All Chapters of خلف اسوار اوزبروك : Chapter 211 - Chapter 220

314 Chapters

الفصل ٢١١

كان الصالون الشرقي لقصر آشبورن غارقًا في هدوئه المعتاد. جلست السيدة صفاء إلى جوار المدفأة الرخامية، ترتشف الشاي في سكينة، بينما كانت إحدى الوصيفات ترتب الزهور البيضاء في المزهرية الكريستالية. وفجأة...انفتح باب الصالون. دخل فارس بخطوات ثابتة، لكن كان في ملامحه شيء جعل الوصيفة تنسحب بصمت قبل أن يُطلب منها ذلك. رفعت صفاء رأسها إليه، وابتسمت ابتسامة خفيفة. —فارس عدت مبكرًا اليوم. لم يجب تقدم حتى وقف أمامها مباشرة. ظل صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء: — جئت لأخبرك بأمر. وضعت صفاء فنجانها جانبًا، وأدركت من نبرته أن الأمر ليس عاديًا. — ما هو اخبرني . قال فارس دون مقدمات:— قررت أن أتزوج. تألقت عيناها فورًا وارتسمت على وجهها ابتسامة رضا حقيقية. — أخيرًا...كنت أعلم أنك ستراجع نفسك. سأرسل إلى آل الجارحي هذا المساء، وسنحدد موعد الخطبة. ديما فتاة مناسبة لمكانتك، وسيكون هذا الزواج بداية مرحلة جديدة... قاطعها فارس بحده:— لم أذكر اسم ديما. توقفت و اختفت الابتسامة تدريجيًا. رفعت عينيها إليه في صمت. فأكمل فارس بالنبرة نفسها: — المرأة التي سأتزوجها هي ليان. ساد الصمت لم تت
Read more

الفصل ٢١٢

مرَّ يومان كاملان منذ المواجهة التي اشتعلت أمام بيت زينة. و خلال هذين اليومين... لم يغادر عاصم الحي القديم إلا لساعات قليلة. كان يقف كل صباح في نهاية الزقاق، يراقب البيت بصمت، ثم يعود مع حلول الليل ليقف في المكان نفسه وكأنه يحرس ذكرى لا منزلًا.لم يعد يذهب إلى عمله في قصر آشبورن ، ولم يعد يهتم إن خسر وظيفته أو راتبه. كل ما كان يشغل عقله سؤال واحد... كيف حال ليان الان ؟ لكن بيت زينة لم يعد كما كان، فقد تحول إلى حصن صغير؛ رجال كرم ينتشرون عند المداخل، وعلى أسطح المنازل المجاورة، وحتى الأزقة المؤدية إلى البيت أصبحت تخضع لمراقبة مشددة . لم يكن أحد يستطيع الدخول ... ولا أحد يستطيع الخروج ، حتى الرجال اللذين اعتدوا زيارة زينة انقطعت زياراتهم تماماً و منعوا من الدخول ، كأن البيت ابتلع من بداخله.وقف عاصم مرات لا تُحصى يراقب النوافذ الخشبية المغلقة، لعلها تفتح، لعلها تظهر للحظة، لعلها ترسل إليه إشارة واحدة تؤكد أنها ما زالت بخير، لكن لم يحدث شيء . ومع مرور الوقت... بدأ الإرهاق ينتصر على جسده؛ وجهه شحب، وعيناه احمرتا من السهر، وثيابه حملت آثار ليلتين
Read more

