All Chapters of خلف قناع الصمت: Chapter 61 - Chapter 69

69 Chapters

انهيار من نوع آخر

بحلول الظهر، كان مكتب كرم في الطابق الأخير من البرج قد تحوّل إلى ما يشبه غرفة حرب صامتة: شاشات متعددة تعرض نشرات إخبارية متلاحقة، هاتفان لا يكفّان عن الرنين في نفس الوقت، وثلاثة محامين يتنقلون بين الأوراق بسرعة محمومة، وجوههم تحمل ذلك القلق المهني البارد الذي لا يصرخ، بل يحسب كل كلمة بدقة مرعبة. جلستُ في زاوية المكتب، أراقب كرم وهو يدير هذه المعركة الجديدة التي لا تشبه أي معركة عرفناها الليلة الماضية. لا مسدسات هنا، لا سيارات تطارد في الصحراء، فقط أوراق وتوقيعات وقرارات تُتخذ ببرودة مرعبة عبر الهاتف، لكنها، كما بدا واضحاً من توتر كتفيه، قد تكون أخطر من أي رصاصة واجهناها طوال الليلة الطويلة. "الهيئة التنظيمية أصدرت بياناً رسمياً منذ نصف ساعة،" قال أحد المحامين، رجل في الخمسينات يُدعى المستشار فراس، يقرأ من جهازه اللوحي بصوت متوتر. "فتحوا تحقيقاً كاملاً في عمليات 'الغريب القابضة'، وجمّدوا مؤقتاً ثلاثة حسابات مرتبطة بصفقة الموانئ الأخيرة، إلى حين التأكد من عدم وجود أي صلة بالشبكة التي كشفتِها على الهواء مباشرة يا سيدة شام." شعرتُ بثقل اسمي يُذكر في سياق رسمي كهذا، إدراك جديد أن اعتراف
last updateLast Updated : 2026-06-30
Read more

الظرف الأبيض

لم تمنحنا الأزمة المتصاعدة للشركة وقتاً طويلاً للراحة، لكن الجسد، بعد ليلتين متتاليتين من اليقظة القسرية، فرض على الجميع نوماً قصيراً متقطعاً بحلول المساء. كنتُ مستلقية على سرير الجناح، عيناي مفتوحتان نحو السقف، أحاول أن أرتب في رأسي خيوط هذه الحرب المزدوجة، حين سمعتُ طرقاً خفيفاً على الباب الخارجي، طرقاً لا يشبه طرق رجال كرم المعتاد. نهضتُ بسرعة، فوجدتُ أحد أفراد الأمن يقف عند الباب، يحمل في يده ظرفاً أبيض بسيطاً، بلا أي شعار أو ختم رسمي. "وصل هذا للتو إلى مكتب الاستقبال الرئيسي، سيدتي،" قال بحذر مهني واضح. "موجّه باسمكِ مباشرة، بخط يد، بلا أي اسم مرسل. فحصناه أمنياً، وهو خالٍ من أي خطر مادي، لكن المشرف فضّل أن يصل إليكِ شخصياً لا أن يُترك في صندوق البريد العام." شعرتُ بقلبي يتسارع، إدراك فوري أن هذا الظرف لا يمكن أن يكون مجرد رسالة عابرة، ليس بعد كل ما حدث خلال اليومين الماضيين. دخل كرم الغرفة في تلك اللحظة بالضبط، وكأن حاسته السادسة جذبته نحو هذا التوتر الجديد، فرأى الظرف بين يديّ وتجمدت ملامحه فوراً. "دعيني أفحصه أولاً، شام،" قال بقلق صادق، يمد يده نحو الظرف. "بعد كل ما عرفناه
last updateLast Updated : 2026-06-30
Read more

