All Chapters of في قبضة المهووس : Chapter 51 - Chapter 60

117 Chapters

الفصل الواحد والخمسين

الفصل الواحد والخمسين ظل رافييل ممسكًا بالهاتف، وقلبه يخفق بعنف لم يعهده منذ سنوات. حاول أن يتمالك نفسه. نجح… لكن بصعوبة. شد قبضته بقوة، ثم قال بسرعة، ونبرة صوته تحمل قلقًا لم يستطع إخفاءه: — فاليريا… أين أنتِ الآن؟ نظرت حولها إلى صالة الوصول المزدحمة، ثم أجابت: — خرجت من المطار للتو. أغمض عينيه لثانية، وكأنه يحمد الله أنها لم تبتعد بعد. — اسمعيني جيدًا. كان صوته حازمًا هذه المرة، حزم رجل اعتاد إصدار الأوامر، لكنه امتزج بخوف واضح عليها. — لا تذهبي إلى السفارة.ولا إلى منزل والديك. ولا تخبري أي شخص أنكِ عدت. عقدت حاجبيها باستغراب. — لكن… قاطعها فورًا. — فاليريا. صمتت. فأكمل بنبرة أكثر هدوءًا: — توجهي مباشرة إلى منزلي. سأقابلك هناك. ولا تتوقفي في أي مكان أثناء الطريق، هل فهمتِ؟ شعرت من نبرة صوته أن الأمر أخطر بكثير مما كانت تتخيل. لذلك لم تناقشه. اكتفت بالإجابة: — حسنًا…سأتوجه إلى منزلك. تنفس رافييل بصعوبة. — ابقي هاتفك معكِ. وإذا حدث أي شيء، اتصلي بي فورًا. — حاضر. ساد صمت قصير بينهما. كانت تريد أن تقول له إنها اشتاقت إليه. وأنه كان السبب الوحيد لعودتها.
Read more

الفصل الثاني والخمسين

الفصل الثاني والخمسين ثم أخذ نفسًا عميقًا، وأسند جبينه إلى جبينها. وأغلق عينيه. — لا تعيدي فعلًا كهذا مرة أخرى. أرجوك…لا تجعليني أعيش هذا الخوف مرة ثانية. رفعت يديها ببطء، وأمسكت كفيه بين يديها. ثم همست بصوت مكسور: — كنت أعرف أنك ستغضب. لكنني…كنت سأموت من القلق لو بقيت بعيدة عنك. ولو عاد الزمن… لفعلتها مرة أخرى.لأن مكاني إلى جانبك لا بعيدًا عنك. أغمض رافييل عينيه باستسلام. كان يعلم أن عنادها يشبه عناده. وأنه، مهما عاتبها… فلن يستطيع أن يغضب من المرأة التي عادت، مخاطرةً بكل شيء… فقط لأنها لم تحتمل فكرة أن يواجه الحرب وحده تنهد رافييل طويلًا، وكأن كل كلمات العتاب استنزفت ما بداخله. ثم، دون أن ينطق بحرف، مد ذراعيه نحوها مرة أخرى. اقتربت فاليريا تلقائيًا. احتواها بين ذراعيه، هذه المرة برفقٍ بالغ، وأراح ذقنه فوق رأسها، بينما راحت يده تربت ببطء على ظهرها، في محاولة لتهدئتها… ولتهدئة نفسه أيضًا. أغمض عينيه للحظات. كان يشعر بدقات قلبها المتسارعة، بينما كانت هي تتشبث به بصمت. لو كان الأمر يتعلق به وحده… لتركها إلى جانبه. لكن الحرب لا ترحم. ولا ت
Read more