الفصل ٢١٣

ارتسمت على شفتي وعد ابتسامة صغيرة. وقالت — لقد بحثت عنك. بعض الحراس... وبعض الخدم. كانوا يعلمون أين تسكن. ظل عاصم ينظر إليها ، ثم قال بصرامة: — و لماذا كل هذا لماذا تهتمين الي هذه الدرجة ؟ خفضت وعد بصرها للحظة، ثم رفعت عينيها إليه وتحدثت بصوت بدا رقيقًا: — لأنك اختفيت يا عاصم ظننت أن مكروهًا أصابك. زفر عاصم بضيق، ثم قال وهو يخلع معطفه الثقيل: — لن أعود إلى هذا المكان بعد الان .عقدت وعد حاجبيها ثم قالت بهدوء، لكنها كانت تختبره: — ماذا فعلت بك ليان؟ رفع عاصم رأسه نحوها، فأكملت وهي تراقب ملامحه: — انظر إلى نفسك يا عاصم. خسرت عملك... وتركت حياتك... وأصبحت تقف في الشوارع ليلًا ونهارًا من أجل فتاة اختارت غيرك .اشتدت ملامحه، لكنها لم تتوقف: — لماذا تعذب نفسك؟ إن كانت تحبك حقًا لما تركتك تعيش كل هذا الألم . ولو كانت وفية لوعودها... لما تجولت مع رجل اخر أغمض عاصم عينيه بقوة، كان يحاول ألا يسمع ، لكن كلماتها كانت تخترق تعبه وضعفه . قال أخيرًا بصوت منخفض: — توقفي يا وعد. هزت رأسها: — لن أتوقف، لأنه يجب أن تسمع الحقيقة. ليان لم تكن لك ربما ارادت ان تثير غ
Read more

الفصل ٢١٤

كانت وعد تشق طريقها عبر أزقة الحي القديم بخطوات مترددة، بينما يعلو صوت نبضات قلبها حتى خُيّل إليها أن المارة يستطيعون سماعها. داخل جيب معطفها كانت تخفي الرسالة التي أعطاها لها عاصم قبل ساعات. شدت أصابعها عليها بقوة. لم تكن تخشى أن تُكتشف الرسالة... اكثر مما كانت تخشى أن تنجح المهمة. فكل خطوة تقربها من بيت زينة كانت تزيد النار اشتعالًا داخل صدرها . هي لا تكره ليان فقط لأنها أساءت إليها... بل لأنها أخذت من عاصم كل ما حلمت هي به يومًا. اهتمامه...قلقه... حبه الذي لم تنله هي رغم حبها الجارف له. كانت قد أقنعت نفسها بأنها ذاهبة لتساعد عاصم. لكن الحقيقة التي كانت ترفض الاعتراف بها... أنها كانت تبحث عن سقطة واحدة. سر واحد.... خطأ واحد أي شيء تستطيع أن تضعه أمام عاصم ليقتلع ليان من قلبه إلى الأبد. لقد وافقت على القيام بهذه المهمة الانتحارية فقط لأنها تحب عاصم حباً أعمى ، ومستعدة لرمي نفسها في وسط التهلكة لتنال نظرة رضا واحدة منه، لكن هذا الحب كان يرافقه كره أسود وأعمى يلتهم روحها تجاه ليان. كانت وعْد تشعر أن اللعبة أصبحت أكبر منها بكثير، لكنها لم تكن ترى في ل
Read more

الفصل ٢١٥

تخطت وعْد عتبة المنزل الخشبي، والفضول والحقد يتقاطعان في عينيها وهي تتأمل تفاصيل المكان المريب و الزخرفه الرخيصه . في نهاية الممر ، كانت زينة تقف بزينتها الصارخه المعتادة، فتقدم كرم نحوها وقال بنبرة رسمية: "الآنسة وعد جاءت لرؤية ليان والاطمئنان عليها." رحبت زينة بوعد بابتسامة غامضة لا تخلو من حذر ، ثم قادتها عبر الممر الضيق نحو غرفة ليان . فتحت الباب لتجد وعْد نفسها وجهاً لوجه مع غريمتها؛ كانت ليان قد بدأت تستعيد بعض اللون والحياة إلى وجهها الشاحب بعد مرور ثلاثة أيام كاملة على تدهور حالتها ، لكنها—بناءً على تعليمات فارس الصارمة والمشددة—لم تغادر الفراش قط، وظلت مستلقية بين الأغطية. عندما وقعت عينا ليان على وعد، اضطربت بشدة واهتزت أنفاسها، واستحضرت ذاكرتُها على الفور تفاصيل لقائهما الأخير والصراع الحاد الذي دار بينهما. التفتت وعْد نحوها، ورسمت على شفتيها ابتسامة تهكمية باردة، وقالت بنبرة تقطر زيفاً: "ليان... ما الذي أصابكِ حقاً لترقدي في الفراش هكذا؟" تدخلت زينة بسرعة فائقة لتقطع الطريق على أي فضول، وقالت بنبرة حاسمة وهي ترتب أطراف الغطاء: "ل
Read more

