LOGINالفصل المئة وستة وعشرين مرّت الساعات دون أن يشعر أيٌّ منهما بمرورها.تدريجيًا، انتقل الهدوء من غرفة المعيشة إلى غرفة كرستين، حيث استقرا على سريرها المتوسط الحجم بعد أن غلبهما التعب.كان إدواردو مستلقيًا بهدوء، ورأسه مستندًا إلى جانبها، بينما بقيت كرستين إلى جواره تمرر أصابعها بين خصلات شعره ببطء، في حركة هادئة جعلته يشعر للمرة الأولى منذ وقت طويل أن بإمكانه إغلاق عينيه دون أن يبقى عقله منشغلًا بكل ما ينتظره في الخارج.تحدثا طويلًا.عن أشياء صغيرة لا معنى لها، وأخرى لم يسبق لأيٍّ منهما أن تحدث عنها.حكت له كرستين عن طفولتها في روسيا، وعن الأماكن التي كانت تحلم بزيارتها، وعن دراستها ومشاريعها الجامعية التي كانت تستهلك معظم وقتها.أما إدواردو، فبدأ يشاركها أشياء من حياته لم يكن معتادًا على قولها لأحد.لم يتحدث عن نفوذه أو منصبه أو الماضي الذي جعل اسمه معروفًا لدى كثيرين.تحدث عن نفسه فقط.عن السنوات التي جعلته أكثر قسوة مما أراد.وعن الأشخاص الذين خسرهم.وعن الخوف الذي تعلم أن يخفيه خلف هدوئه.كانت كرستين تستمع إليه دون أن تقاطعه، وكلما توقف قليلًا، عادت أصابعها تتحرك بين شعره، وكأنها ت
الفصل المئة وخمسة وعشرين سحبته كرستين بهدوء نحو الأريكة، حتى جلسا جنبًا إلى جنب، وما إن استقر إدواردو في مكانه حتى بدا وكأن جسده تخلى أخيرًا عن آخر ذرة من التماسك التي كان يتمسك بها.مال برأسه ببطء، وأسنده إلى كتفها.لم تعترض كرستين.بقيت صامتة للحظات، ثم رفعت يدها وبدأت تدلك فروة رأسه بأطراف أصابعها، تمررها بين خصلات شعره ببطء وهدوء، وكأنها تحاول أن تنتزع منه التعب شيئًا فشيئًا.أغمض إدواردو عينيه.لم يكن معتادًا على أن يسمح لأحد برؤية هذا الجانب منه.كان دائمًا الرجل الذي يقف في المقدمة، الذي يتخذ القرارات، والذي لا يملك رفاهية التردد أو الضعف.لكن الليلة…لم يكن يريد أن يكون ذلك الرجل.كان يريد فقط أن يجلس.أن يصمت.وأن يشعر للحظات أن لا أحد ينتظر منه شيئًا.استمرت أصابع كرستين تتحرك بين شعره بهدوء، بينما كان تنفسه يزداد انتظامًا تدريجيًا.راقبته من طرف عينيها، ولاحظت كيف بدأت ملامحه تسترخي شيئًا فشيئًا.قالت بصوت منخفض:— يمكنك أن ترتاح.لا داعي لأن تفكر في أي شيء الآن.لم يجبها في البداية.ظل صامتًا لوقت طويل.ثم فتح عينيه قليلًا، وظل ينظر إلى نقطة بعيدة أمامه.— هل تعلمين ما أك
الفصل المئة وأربعة وعشرينفي مكانٍ آخر…ما إن عبر إدواردو عتبة الشقة، حتى أغلقت كرستين الباب خلفه بهدوء.أشارت له نحو غرفة المعيشة.— تفضل…كانت عيناها لا تفارقانه منذ فتح الباب.شيءٌ فيه كان مختلفًا هذه الليلة.لم يكن الرجل الهادئ الذي اعتادت رؤيته، ولا تلك النظرة الواثقة التي ترافقه أينما ذهب.كان يبدو مرهقًا…مرهقًا بطريقة لم تستطع تفسيرها.