الفصل الثالث والخمسين

الفصل الثالث والخمسين رفعت عينيها إليه، وقد لمع فيهما الرجاء. — لا تعطِني وعدًا… إن لم تكن تنوي الوفاء به. اقترب منها خطوة. رفع يده، ومسح دموعها بإبهامه، ثم ابتسم تلك الابتسامة الواثقة التي لطالما بثت الطمأنينة في قلبها. — أنا لا أقدم وعودًا لا أستطيع تنفيذها. ثم انحنى، وقبّل جبينها قبلة طويلة. تلتها قبلة رقيقة على شفتيها. ابتعد عنها ببطء، وكأن كل خطوة يبتعدها تنتزع جزءًا من روحه. لكن قبل أن يستدير، أمسك يدها مرة أخيرة، وضغط عليها برفق. — انتظريني…فأنا سأعود. ترك يدها ببطء. واستدار متجهًا نحو سيارته. أما فاليريا… فبقيت واقفة في مكانها، تحتضن أصيص الغاردينيا البيضاء إلى صدرها، وكأنه يحمل نبض قلبه معها. ظلت تراقب السيارة حتى ابتلعتها الطريق الجبلية بين الأشجار. ولم تتحرك من مكانها… إلا بعد أن اختفى آخر أثر لها عن ناظريها. حينها فقط، همست والدموع تنساب بصمت: — سأعتني بها…وسأنتظرك، مهما طال الانتظار. سكونٌ ثقيل خيّم على أرجاء القصر، كأنّ الزمن نفسه توقّف احترامًا لوداعٍ لا يشبه سواه. وقفت فاليريا أمام النافذة الزجاجية الممتدة من الأرض حتى السقف، ت
Read more

الفصل الأربع والخمسين

الفصل الأربع وخمسين لى فاليريا… إن كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أن يومين قد مرا منذ افترقنا. وأعرفكِ جيدًا… أعرف أنكِ تعدّين الساعات، لا الأيام. وتنظرين إلى باب القصر كلما سمعتِ صوت سيارة، على أمل أن أكون أنا. لهذا… أردت أن أصل إليكِ، ولو بكلمات. أو بجاردينيا. تعلمين كم أحببت هذا الزهر… لأنه يشبهكِ. هادئ… ونقي… ويترك أثره في القلب دون أن يطلب شيئًا. هذه ليست مجرد باقة. إنها وعد. إن عدتُ… فستكون أول زهرة أزرعها بيدي في حديقة منزلنا. وسأضحك عندما أراكِ تسقينها أكثر مما تحتاج، خوفًا عليها من الذبول. وإن تأخرتُ… فاجعليها تذكركِ بأن هناك رجلًا أحبكِ بكل ما أوتي من قلب، حتى أصبح اسمكِ دعاءه في كل صباح، وآخر فكرة تراوده قبل أن يغمض عينيه ليلًا. لقد أحببتكِ كما تحب الأرض المطر… بصبر. وبامتنان. وبانتظارٍ لا يعرف اليأس. وإن منحني الله عمرًا بعد هذه الحرب… فلن أضيعه في المعارك. سأقضيه معكِ. لا بصفتي سفيرًا… ولا قائدًا… ولا رجلًا يحمل على كتفيه مسؤولية وطن. بل بصفتي رافييل… الرجل الذي وجد في عينيكِ وطنًا لم يرغب يومًا في مغادرته. وإن كتب الله أن تكون هذه رسا
Read more

الفصل الخامس والخمسين

الفصل الخامس والخمسين وأحيانًا، تمد يدها لتلامس إحدى بتلاتها برفق، ثم تهمس بابتسامةٍ حزينة: — اليوم أيضًا…لم تعد. فتعود الغرفة إلى صمتها من جديد. ذلك الصمت الذي لم يكن يخيفها… لأنها كانت تشعر أن روح رافييل ما زالت تسكن المكان. في الرسالة الموضوعة داخل الدرج. وفي رائحة الغاردينيا التي لم تغادر الغرفة منذ رحيله. وفي الوعد الذي كانت تردده كل ليلة قبل أن تغفو… “سأنتظرك… مهما طال الغياب." كان الصباح يبدأ بالطريقة نفسها كل يوم. تستيقظ فاليريا بهدوء، ترتب الغرفة كما اعتادت، ثم تتجه مباشرة إلى الطاولة الصغيرة المجاورة للنافذة، حيث تقف الغاردينيا البيضاء في إنائها البلوري. تبدل ماءها بعناية. تمرر أصابعها برفق فوق أوراقها وبتلاتها، كأنها تخشى أن تؤلمها. ثم تفتح الدرج الصغير… وتخرج الرسالة. الورقة نفسها. الحروف نفسها. لكنها، في كل مرة، كانت تقرؤها وكأنها تراها لأول مرة. تتوقف عند بعض الجمل طويلًا. تبتسم مرة. وتبكي مرات. وكأنها تحاول أن تستنطق الحبر… أن تنتزع من بين السطور صوت رافييل، أو أن تعيد حضوره للحظات، ولو كان حضورًا من نسج الذكريات. حتى أصبحت الرسالة جزءًا من طقوس
Read more

