تسجيل الدخولوصلت السيارة إلى قصر سالم بعد منتصف الليل. كان مبنى فخمًا من الرخام الأسود، تحيط به حدائق شاسعة وأسوار عالية تعلوها كاميرات مراقبة. دخلا من بوابة ضخمة، ثم عبرا ممرًا طويلًا مضاءًا بأضواء خافتة.
أوقف سالم السيارة أمام المدخل الرئيسي، ونزل. فتح أحد الخدم باب شهد، لكنها نزلت بمفردها ببطء، وعيناها تلتقطان تفاصيل المكان: ثريات كريستالية تتدلى من السقف، أرضيات رخامية تعكس الأضواء، سلالم واسعة تصعد إلى الطوابق العليا. كان كل شيء يصرخ بالثراء والقوة، لكنه في نظرها كان قفصًا ذهبيًا. أمسك سالم بمعصمها وقادها إلى الداخل، ثم صعدا الدرج إلى الطابق الثاني. توقف أمام باب أبيض كبير، فتحه وقال: · هذه غرفتك. ستمكثين هنا حتى تعرفي حدودك. ستخرجين فقط عندما آذن لك. ألقى نظرة على ذراعها التي كان يمسكها، ثم تركها فجأة كأنها قطعة جمر أحرقته. · غدًا ستبدئين حياة جديدة. حياة لا تملكين فيها أي شيء، حتى اسمك سيصبح ملكًا لي. دخلت شهد الغرفة بخطوات ثقيلة، وأغلقت الباب خلفها دون أن تنبس بكلمة. انتظر سالم خلف الباب لحظات، يسمع وقع خطواتها على الأرضية الخشبية. شعر برغبة غريبة في أن يفتح الباب ويتأكد أنها لم تنهر، لكنه قاومها. كان يظن أن الانتقام سيمنحه لذة، لكنه لم يشعر سوى بفراغ مألوف. سار نحو غرفته في نهاية الممر، ودخلها وأغلق الباب خلفه بقوة. وقف أمام النافذة المطلة على الحديقة، وأشعل سيجارة. في انعكاس الزجاج، رأى وجهه، لكنه لم يتعرف إليه. منذ متى أصبح الزواج أداة عقاب؟ ومنذ متى تثير امرأة في داخله هذا الاضطراب؟ رمى السيجارة في منفضة صغيرة، وجلس على حافة السرير. كان يسمع في رأسه صوت شهد وهي تقول: "أنا لا أعرف شيئًا عن عالمك". لكنه سرعان ما ذكر نفسه: هي من عائلة خانته. ستتحمل ذنبهم. في غرفتها، جلست شهد على الأرض بجانب السرير، وضمت ركبتيها إلى صدرها. أطلقت العنان لدموعها أخيرًا، وهي تكتم شهقاتها بيدها حتى لا يسمعها أحد. بكت على حياتها القديمة، على عائلتها، على حريتها التي سُلبت منها في لحظة. بكت لأنها رأت في عيني سالم شيئًا لا يشبه الوحش فحسب، بل يشبه رجلًا يخفي جروحه خلف قسوته. في تلك الليلة، نامت شهد على الأرض، بينما كان الحراس يقفون خارج بابها. وفي غرفة أخرى، ظل سالم مستيقظًا حتى الفجر، يقرر كيف سيجعل أيامها القادمة لا تُحتمل. ثاني يوم استيقظت شهد على صوت طرق خفيف على الباب. لم تفتح عينيها فورًا، فجسدها كان متيبسًا من النوم على الأرضية الباردة، ورقبتها تؤلمها من وضعية النوم الجانبية. لكن الطرق تكرر، ثم تحول إلى صوت أكثر إلحاحًا. فتحت عينيها ببطء، فاستقبلها ضوء الصباح المتسلل عبر ستائر الغرفة الثقيلة. للحظة، لم تتذكر أين هي. ثم ارتطمت بها الذكريات كموجة باردة: المستودع، العقد، وجه سالم، القصر. جلست فجأة، وقلبها يخفق بقوة. كانت ما تزال ترتدي ملابس الأمس: عباءتها السوداء فوق فستانها البسيط. شعرها البني منسدل على كتفيها، متشابك من النوم المضطرب. تلمست وجهها بأصابعها، فشعرت بجفاف دموعها على خديها. طرق الباب مرة ثالثة، ثم صوت امرأة تقول: · سيدتي، جئت لأوقظك. السيد يريدك في غرفة الطعام خلال ساعة. نهضت شهد ببطء، وسارت نحو الباب. فتحته، فوجدت خادمة في الأربعينيات بملامح هادئة، ترتدي زيًا أسود أنيقًا. كانت تقف ورأسها منحنٍ قليلًا. · ما اسمك؟ سألت شهد بصوت مبحوح من البكاء والنوم. · أنا أمينة، خادمة القصر. سأساعدك في الاستعداد. · الاستعداد؟ لأجل ماذا؟ · للسيد. إنه يطلبك. نظرت شهد إلى ممر القصر الطويل خلف الخادمة. كانت الأرضية الرخامية تلمع تحت الأضواء، والستائر الفاخرة تحجب ضوء الشمس. شعرت بأنها دخلت عالمًا موازيًا، عالمًا من العزلة الذهبية. · حسنًا، قالت بصوت خافت. ادخلي. دخلت أمينة وهي تحمل منشفة بيضاء وفستانًا أسود بسيطًا على ذراعها. أغلقت الباب خلفها، ثم وضعت الأشياء على السرير. التفتت إلى شهد وقالت بلطف: · هذا الفستان لك. سأجهز لك حمامًا ساخنًا. يجب أن تبدي جيدة أمام السيد. · لماذا؟ هل يريد أن يراني أنيقة ليستمتع بإذلالي أكثر؟ صمتت أمينة للحظة، ثم قالت بحذر: · أنا فقط أنفذ الأوامر. أخذت شهد نفسًا عميقًا. لم تكن تريد أن تصب غضبها على خادمة لا ذنب لها. أومأت برأسها ببطء، ودخلت الحمام. كان الحمام واسعًا كغرفة كاملة، ببلاط رمادي وحوض استحمام أبيض كبير. خلعت شهد ملابسها ببطء، ووقفت تحت الماء الساخن. شعرت بأن الماء يغسل عنها بعضًا من التعب، لكنه لا يستطيع أن يغسل الخوف والغضب المترسبين في قلبها. بعدما انتهت، ارتدت الفستان الأسود الذي جلبته أمينة. كان مقاسه مناسبًا تقريبًا، قماشه ناعم وثقيل، يصل إلى ما دون الركبة. نظرت إلى نفسها في المرآة المغطاة بالبخار، فلم تتعرف على وجهها. كانت شاحبة، عيناها بنيتان عميقتان تحملان هالات سوداء من قلة النوم. لكنها رفعت ذقنها قليلًا أمام المرآة، وهمست لنفسها: · لن يكسروك. كانت تلك جملتها السرية، درعها الوحيد.كان الصمت بينهما ثقيلًا. شهد تنظر من النافذة، وسالم يطالع هاتفه. لكنه من زاوية عينه كان يراقب انعكاسها على الزجاج. رأى توترها، لكنه رأى أيضًا ذلك العناد الصامت الذي لم يفارق ملامحها. فجأة قال دون أن ينظر إليها: · لا تتحدثي مع أي شخص الليلة إلا إذا وجهت لك الكلام. ابتسمي فقط، وبدا أنكِ سعيدة بزواجك. · لن أتقن التمثيل، قالت شهد ببرود. · إذن ستتعلمين. أو ستتحملين العواقب. لم ترد. وصلوا إلى فندق فخم وسط المدينة، حيث كانت السيارات الفاخرة تصطف أمام المدخل. نزل سالم أولًا، ثم مدّ يده لشهد. نظرت إلى يده بتردد، ثم أمسكتها ببرود. شعر بيدها الباردة في يده، فقبض عليها بقوة. دخلا القاعة الضخمة المليئة بالمدعوين. كانت الأضواء خافتة، والموسيقى هادئة، والوجوه المألوفة في عالم الأعمال والمال تملأ المكان. كان الجميع يعرفون سالم العتيبي، وكانت أنظارهم تتجه إليه فور دخوله. لكن الليلة، لم تكن الأنظار عليه وحده. كانت العيون تلتفت إلى المرأة التي بجانبه: فتاة شابة جميلة بفستان أحمر، تبدو كغريبة في هذا العالم، لكنها تمسك بذراعه كأنها لا تخشى شيئًا. تقدم رجل خمسيني ببدلة زرقاء، وصافح سالم بحرارة: ·