الفصل ٢١٦

أغلقت زينة الباب بعنف فور خروج وعد ، والتفتت نحو السرير وهي تنفث أنفاساً غاضبة متلاحقة، وقالت بنبرة تقطر اشمئزازاً: "يا لها من فتاة حقيرة ومسمومة! جاءت لتنفث سمومها وترحل، ليتني طردتُها منذ اللحظة الأولى التي دفت فيها عتبة هذا المنزل!" لم تتحرك ليان في فراشها، بل كانت تنظر بعينين فارغتين تائهتين نحو الفراغ المحيط بها ، والدموع المحبوسة تجعل عينيها تلمعان بحزن عميق وجارف. أجابت على كلمات زينة بصوت مبحوح وخافت، خرج من أعماق روحها المعذبة: "لا يا زينة... في الواقع أنا هي الحقيرة هنا، أنا الحقيرة الحقيقية في هذه القصة اللعينة." توقفت زينة في مكانها ونظرت إليها بذهول واستنكار، وتقدمت نحوها قائلة بحدة: "هل جننتِ تماماً يا ليان؟ لماذا تفكرين بهذه الطريقة السوداوية؟ هل يُقارن عاصم بالسيد فارس؟ لقد اختاركِ فارس الكيلاني ، سيد قصر اشبورن وصاحب النفوذ والجاه، وتحدى من أجلكِ عائلته ومجتمعه، فكيف تبكين على رجل آخر الآن؟" تنهدت ليان بثقل يعتصر صدرها، والتفتت بوجهها نحو زينة وقالت والدموع تنحدر على وجنتيها: "الأمر لا يتعلق بالمقارنة يا زينة.. جرح عاصم يثقل
Read more

الفصل ٢١٧

نفذت زينة الخطة بحذر؛ توجهت نحو الباب الخلفي حيث كان الحارس يقف متأهباً، ورسمت على وجهها ملامح القلق قائلة: "أيها الحارس.. هل يمكنك مساعدتي في تحريك صندوق خشبي ثقيل للغاية داخل غرفتي؟ إنه يعترض طريقي ولا أقوى على زحزحته بمفردي." نظر إليها الحارس بتردد وقال بنبرة جافة: "ولكني لا أستطيع ترك مكان حراستي بناءً على أوامر السيد فارس الصارمة."ا قتربت منه زينة وقالت بخبث مستدرجة إياه: "يا رجل، الغرفة تقع خلف هذا الباب مباشرة، وإذا اقتحم أحد المكان سيجدك بالداخل تحمينا، هيا لا تكن متصلباً." انطوت الحيلة على الحارس فتحرك معها ودخل المنزل، وفور خطوته الأولى بالداخل ، انسلّت ليان من الظلال بخفة البرق كطيف أسود ، وغادرت عبر الباب الخلفي. بدأت تتحرك برعب وسرعة فائقة في الأزقة الملتوية، حريصة على ألا يلمحها أحد،كان قلبها يخفق بعنف حتى كادت تسمع صوته في أرجاء الزقاق ألقت نظرة سريعة خلفها و جمعت أطراف عباءتها وانطلقت تركض بين الأزقة الضيقة، تتجنب الطرق الرئيسية، وتختبئ كلما سمعت وقع أقدام أو صهيل حصان كان جسدها لا يزال ضعيفًا بعد النزيف، وأنفاسها تتقطع بسرعة،
Read more