حرف النون

أخذتنا أمي، في صبيحة اليوم التالي، إلى شقة صغيرة متواضعة في حي قديم من دبي، أخفته عن العالم بأكمله طوال عشرين عاماً تحت اسم مستعار، تستخدمه فقط حين تحتاج أن تختفي بين زيارة وزيارة لمتابعة شبكة الرماد من الداخل. كانت الشقة تحمل رائحة الغبار والزمن المتوقف، صناديق كرتونية مكدّسة في زاوية الغرفة الوحيدة، وخزانة خشبية قديمة تحمل آثار رطوبة سنوات طويلة من الإغلاق المتعمَّد. "كل ما تبقّى من ماضينا قبل الحريق موجود هنا،" قالت أمي بصوت متعب، تفتح الخزانة بمفتاح صغير أخرجته من سلسلة معلّقة حول رقبتها طوال هذه السنوات دون أن أدري بوجودها. "لم أجرؤ على فتحها منذ سنوات طويلة، شام. كل صورة هنا تحمل ثقلاً أكبر من قدرتي على حمله وحدي." جلستُ على الأرض بجانب الصناديق، يساعدني كرم بصمت، يفتح كل صندوق بحذر شديد كمن يتعامل مع قطعة أثرية هشة. وجدنا ألبومات صور باهتة، رسائل قديمة بخط يد جدّي الذي لم أعرفه شخصياً، وأخيراً، في قاع الصندوق الأخير، ألبوماً جلدياً صغيراً مختلفاً عن كل الألبومات الأخرى، يحمل على غلافه حرفاً واحداً محفوراً بخط ذهبي باهت: حرف "ن." فتحتُ الألبوم بيد ترتجف، فظهرت أمامي عشرات الص
last updateLast Updated : 2026-06-30
Read more

الصغيرة ريم

وجدنا خالد في الجناح المجاور، يجلس بهدوء أمام نافذة تطل على أفق دبي المزدحم، ملامحه لا تزال تحمل أثر ليلة الاعتراف الطويلة، لكن عينيه بدأت تستعيد شيئاً من الحياة لم أعرفه فيه طوال السنوات التي عملت أمي بجانبه في الظل. دخلتُ بصحبة كرم وأمي، أحمل الألبوم الجلدي بين يديّ بحذر، وكأنه قطعة زجاج قد تنكسر عند أي حركة مفاجئة. "خالد،" قلتُ بصوت هادئ، أجلس على المقعد المقابل له. "أحتاج إلى ذاكرتك في شيء قد يبدو بعيداً عن كل ما تحدثنا عنه ليلة الاعتراف. هل سمعتَ يوماً، طوال سنوات خدمتك في بيت عائلتي، باسم 'بيت العتبة' في حي الشاغور بدمشق؟" تجمدت ملامح خالد للحظة، عيناه تتسعان بدهشة واضحة. "بيت العتبة؟" كرر الاسم بصوت متهدج، كمن يستحضر ذكرى ظنّها مدفونة إلى الأبد. "نعم، شام، أعرف هذا المكان جيداً. لم يكن بيت عائلتك المباشر، بل بيت قديم يملكه أحد أقرباء جدّتك، كانت تزوره بانتظام في طفولتي الأولى، قبل أن أعمل لدى عائلتك بسنوات طويلة. كان والدي بستانياً هناك، واعتدتُ أن ألعب في حديقته كل صيف." شعرتُ بقلبي يتسارع، أفتح الألبوم على صورة نجلاء الأخيرة، تلك التي تحمل عبارة "العتبة الأولى" المكتوبة بخ
last updateLast Updated : 2026-07-01
Read more