الهالات السوداء تحت عينيه كانت أوضح من أي وقت مضى، وملامحه بدت شاحبة، حتى إن ربطة عنقه المرتخية وسترته المفتوحة قليلًا أوحت لها بأنه لم يمنح نفسه دقيقة راحة طوال اليوم.سار ببطء داخل غرفة المعيشة.لم يجلس.ولم يتحدث.ظل واقفًا في مكانه للحظات، وكأنه يحاول جمع أفكاره، بينما كانت كرستين تراقبه بصمت.اقتربت منه خطوة، ثم سألت بصوتٍ خافت:— إدواردو…هل أنت بخير؟رفع رأسه إليها.نظر إليها طويلًا…طويلًا جدًا.وكأنها أول شيء جميل يراه بعد يومٍ لا ينتهي.تحرك ببطء نحوها.خطوة…ثم أخرى…حتى أصبحت المسافة بينهما لا تُذكر.لم تقل شيئًا.كانت تنتظر أن يتكلم.لكن بدلًا من ذلك…رفع ذراعيه ببطء، ثم جذبها إليه فجأة.اتسعت عينا كرستين بدهشة.شعرت بذراعيه تلتفان ح
الفصل المئة وثلاثة وعشرين بعد أن اطمأن الجميع على فلورا، واطمأنوا إلى أن الطبيب سمح لها بالمغادرة بعد أن أوصى بالراحة التامة، بدأت العائلة تودعها واحدًا تلو الآخر. احتضنتها إليسا طويلًا، وكأنها ترفض الابتعاد عنها، بينما أوصتها للمرة العاشرة ألا تبذل أي مجهود، وأن تتصل بها في أي ساعة تحتاج فيها إلى شيء. لورينزو ابتسم لها بحنان وربت على كتفها قائلًا إن البيت سيبقى مفتوحًا لها دائمًا. أما ماريا، فقد قبلت جبينها، وهمست لها ببعض الكلمات الدافئة قبل أن تحتضن فاليريا التي لم تكف عن الابتسام منذ علمت بخبر الحمل. لورينا كانت آخر من اقترب منها. وضعت يديها على وجنتي فلورا، وتأملتها بعينين دامعتين، ثم قالت بابتسامة حنونة: — اعتني بنفسك… فأنتِ لم تعودي مسؤولة عن نفسك فقط. ابتسمت فلورا بخجل، وأومأت برأسها. بعد دقائق… بدأ الجميع يغادرون المستشفى، كلٌّ متجهًا إلى منزله، بعدما تبدل الخوف الذي عاشوه طوال الساعات الماضية إلى راحة وفرح. أما ريان… فلم يترك يد فلورا لحظة واحدة. رافقها حتى باب السيارة، وما إن همّت أن تخطو خطوة واحدة، حتى أوقفها بلطف. — لا. ابتسمت وهي تنظر إليه باستغراب. — ري
الفصل المئة واثنين وعشرين لم تمضِ سوى لحظات، حتى سُمع طرقٌ خفيف على باب الغرفة. التفت ريان نحوه، وما إن سمح لهم بالدخول، حتى انفتح الباب ببطء، ودخلت العائلة تباعًا. كانت ماريا أول من عبر العتبة، يتبعها الجنرال كارلو، ثم لورينا، وإليسا ولورينزو، بينما دخل فاليريا ورافييل في النهاية وأغلقا الباب بهدوء خلفهما. ما إن وقعت عينا إليسا على فلورا، حتى أسرعت إليها دون أن تهتم بشيءٍ آخر. جلست إلى جانبها على حافة السرير، وأحاطت وجهها بكلتا يديها، تتأمله وكأنها تريد أن تتأكد بنفسها أنها بخير. ثم غلبتها دموعها، فانحنت تقبل جبينها مرارًا. — أخفتِني يا صغيرتي… همست بها بصوتٍ مبحوح. — ظننت أن قلبي سيتوقف وأنا أنتظر خارج غرفة الطوارئ. ابتسمت فلورا بتعب، ومدت يدها تمسح دموع إليسا. — أنا آسفة… لم أقصد أن أقلقكم. اقترب لورينزو بدوره، ووضع يده على كتفها بحنانٍ أبوي، ثم ابتسم ابتسامة دافئة وقال: — المهم أنك بخير الآن… هذا وحده يكفينا. أما لورينا، فلم تستطع أن تتمالك نفسها. اقتربت من السرير بسرعة، واحتضنت فلورا بحذر شديد، وكأنها تخشى أن تؤلمها. ثم ابتعدت قليلًا وهي تنظر إليها بعينين تلمعان