الفصل ٢١٨

خفضت ليان رأسها، وأطبقت أصابعها المرتجفة فوق بعضها. لم تستطع النظر في عينيه. أما عاصم، فبقي ينتظر في صمت، وكل ثانية تمر كانت تمزق ما تبقى من صبره. وأخيرًا...خرج صوتها خافتًا، مثقلًا بالألم. — عاصم لا اريد الرحيل انا اسفه لكنني انا وفارس... . قاطعها عاصم وقال بثبات قاوم به انهياره: أنا لا أسألك إن كنت خائفة...ولا إن كانوا يراقبونك... ولا إن كان فارس هددك أنا أسألك... هل تريدين الرحيل معي؟ سالت دمعة فوق خدها. ثم همست:— لا أستطيع. ساد صمت طويل. قال عاصم بحده — لا تستطيعين...أم لا تريدين؟ ارتجفت شفتاها وقالت بصعوبة: —ارجوك اسمعني جئت الليلة حتى لا أبقى مدينة لك. لا استطيع الكذب أكثر من ذلك أنت تستحق معرفة الحقيقة ولو كانت ستؤذيك. أطرق عاصم رأسه قليلًا ثم قال:— حسنا تكلمي. أخذت ليان نفسًا طويلًا. وشعرت أن كل كلمة ستخرج منها ستقتلع جزءًا من روحها. — قبل ان اقابل فارس كنت أظن أن حياتي انتهت. ثم وجدت نفسي في دوامة لم أتخيلها يومًا. واجهت الموت أكثر من مرة... ورأيت من البشر ما لم أكن أظن أنه موجود. كنت أقاوم كل شيء...وأتشبث بالحياه وحيده. رفع عاصم رأسه بسرعة.. لكنها
Read more

الفصل ٢١٩

عادت ليان إلى بيت زينة بخطوات بطيئة ، يكاد الحزن يسحبها إلى الأرض . كان الألم الذي يسكن قلبها كان أشد قسوة من كل أوجاع جسدها. كانت صورة عاصم وهو يغادر الحديقة لا تفارقها. وجهه المكسور...وصوته الغاضب...و تهديداته ونظره الإحتقار التي رماها به توقفت أمام الباب لاحظت اختفاء الحراس ، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تمد يدها المرتجفة نحو المقبض لكن الباب انفتح فجأة من الداخل. تجمدت في مكانها كان فارس يقف أمامها. ملامحه كانت قاسية، وعيناه تقدحان غضبًا وقلقًا في آن واحد. كانت عروق عنقه بارزة بوضوح، وكأنها تشهد على الساعات التي قضاها في البحث عنها خلفه ، وقفت زينة في زاوية الغرفة، شاحبة الوجه، لا تكاد تجرؤ على رفع رأسها، وكأنها تخشى أن تقع عليها ثورة فارس في أي لحظة. ظل فارس ينظر إلى ليان لثوانٍ . ثم قال بصوت مشحونًا بالغضب: — أخبريني ماذا يجب أن أفعل يا ليان؟ أكمل وهو يقترب خطوة: — وضعت عشرة رجال أمام الباب؟ هل أغلق النوافذ و الابواب أيضاً ؟ أم أقيدكِ إلى الفراش حتى تتوقفي عن تعريض نفسك للخطر؟ غادرت للحظات، و عدت لاجدك اختفيتي ! خفضت ليان رأسها. لم تكن تملك ا
Read more

الفصل ٢٢٠

اغلق فارس الباب للمنزل ، ذاك الملجأ السري النائي عن صخب "أوزبورك" وعيون فضولييها . وفور أن أُوصد الباب، بدا وكأن كل آلام الأيام الماضية، وخوف الصراعات، ومرارة الذنب تجاه عاصم قد تلاشت عند العتبة. ساد المكان دفء مألوف، وانبعثت رائحة خشب الصنوبر القديم وعطر الياسمي الجاف الذي كان يذكرهم دائماً بأولى لقاءاتهم السرية.التفت فارس نحو ليان ، وبدت في ضوء الشموع الخافت الذي ينعكس على جدران المنزل كطيف رقيق يحتاج إلى الأمان. لم يمهلها وقتاً للتفكير تقدم نحوها بخطوات بطيئة حافلة بالشوق الجارف، وأحاط خصرها النحيل بذراعيه القويتين ، جاذباً جسدها ليلتصق بصدره العريض ، وكأنه يحاول دمج روحيهما معاً ليحميها من صقيع العالم الخارجي. استسلمت ليان تماماً لدفء أحضانه، ورفعت يديها المرتجفتين لتدفنهما في خصلات شعره المبعثرة، محتمية به كعصفور وجد عشه بعد عاصفة هوجاء. همس فارس بتنهيدة حارقة لامست عنقها: "أنتِ في بيتكِ الآن يا ليان... في مكاننا الوحيد الحقيقي." انحنى برأسه والتقى بشفتيها في قبلة عميقة وطويلة، قبلة نبعت من أعماق أسابيع من الحرمان والخوف من الفقد. ك
Read more
PREV
1
...
2021222324
...
32
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status