وزن مختلف

وصل زياد القاسمي إلى مكتب كرم في موعد محدد بدقة مرعبة، رجل في أواخر الأربعينات، بدلة رمادية فاتحة لا تحمل أي تجاعيد، وابتسامة هادئة تشبه ابتسامة من يدخل اجتماعاً يعرف نتيجته مسبقاً. لم يكن وجهه غريباً تماماً عليّ؛ تذكّرتُ أنني رأيتُه في إحدى الحفلات الاقتصادية التي ترجمتُ فيها لكرم منذ أسابيع قليلة، قبل أن تبدأ هذه الليلة الطويلة كلها. "سيد الغريب،" قال زياد بصوت ناعم، يمد يده لمصافحة كرم بثقة لا تتزحزح. "أعتذر عن الظروف التي جمعتنا اليوم، لكنني أؤمن أن الأزمات الحقيقية تكشف دائماً من هو جاهز لها، ومن ليس جاهزاً." جلس دون أن يُدعى إلى الجلوس، يفتح حقيبته الجلدية الفاخرة بهدوء، يخرج منها ملفاً رقيقاً يضعه على الطاولة بين يديه وبين كرم. "أملك الآن، بعد عمليات شراء متتالية خلال الأيام الأخيرة، ما يقارب اثنين وعشرين بالمئة من أسهم 'الغريب القابضة'، عبر وسطاء متعددين لا تربطهم بي أي علاقة مباشرة قابلة للتتبع. أعتقد أن هذا يجعلني أكبر مستثمر فردي في شركتك حالياً، سيد الغريب، رغم أنني لم ألتقِك شخصياً من قبل سوى مرة عابرة في مأدبة عشاء العام الماضي." شعرتُ بكرم يتجمد للحظة، يحاول كبت غضب
last updateLast Updated : 2026-07-01
Read more

رسالة على القناة القديمة

وصلت الرسالة عبر القناة المشفّرة نفسها التي اعتاد سامر استخدامها معي طوال أسابيع تواصلنا السري قبل أن أكتشف خداعه، تلك القناة التي ظننتُ أنني أغلقتها للأبد منذ ليلة الطريق الصحراوي. ظهرت الرسالة على هاتفي القديم، الذي احتفظتُ به فقط كدليل محتمل لأي تحقيق رسمي مستقبلي، فلم أتوقع أن يجرؤ على استخدامه مرة أخرى. "شام، أعرف أنكِ لن تثقي بي مرة أخرى، ولا أطلب ذلك. لكنني أراقب من مسافة بعيدة، وأرى أموراً تتحرك بسرعة لا تعرفينها أنتِ بعد. زياد القاسمي ليس مستثمراً عابراً، بل واجهة مالية لما تبقى من فروع الشبكة في القاهرة، يستخدم أموالاً قديمة من عهد نادر نفسه لشراء ما تبقى من إمبراطورية الغريب. وهناك أمر آخر، أكثر إلحاحاً: خطتكم للسفر إلى دمشق ليست سرية كما تظنون، شخص ما تسرّب منه الخبر، ولا أعرف من بالضبط." شعرتُ بقلبي يتسارع، أمد الهاتف نحو كرم بيد ترتجف، أراقب ملامحه وهو يقرأ الرسالة بصمت ثقيل. "كيف يعرف هذا بالتفصيل؟" سألتُه بصوت متهدج. "ألسنا قد رتّبنا كل شيء بسرّية مطلقة، حتى مع فراس نفسه؟" "هذا بالضبط ما يقلقني،" أجاب كرم بصوت حاد، يعيد قراءة الرسالة مرة ثانية. "إن كان سامر يعرف بهذ
last updateLast Updated : 2026-07-01
Read more

هدوء قبل العاصفة

بعد يوم ثقيل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وجدتُ نفسي وكرم وحدنا أخيراً في الشرفة الصغيرة الملاصقة لجناحنا، حيث يمتد أمامنا أفق دبي بأضوائه الذهبية المتلألئة كبحر من النجوم المصنوعة، بعيداً تماماً عن صخب المكاتب والمحامين والرسائل المشفّرة التي ابتلعت يومنا بأكمله. جلس بجانبي على المقعد الحجري البارد، يداه تمتدان لتسحبني بلطف نحوه حتى استقر رأسي على كتفه، بثقة لم أكن أعرف أنني أحتاجها بهذا القدر. "كم يوماً بالضبط مرّ منذ تلك الليلة في مكتبك؟" سألتُه بهمسة، أتأمل الأفق دون أن أرفع رأسي عن كتفه. "أشعر أحياناً أنها سنوات كاملة، وأحياناً أخرى أنها لحظة واحدة لم تنتهِ بعد." ضحك كرم ضحكة منخفضة، نادرة بما يكفي لتجعلني أبتسم بدوري. "أسبوع واحد فقط، شام. أسبوع غيّر كل شيء عرفتُه عن نفسي وعن العالم، حتى أصبحتُ أتساءل أحياناً إن كان الرجل الذي دخل ذلك المكتب صباح ذلك اليوم لا يزال موجوداً بداخلي، أم أنه مات تماماً مع آخر طلقة في القصر." رفعتُ رأسي نحوه، أتأمل ملامحه تحت ضوء المدينة الخافت. "وأي رجل تفضّل أن يكون موجوداً الآن؟ ذلك الذي عرفتُه في الفصل الأول، أم هذا الذي يجلس بجانبي الليلة؟" ت
last updateLast Updated : 2026-07-02
Read more