الفصل المئة وواحد وعشرين تنفس ريان بعمق عدة مرات، ثم دفع باب الغرفة ببطء. كان يخشى تلك اللحظة أكثر من أي شيء. دخل بخطواتٍ مترددة، وأغلق الباب خلفه بهدوء حتى لا يزعجها. كانت فلورا مستلقية على السرير الأبيض، وقد استعادت وعيها منذ دقائق. وصلت إليها أشعة الشمس الخافتة عبر نافذة الغرفة، فزادت من شحوب وجهها، بينما كانت خصلات شعرها مبعثرة فوق الوسادة، والأنبوب الوريدي الصغير موصولًا بيدها. كانت تحدق بالسقف بصمت، غارقة في أفكارها، حتى سمعت صوت الباب. أدارت رأسها ببطء. وما إن وقعت عيناها على ريان، حتى لاحظت شيئًا لم تعهده فيه. كانت عيناه حمراوين. وآثار الدموع ما تزال واضحة على وجنتيه. أما يداه… فكانتا ترتجفان بوضوح، حتى إنه اضطر إلى ضمهما معًا محاولًا إخفاء ارتعاشهما. رمشت فلورا باستغراب، ثم ارتسم القلق على ملامحها. حاولت الاعتدال في جلستها، لكنها شعرت ببعض الضعف. — ريان… قالتها بصوتٍ هادئ. — ماذا حدث؟ لم يجبها. ظل واقفًا مكانه للحظات، ينظر إليها فقط. وكأنه يتأكد أنها أمامه فعلًا. أنها بخير. أنها تتنفس. شعر بوخزة في صدره عندما التقت عيناه بعينيها. لو تأخر دقائق أخرى…
الفصل التاسع ضوء المصابيح الخافت رسم حولهما ظلًّا مضطربًا... كانت يده مشدودة بعض الشيء، وكأنّه لم يُرِد الإفلات. فلورا لم تكن تتحرّك... ظهرها مشدود، وكأنها تجمّدت. وببطء، رفعت رأسها، ثم أدارت جسدها. عينها وقعت على فاليريا... فجأة، ابتعد إدواردو خطوةً للخلف. شعرت فاليريا بتصلّب عضلات صدرها،
الفصل الثامن في قاعة العرض الكبرى، كانت الأنظار كلها مشدودة نحو منصة المسابقة، حيث بدأ الكساندر عرضه بأبهةٍ لا تخطئها العين. العارضات يتألقن بثوبٍ تلو الآخر، ترتدين تصاميم غاية في الأناقة والدقة، تجتمع فيها الألوان والخطوط في تناغمٍ ساحر، كأنها قصائد نسجت من حريرٍ وضياء. وقفت فاليريا بين الجموع،
الفصل السابع ِيحدّق في عينيها، يقرأ فيهما الانكسار والخذلان، لكنّه لم يرَ سوى ماأراد أن يرى: الموافقة. ارتسم على شفتيه ابتسامة ناعمة، لكنها لم تكن تحمل من النعومة إلا القشرة، أما ما تحتها فكان شيئًا آخر... انتصار مقيت، كأنّه صائد خبير أُسقطت فريسته بإرادتها. :اقترب أكثر، ونبرة صوته اكتسبت دفئ
الفصل السادس ابتسمت له فاليريا، وقد توردت وجنتاها، وأمالت رأسها قليلاً بخجلٍ رقيق ابتسمت له فاليريا وردّت بخجلٍ وبريق في عينيها قبل أن تعود إلى كواليس العرض، حيث التقت بنظراتِ الكساندر، ذلك الشاب الذي كان يبادلها نظراتٍ حاقدةً، فتبادلا صراعاتٍ خفيةٍ عبر الأعين، كلٌ يحاول أن يثبت تفوقه في عالم الت