قادتها أمينة عبر ممرات القصر إلى غرفة الطعام في الطابق الأرضي. كانت الغرفة ضخمة، تتوسطها طاولة خشبية طويلة تكفي لعشرين شخصًا، لكنها اليوم لم تحمل سوى طبقين من الفاكهة والخبز في طرف واحد. في مقدمة الطاولة، جلس سالم وهو يرتدي قميصًا أبيض بأزرار مفتوحة من الأعلى، ويداه مضمومتان على الطاولة. عندما دخلت شهد، توقف عن تقليب هاتفه ونظر إليها. كان يتأملها بلا حرج، عيناه تصعدان من الفستان الأسود إلى شعرها المبلل قليلًا، ثم إلى وجهها الخالي من أي مساحيق. شعر بانقباض غريب في صدره، لكنه سرعان ما دفنه. · اجلسي، قال بصوت هادئ. جلست شهد على الكرسي المقابل له، بعيدة بقدر ما تسمح به حدود الأدب. وضعت يديها في حجرها، وعيناها مثبتتان على الطاولة. بدأ سالم يأكل ببطء، دون أن يعرض عليها الطعام. ثم قال دون أن يرفع عينيه عن طبقه: · من اليوم، أنتِ زوجتي أمام العالم. لكن في الحقيقة، أنتِ سجينتي. ستفهمين الفرق سريعًا. · فهمت الفرق منذ ليلة أمس، ردت شهد بصوت منخفض. توقف سالم عن الأكل، ورفع عينيه إليها: · تتحدثين بتحدٍّ؟ ما زال فيكِ بعض الجرأة. هذا جيد... سأستمتع بكسره. · هل هذا ما تسميه انتقامًا؟ كسر امرأ
وصلت السيارة إلى قصر سالم بعد منتصف الليل. كان مبنى فخمًا من الرخام الأسود، تحيط به حدائق شاسعة وأسوار عالية تعلوها كاميرات مراقبة. دخلا من بوابة ضخمة، ثم عبرا ممرًا طويلًا مضاءًا بأضواء خافتة. أوقف سالم السيارة أمام المدخل الرئيسي، ونزل. فتح أحد الخدم باب شهد، لكنها نزلت بمفردها ببطء، وعيناها تلتقطان تفاصيل المكان: ثريات كريستالية تتدلى من السقف، أرضيات رخامية تعكس الأضواء، سلالم واسعة تصعد إلى الطوابق العليا. كان كل شيء يصرخ بالثراء والقوة، لكنه في نظرها كان قفصًا ذهبيًا. أمسك سالم بمعصمها وقادها إلى الداخل، ثم صعدا الدرج إلى الطابق الثاني. توقف أمام باب أبيض كبير، فتحه وقال: · هذه غرفتك. ستمكثين هنا حتى تعرفي حدودك. ستخرجين فقط عندما آذن لك. ألقى نظرة على ذراعها التي كان يمسكها، ثم تركها فجأة كأنها قطعة جمر أحرقته. · غدًا ستبدئين حياة جديدة. حياة لا تملكين فيها أي شيء، حتى اسمك سيصبح ملكًا لي. دخلت شهد الغرفة بخطوات ثقيلة، وأغلقت الباب خلفها دون أن تنبس بكلمة. انتظر سالم خلف الباب لحظات، يسمع وقع خطواتها على الأرضية الخشبية. شعر برغبة غريبة في أن يفتح الباب ويتأكد أنها لم تنه
ساد الصمت المطبق. كأن أحدًا لم يفهم ما قاله. اتسعت عينا الأم، وفتح الأب فمه كأنه لا يصدق. أما طارق فصرخ: · ماذا؟! لن يحدث هذا! إنها أختي! أما شهد فقد تحول وجهها إلى شحوب أكبر، وشعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. نظرت إلى سالم بصدمة، ثم قالت بصوت خافت: · أنت مجنون... ابتسم سالم ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه: · ربما. لكن جنوني سينقذ عائلتك. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ووقف أمامها. كانت لا تزال جالسة، فاضطرت لرفع رأسها كي تنظر إليه. رأت في عينيه الرماديتين بريقًا لا يشبه الرغبة الجسدية، بل شيئًا أعمق: انتصار محسوب، لذة سادية. · ستتزوجينني، ليس لأنني أريدك، بل لأنني أريدك أن تدفعي دين عائلتك. كل يوم سترين وجهي وتتذكرين أنني من حطمكم. كل ليلة ستنامين في قصري وتعلمين أنكِ سجينة بلا قيود. سأجعلك مثالًا لكل من يفكر في خيانتي. · أنا لا أوافق، قالت شهد بصوت ارتجف رغم محاولتها التحكم فيه. · لم أطلب موافقتك. أنا أعطيك فرصة واحدة: إما أن توافقي، أو أعدم إخوتك أمامك الآن، ثم أترك والديك بلا أبناء. اختاري. رفعت شهد عينيها إليه، ورأت في نظراته أنه لا يمزح. التفتت إلى أمها التي انفجرت في ال
قضت شهد ليلتها الأولى في غرفة ضيقة داخل المستودع، لا نوافذ لها سوى فتحة تهوية عالية يمر منها ضوء القمر الخافت. كانت يداها مقيدتين بحبل خشن، وظهرها ملتصق بجدار بارد، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما في الظلام. لم تستطع النوم، ولم تستطع البكاء. كان الخوف قد تجمد في صدرها كقطعة جليد، يلسعها مع كل شهيق. عبر الجدار، كانت تسمع صوت والدتها تبكي بصوت مكتوم، وأحيانًا همسات والدها يحاول تهدئتها. أما إخوتها فقد اقتادوهم إلى مكان آخر، ولا تدري إن كانوا ما زالوا أحياء. فكرة أن ترى أشقاءها مضرجين بدمائهم طاردتها طوال الليل كشبح لا يرحم. في الصباح، فُتح الباب فجأة ودخل رجلان أحدهما يحمل صينية طعام بسيطة. ألقياها على الأرض كما لو كانت طعامًا لحيوان، ثم غادرا دون كلمة. نظرت شهد إلى الخبز الجاف والجبنة البائتة، فلم تشعر بأي جوع. لكنها أدركت أن عليها البقاء قوية، فمدّت يدها ببطء والتقطت قطعة خبز، ووضعتها في فمها وبدأت تمضغ بصعوبة، والغصة في حلقها تكاد تخنقها. بعد ساعة، جاء رجل آخر، أكثر أناقة من سابقيه، وقال لها بصوت رسمي: · قومي. الزعيم يريد رؤيتك. فكّ قيودها بحركة سريعة، لكنه أمسك بذراعها وسحبها خار
في حي المروج، في منزل صغير محاط بأشجار الليمون، كانت شهد تجلس في غرفتها على السرير، تمسح دموعها التي لم تتوقف منذ الصباح. كان وجهها شاحبًا، وعيناها البنيتان الواسعتان مملوءتين بالألم والتساؤل. لم تفهم ما الذي حدث، لكنها شعرت أن شيئًا فظيعًا يلاحق عائلتها. قبل ساعة، دخل أخوها طارق غرفتها فجأة، وجهه أصفر من الخوف، وقال لها بصوت مرتجف: · شهد، اسمعي... أنا في ورطة كبيرة. أنا وآدم ارتكبنا غلطة... غلطة لا تغتفر. · ما الذي فعلته يا طارق؟ قالت وهي تنهض من مكانها مذعورة. · لا تسألي الآن. فقط اعلمي أننا قد نضطر للاختباء. لا تخرجي من المنزل، ولا تتحدثي مع أحد. ثم خرج مسرعًا قبل أن تكمل أسئلتها. منذ ذلك الحين، والقلق يأكل قلبها. حاولت الاتصال بوالدها، لكن هاتفه مغلق. والدتها تبكي في الصالون، وهي لا تعرف كيف تواسيها. فتحت شهد نافذة غرفتها، فرأت سيارة سوداء كبيرة تقف في نهاية الشارع. شعرت ببرودة في عمودها الفقري. لم تكن تعرف من بداخلها، لكنها أحست أن حياتها الهادئة على وشك أن تتحطم. وفجأة، سمعت صوت باب المنزل يُفتح بعنف. ثم صرخات رجال. ثم صوت والدتها تعلو بالبكاء. ركضت شهد نحو الصال







