LOGINفي حي المروج، في منزل صغير محاط بأشجار الليمون، كانت شهد تجلس في غرفتها على السرير، تمسح دموعها التي لم تتوقف منذ الصباح. كان وجهها شاحبًا، وعيناها البنيتان الواسعتان مملوءتين بالألم والتساؤل. لم تفهم ما الذي حدث، لكنها شعرت أن شيئًا فظيعًا يلاحق عائلتها.
قبل ساعة، دخل أخوها طارق غرفتها فجأة، وجهه أصفر من الخوف، وقال لها بصوت مرتجف: · شهد، اسمعي... أنا في ورطة كبيرة. أنا وآدم ارتكبنا غلطة... غلطة لا تغتفر. · ما الذي فعلته يا طارق؟ قالت وهي تنهض من مكانها مذعورة. · لا تسألي الآن. فقط اعلمي أننا قد نضطر للاختباء. لا تخرجي من المنزل، ولا تتحدثي مع أحد. ثم خرج مسرعًا قبل أن تكمل أسئلتها. منذ ذلك الحين، والقلق يأكل قلبها. حاولت الاتصال بوالدها، لكن هاتفه مغلق. والدتها تبكي في الصالون، وهي لا تعرف كيف تواسيها. فتحت شهد نافذة غرفتها، فرأت سيارة سوداء كبيرة تقف في نهاية الشارع. شعرت ببرودة في عمودها الفقري. لم تكن تعرف من بداخلها، لكنها أحست أن حياتها الهادئة على وشك أن تتحطم. وفجأة، سمعت صوت باب المنزل يُفتح بعنف. ثم صرخات رجال. ثم صوت والدتها تعلو بالبكاء. ركضت شهد نحو الصالون، فوجدت عدة رجال ملثمين قد اقتحموا المنزل، وهم يحملون أسلحة. كان والدها ملقى على الأرض، ممسوكًا من شعره، وأخوها طارق يحاول المقاومة لكنه تلقى لكمة على وجهه أسقطته أرضًا. أما آدم فكان يبكي مثل طفل. · ماذا يحدث؟ من أنتم؟ صرخت شهد. التفت إليها أحد الرجال، وقال ببرود: · أنتِ شهد؟ تعالي معنا. · لا! لا أذهب إلى أي مكان! اتركوا أهلي! حاولت الاقتراب، لكن رجلًا آخر أمسك بذراعها بقوة. قاومت، لكنها كانت ضعيفة مقارنة بقوته. سحبوها خارج المنزل، بينما كان أفراد عائلتها يُدفعون أمامها. في الشارع، كانت جارتهم العجوز تطل من نافذتها في رعب، ثم أغلقت الستارة بسرعة. وضعوهم جميعًا في سيارة كبيرة مظلمة، وانطلقوا بسرعة. جلست شهد بين أمها وأبيها، وعيناها تتنقلان بين إخوتها الذين بدت عليهم علامات الضرب. كانت تحاول أن تفهم، لكن كل شيء كان يبدو كابوسًا. وصلت السيارة إلى مستودع ضخم في منطقة صناعية نائية. أُنزلوا جميعًا، وقيدوا أيديهم بحبال خشنة، ثم دفعوا إلى الداخل حيث كانت الإضاءة خافتة ورائحة الرطوبة تفوح في المكان. في وسط المستودع، جلس سالم على كرسي حديدي، يوسف واقف خلفه، وعدد من الرجال على الجانبين. كانت عيناه مثبتتين على الباب الذي دخلت منه العائلة. عندما وقعت عيناه على شهد لأول مرة، توقف الزمن للحظة. كانت شهد ترتدي عباءة سوداء فوق فستان بسيط، وشعرها البني الطويل منسدل على كتفيها. وجهها شاحب لكنه كان يحمل جمالًا هادئًا، يشبه القمر المكسور. عيناها الواسعتان كانتا مملوءتين بالخوف، لكن في أعماقهما بريق من التحدي لم يغب. سالم شعر بشيء غريب يعتصر قلبه. ليست شفقة، ولا رغبة. بل شيء أقرب إلى الفضول، فضول مظلم لمعرفة من تكون هذه الفتاة التي تنتمي لعائلة خانتك. وقف سالم ببطء، وسار نحوهم. توقف أمام عبد الرحمن، والد شهد، وقال بصوت هادئ لكنه يقطر تهديدًا: · هل تعرف من أنا؟ · س... سالم العتيبي، تلعثم الأب. · أنت تعرف لماذا أنت هنا؟ لأن أبناءك خانوا صفقة كانت ستجعل مني سيد هذا البلد. لقد قتلوا رجالي، وأحرقوا بضاعتي، وجعلوني أبدو ضعيفًا. وفي عالمي، الضعف موت. · لا نعرف شيئًا عن هذا! صرخ طارق من مكانه. أنا لم أفعل شيئًا! اقترب سالم من طارق، وأمسك بياقة قميصه، ورفعه عن الأرض قليلًا. · لا تكذب. لدينا كل الأدلة. أنت من اتصلت بعائلة الكيالي وأخبرتهم بموقع الصفقة. أنت وآدم. وربما والدك أيضًا. · أقسم بالله أنني لم أكن أعلم، قال عبد الرحمن بصوت مرتجف. أولادي مخطئون، لكنهم لم يعرفوا حجم العواقب. · هذا لا يعيد لي رجالي. ثم نظر سالم إلى شهد. عيناها التقتا للحظة. رأى فيها رعبًا حقيقيًا، لكن أيضًا وقفة ثابتة. لم تنحنِ، لم تذرف دموعًا، بل كانت تنظر إليه بثبات غريب. · من هذه؟ سأل سالم متجهًا نحوها. · هذه ابنتي شهد، قالت الأم ببكاء. لا علاقة لها بما حدث. أرجوك، اتركها. تقدم سالم نحو شهد حتى أصبح أمامها مباشرة. كانت أقصر منه برأس كامل. رفع ذقنها بأصبعه، فابتعدت بوجهها قليلًا، لكنه أمسكها بلطف قسري. · شهد... اسم جميل. لكنه سيصبح لعنة عليكِ إذا لم أجد طريقة أبرد بها غليلي. · أنا لا أعرف شيئًا عما تقول، قالت شهد بصوت منخفض لكنه ثابت. عائلتي أخطأت، لكنني لست جزءًا من هذا العالم. · لسوء حظك، أنتِ الآن جزء منه. ابتعد سالم عنها، وعاد إلى كرسيه. جلس وهو يشبك يديه معًا، وعيناه تتنقلان بين أفراد العائلة. ثم قال: · سأعطيكم فرصة واحدة. سأحقق في الأمر، وإذا ثبت أن أحدهم لم يشارك، قد أخفف عنه. لكن الخونة سيدفعون الثمن. ثم توقف، ووجه نظره إلى شهد: · أما أنتِ... فسأفكر في مصيرك بنفسي. خرج سالم من المستودع، تاركًا العائلة في حالة رعب. لكن في داخله، كانت خطة جديدة تتشكل، خطة لم يشاركها مع أحد. الانتقام من عائلة شهد لن يكون بإعدامهم. لا، سيكون أطول وأعمق. سيجعلهم يشاهدون وهم لا يستطيعون فعل شيء. وسيبدأ بالفتاة. في تلك الليلة، جلس سالم في غرفته وحده، يقلب هاتفه حيث تظهر صورة شهد التي التقطها رجاله أثناء احتجازها. كان ينظر إلى عينيها في الصورة، ويتساءل: لماذا لم ينهار هذا الجسد الصغير؟ لماذا لم تتوسل؟ لأول مرة منذ سنوات، شعر سالم أن شخصًا ما قد يكون قادرًا على كسر البرود الذي بناه حول قلبه. لكنه قرر أن يحول هذا الشعور إلى وقود للانتقام. · ستكونين ملكي، تمتم بصوت خافت. ليس حبًا... بل عقابًا طويلًا لا ينتهي. وهكذا بدأت قصة انتقام من امرأة، لم يكن يعلم أنها ستنتهي بقلب زعيم المافيا.في تلك الليلة، لم يظهر سالم على العشاء. جلست شهد وحيدة على الطاولة الطويلة، تأكل قليلًا، وتحدق في الشموع المضاءة. كانت أمينة تقف قرب الباب، صامتة. · أين سالم؟ سألت شهد. · في مكتبه يا سيدتي. لم يخرج منذ الظهر. · هل يحدث هذا كثيرًا؟ · أحيانًا. عندما يكون غاضبًا أو... متضايقًا. · ما الفرق بين الغاضب والمتضايق في عالمه؟ ابتسمت أمينة ابتسامة حزينة: · الغاضب يصرخ ويأمر. المتضايق يصمت ويختفي. شعرت شهد بشيء يتحرك في صدرها. لم تكن تريد أن تشعر بالقلق عليه. لكنها كانت كذلك. بعد العشاء، صعدت إلى غرفتها، واستحمّت، وارتدت ثوب نوم بسيطًا. جلست على السرير، وعيناها على الباب. مرت ساعة، ثم ساعتان، ولم يأتِ سالم. قررت أن تنزل. تسللت إلى الطابق الأرضي، ورأت ضوءًا خافتًا من تحت باب المكتب. ترددت، ثم طرقت الباب بلطف. · ادخلي، جاء صوته مبحوحًا. فتحت الباب، فوجدته جالسًا خلف المكتب، القميص مفتوحًا من الأعلى، والغرفة مليئة برائحة التبغ. كان يحدق في ورقة أمامه، دون أن يرفع عينيه. · ماذا تريدين؟ قال دون أن ينظر إليها. · جئت لأرى إذا كنت ستأتي للعشاء. · لست جائعًا. اقتربت شهد خطو
