كان الليل قد أسدل ستاره على الميناء المهجور، حيث تتراقص أضواء البواخر البعيدة على سطح الماء الأسود كأنها جروح ملتهبة في خاصرة الظلام. الهواء المالح يحمل رائحة الصدأ والوقود، ومن بعيد تسمع صرخات النوارس وقد أيقظها عواء محركات الشاحنات القادمة من الطريق الترابي. وقف سالم على الرصيف الإسمنتي، معطفه الطويل يتمايل مع الريح، وعيناه الرماديتان تتبعان الشاحنة الثالثة وهي تصطف خلف الشاحنتين الأوليين. كان رجاله ينتشرون حوله في صمت عسكري، كل واحد منهم يعرف مكانه تمامًا كما لو كانوا قطعًا على رقعة شطرنج لا تحتمل خطأً واحدًا. ثلاث شاحنات محمّلة بالسلاح، صفقة من العيار الثقيل مع عائلة "الريان" التي تتحكم في الموانئ الجنوبية، وصفقة كهذه تعني أكثر من المال، إنها تعني النفوذ، والنفوذ في عالم سالم ليس رفاهية، بل هو الهواء الذي يتنفسه. أشعل سيجارته ورفع رأسه إلى السماء. كان القمر بدرًا، لكنه بدا له الليلة شاحبًا، كأنه يعرف شيئًا لا يقوله. شعر سالم بوخز في صدره، ذلك الوخز الذي لطالما أنذره بأن الأمور لن تسير كما خُطط لها. لكنه لم يكن رجلًا يؤمن بالهواجس، بل بالمنطق والقوة. التفت إلى يوسف، مساعده الأي
Last Updated : 2026-08-18 Read more