ابنة الأخت الصغرى

وصلت رسالة من ريم في صباح اليوم التالي، مختلفة كلياً عن أسلوبها الغامض المعتاد: دعوة مباشرة، بلا تهديد أو لغز، لمقابلتي وحدي في مقهى هادئ يطل على الخور القديم، بشرط واحد فقط، أن أحضر بمفردي، أو على الأقل بلا أي رجل أمن واضح يكشف هويته. رفض كرم الفكرة بشدة في البداية، لكنني، بعد نقاش طويل في الشرفة نفسها التي شهدت هدوءنا الليلة الماضية، نجحتُ في إقناعه بأن يثق بقراري، مقابل أن يبقى هو وفرقة أمن مموهة على مسافة قريبة بما يكفي للتحرك عند أي خطر حقيقي. جلستُ في المقهى قبل الموعد بدقائق قليلة، فوجدتُ ريم تنتظرني بالفعل، تجلس بهدوء أمام كوب شاي لم تلمسه، ملامحها أكثر ودّاً بكثير من تلك الليلة عند العتبة. "شكراً لقبولكِ المجيء وحدكِ،" قالت بابتسامة هادئة. "أعرف أن هذا تطلّب ثقة لم أعطِكِ سبباً كافياً لمنحها بعد." جلستُ أمامها بحذر، أحاول أن أحافظ على هدوء ظاهري يخفي توتراً داخلياً حقيقياً. "أحتاج إجابات واضحة، ريم، لا ألغازاً أخرى. هل نجلاء جدّتي بالفعل؟" أومأت برأسها بهدوء. "نعم، شام، نجلاء جدّتك الحقيقية، الفتاة الأولى التي وقّعت عقد الغريب المظلم قبل أن يُولد كرم بسنوات طويلة. هربت من
last updateLast Updated : 2026-07-02
Read more

خط سلمى

عدتُ إلى البرج والظرف الجلدي محتضن بين ذراعي كأنه طفل هش، فوجدتُ كرم ينتظرني عند المدخل الخاص، عيناه تحملان قلقاً لم يحاول إخفاءه طوال غيابي القصير. لم يسألني عن تفاصيل اللقاء فوراً، بل أخذ يدي بصمت، يقودني نحو مكتبه حيث كان فراس يجلس منذ دقائق، منتظراً استدعاءً عاجلاً طلبه كرم بنفسه. وضعتُ الظرف على الطاولة، أشرح بسرعة كل ما عرفتُه من ريم، بينما فتح فراس الوثيقة بحذر مهني، يقرأ كل سطر فيها بتركيز صامت استمر لدقائق طويلة قبل أن يرفع نظره نحونا بقلق واضح. "هذا أخطر مما توقعتُ، سيدي،" قال أخيراً، يضع نظارته على الطاولة بحركة متعبة. "البند الذي تتحدث عنه السيدة ريم موجود بالفعل، مكتوب بصياغة قانونية قديمة لكنها صالحة من الناحية الشكلية، تربط حصة لا تقل عن خمسة عشر بالمئة من الأسهم المؤسسة للشركة بقطعة أرض في دمشق تُدعى 'بيت العتبة'، كضمان قُدّم من عائلة الموقّعة الأصلية، نجلاء، في إطار العقد المظلم الموقّع بينها وبين السيد نادر." شعرتُ بكرم يتجمد بجانبي، يداه تستقران على حافة الطاولة بقوة كافية لتجعل مفاصل أصابعه تشحب. "وهل يعني هذا أن أي شخص يستطيع إثبات صلته بهذه الأرض، يستطيع المطا
last updateLast Updated : 2026-07-02
Read more
PREV
1234567
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status