الفصل السادس والخمسين

الفصل السادس والخمسين رافييل لم يكن مجرد رجلٍ عاد من ساحة معركة. ولم يكن جنديًا نجا من الموت في اللحظة الأخيرة. بل كان قائدًا… رجلًا اعتاد أن يقف في مقدمة العاصفة، وأن ينهض من بين الرماد كلما ظن الجميع أنه سقط. كان يحمل على كتفيه مسؤولية رجالٍ آمنوا به، ووطنًا أقسم أن يحميه، وعائلةً خاطر بكل شيء ليُبقيها بعيدة عن نيران الحرب. لكن… ورغم كل تلك المسؤوليات… كان هناك وعدٌ واحد فقط، رفض أن يسمح للموت أن ينتزعه منه. وعده لفاليريا. لم يكن يقاتل ليبقى حيًا فحسب… كان يقاتل ليعود إليها. ليفتح باب منزله من جديد، ويجدها تنتظره بابتسامتها التي كانت، رغم هدوئها، كفيلة بأن تُنسيه ضجيج العالم كله. كان يريد أن يعود… لا ليُشفى من جراح الحرب. بل ليبدأ معركةً أجمل. معركة بناء حياةٍ معها. منزلٍ يمتلئ برائحة القهوة التي تعدها كل صباح. وحديقةٍ تتوسطها شجيرات الغاردينيا البيضاء التي وعدها أن يزرعها بيديه. وأيامٍ لا يُسمع فيها صوت الرصاص… بل ضحكاتها. ⸻ أما تلك الليلة… فلم تكن تشبه أي ليلةٍ سبقتها. بدت السماء مهيبة على غير عادتها. امتدت فوق قصر الجبل بثوبٍ أسود مرصع بآلاف النجوم، بينم
Read more

الفصل السابع والخمسين

الفصل السابع والخمسين ثم… فُتح الباب الكبير ببطء. وساد صمتٌ عميق، حتى خُيّل للحاضرين أن القصر بأكمله توقف عن التنفس. ظهر رافييل دي فاليريو عند العتبة. كما لم يره أحد من قبل. لم يدخل منهزمًا. ولم يدخل متكئًا على أحد. بل دخل واقفًا… بقامته الشامخة التي لم تنحنِ يومًا إلا احترامًا. كان كتفه الأيسر مضمدًا بإحكام، وتحت سترته السوداء ظهرت آثار الضمادات التي أخفت جراحًا لم يشأ لأحد أن يراها. بدت خطواته أبطأ من المعتاد، يثقلها الألم الذي حاول جسده إخفاءه، لكن كل خطوة كان يخطوها حملت الكبرياء نفسه الذي عرفه الجميع عنه. لم يكن مكسورًا. ولم يكن رجلًا عاد لأنه نجا فحسب. كان قائدًا… عاد بعدما عبر الجحيم، وتركه خلفه. بدا كجبلٍ صمد في وجه الزلزال. اهتزت صخوره… لكنها لم تسقط. وكان في ملامحه ذلك الإرهاق الذي لا يصنعه سوى القتال، غير أن عينيه… عينيه بقيتا كما هما. ثابتتين. حادتين. تمتلئان بعزمٍ لا تعرفه الهزيمة. توقف جميع من في البهو عن الحركة. اصطف الحراس أكثر، وضربوا أقدامهم بالأرض في تحيةٍ عسكرية متزامنة، بينما انحنت رؤوسهم احترامًا للرجل الذي عاد من ساحة المعركة واقفًا. سا
Read more

