جيّدًا؟»– «ما شاء الله عليك، يا سيدي الملك… صرت تهدر جزائري!»ضحك بعض الخدم في الخفاء، وارتبك البعض الآخر، بينما وقفت الملكة الأم في الشرفة العليا ت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status