الفصل الثامن والخمسين

الفصل الثامن والخمسين شهقت… شهقةً صغيرة، لكنها حملت في داخلها كل ما كتمته خلال الأيام الماضية. ولم تحاول أن تقاوم. استسلمت. انسابت دمعة دافئة على خدها ببطء، كأنها اعترافٌ تأخر كثيرًا، حتى أثقله الانتظار. أطبقت أصابعها حول بتلة الغاردينيا بحذرٍ شديد، وكأنها تخشى أن تتفتت بين يديها. ثم رفعت عينيها إليه. كان يقف أمامها… متعبًا. مثقلًا بالجراح. لكنّه ما زال الرجل الذي أحبّته منذ كانت طفلة. ارتجف صوتها وهي تهمس: — كل ليلة…كنت أضع الجاردينيا فوق صدري… وأعدّ أنفاسي.لا لأنجو… بل لأنك وعدت. أخذت خطوة صغيرة نحوه. ثم خطوة أخرى. حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسهما. رفعت يدها المرتجفة، ولمست برفق وجنته التي أنهكها السهر والحرب. — كنت أخاف… أن يأتي يوم أن تستيقظ هذه الزهرة…ولا تستيقظ أنت. كنت أفتح عيني كل صباح، قبل أن أنظر إلى الشمس… أنظر إليها.وأقول في نفسي: “إن كانت ما تزال حيّة… فهو أيضًا حي.” ابتسمت من بين دموعها، ابتسامة هادئة، يختلط فيها الألم بالامتنان. — كانت هذه الزهرة… معجزتي الصغيرة. كلما شعرت أن الخوف سيهزمني…احتضنتها. وكأنني أحتضنك.وكلما اشتقت إلى صوتك… قر
Read more

الفصل التاسع والخمسين

الفصل التاسع والخمسين تلاقت عيناهما للمرة الأخيرة قبل أن تختفي المسافة بينهما. لم يكن بينهما كلامٌ يُقال. فكل ما كان ينبغي أن يُقال… قالته الرسائل. وقالته الدموع. وقاله الانتظار الذي امتد بينهما كعمرٍ كامل. اقترب رافييل ببطء، وكأنه يمنحها الفرصة الأخيرة لتبتعد إن أرادت. لكنها لم تبتعد. بل رفعت وجهها نحوه، وعيناها لا تفارقان عينيه. ابتسم ابتسامةً خافتة، امتزج فيها الإرهاق بالسكينة. ثم مال إليها… وقبّل شفتيها قبلةً هادئة، طويلة، لم تحمل شغف اللقاء فحسب، بل حملت وعدًا قد أوفى به، وحربًا انتهت، وعمرًا جديدًا بدأ بين نبضتين. أغمض عينيه. وأغمضت عينيها معه. وفي تلك اللحظة… اختفى كل شيء. لم تعد تسمع وقع أقدام الحراس. ولا أنفاس الواقفين. ولا همسات العائلة. تلاشت القاعة، والجدران، والسنوات التي فرّقتهما. لم يبقَ سوى دفء شفتيه… ونبض قلبه، وقد عاد أخيرًا إلى المكان الذي ينتمي إليه. أما فاليريا… فشعرت أن صدرها امتلأ بالحياة من جديد. كأن كل يومٍ بكت فيه… وكل ليلةٍ انتظرت فيها… وكل صلاةٍ رفعتها إلى السماء… قد انتهت في هذه القبلة. وحين ابتعد
Read more

الفصل الستين

الفصل الستين بينما في مكانٍ آخر… وقف إدواردو في منتصف باحة القصر، وسط الركام الذي خلّفته المعركة. كان المكان يحمل آثار القتال في كل زاوية؛ جدران متصدعة، وأعمدة سقط جزءٌ منها، وزجاج متناثر يعكس أشعة الشمس الباهتة. أما رائحة الدخان والبارود، فلم تكن قد غادرت المكان بعد. رفع يده ببطء، ومسح ما تبقى من قطرات الدم العالقة على جانب جبينه، ثم ألقى نظرة طويلة حوله. لم يكن الدم كله دمه… بل كان شاهدًا على حربٍ دفعت ثمنها أرواحٌ كثيرة. في الأرجاء، كان رجاله يعملون بلا توقف. بعضهم يرفع الأنقاض، وآخرون يعيدون تثبيت الأبواب والنوافذ، فيما انشغل فريقٌ آخر بإسعاف الجرحى ونقلهم إلى سيارات الإسعاف. ارتفعت أصوات المطارق وآليات الترميم، معلنة أن الحياة بدأت تعود تدريجيًا إلى القصر الذي كاد ينهار. وقف إدواردو صامتًا للحظات، ثم زفر ببطء، وكأن الزفير حمل معه ثقل سنواتٍ كاملة من الصراع. لقد انتهت. انتهت الحرب التي استنزفت الأرواح. وانتهى الرجل الذي بنى سلطته على الخوف والدم. وانتصرت الخطة التي نسجها هو ورافييل بصبرٍ ودقة، رغم كل ما اعترض طريقها من خيانةٍ ومفاجآت. لم يكن الانتصار سهلًا. لقد دفع
Read more
PREV
1
...
45678
...
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status