وفجأة، قال أبو رعد بصوت عالٍ وكأنه يريد إحراج سالم: · هناك من يقول إن الكيالي يخططون لاستعادة "وديعة" من عائلة الحلبي. ربما يقصدون زوجتك الجميلة. تجمد سالم. نظر إلى شهد بطرف عينه، ثم قال: · ومن يقول هذا؟ · مصادر. لكن السؤال: هل أنت مستعد لحرب من أجل فتاة؟ · أنا مستعد لحرب من أجل كرامتي. وشهد ليست وديعة لأحد. إنها زوجتي. شعرت شهد بنظرات الرجال تتغير نحوها. شعرت بالخوف، لكنها أيضًا شعرت بيد سالم تلامس ظهر كرسيها، كأنها حاجز صامت. · هل تسمح لي أن أتحدث؟ قالت شهد فجأة. التفت إليها الجميع بدهشة. أما سالم فقد نظر إليها بعينين ضيقتين: · لا داعي. · أعتقد أن لي الحق. أنا موضوع الحديث. كان صوتها هادئًا لكنه ثابت. تحدت نظرة سالم، ثم التفتت إلى الرجال: · أنا لا أفهم عالمكم. لكنني أفهم شيئًا واحدًا: أنا هنا رغم إرادتي، وأصبحت جزءًا من هذا البيت. ومن يريد أن يؤذيني، فعليه أن يعرف أن سالم العتيبي لا يترك أحدًا يمس ما يخصه. صمتت القاعة. ثم ابتسم أبو رعد ببطء، وقال: · كلام امرأة شجاعة. لكن الشجاعة في عالمنا قد تكون حبلًا يُشنق به صاحبها. · الشجاعة أفضل من الجبن، ردت شهد.
بزغ الفجر على قصر سالم، والضباب الخفيف يلف الحديقة كأنه سر لم يُكشف بعد. كانت شهد مستلقية على السرير، عيناها مفتوحتان على السقف، وجسدها متعب من ليلة أرق طويلة. لم يعد سالم إلى السرير منذ أن خرج إلى الشرفة، وكانت تسمع أحيانًا صوت خطواته الهادئة على البلاط، وأحيانًا صمتًا أعمق من أن يُحتمل. نهضت شهد ببطء، وجسدها يشعر بثقل الحزن والغضب معًا. سارت نحو النافذة، وسحبت الستارة قليلًا، فرأت الشرفة المجاورة فارغة، إلا من كرسي هزاز يتحرك بفعل الريح، ومنفضة مليئة بأعقاب السجائر. كان قد جلس هناك طوال الليل، يشرب سُمَّه بصمت. عادت إلى السرير، وجلست على حافته، تضم ركبتيها. كانت تفكر في الكابوس الذي رأته، وفي صرخته التي مزقت هدوء الفجر: "لا! لا تقترب منها!" من تكون "هي"؟ من الذي يقترب؟ وأي جرح قديم يحمله هذا الرجل خلف قناعه الفولاذي؟ سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، فدخلت أمينة حاملة صينية الإفطار. وضعتها على الطاولة القريبة من النافذة، وقالت بصوت خافت: · صباح الخير يا سيدتي. السيد طلب أن تأكلي جيدًا اليوم. · لماذا؟ هل يخطط لشيء جديد؟ ترددت أمينة، ثم قالت: · سيكون هناك اجتماع مهم في القصر
في المساء، كان سالم قد عاد إلى القصر قبل الغروب. كان مرهقًا، لكن عينيه تحملان نفس البرود. دخل غرفته وخلع ملابسه، ووقف تحت الماء الساخن طويلاً، ثم ارتدى ملابس أنيقة: قميص أسود وبنطال قاتم. اتصل بأمينة ليخبرها أن تجهز شهد للعشاء. في غرفة شهد، كانت أمينة تختار فستانًا آخر: هذه المرة أزرق داكنًا طويلًا بسيطًا. لكن شهد قالت: · سأرتديه. لكن لا أريد مكياجًا. ولا تصفيفًا. · لكن السيد يفضّل أن تبدين أنيقة. · السيد لا يملك وجهي. ذهبت أمينة بلا كلام. نزلت شهد إلى غرفة الطعام الصغيرة في الجناح الشرقي، حيث وُضعت طاولة مستديرة بشموع مضاءة. كان سالم جالسًا هناك، ينتظر. عندما دخلت، رفع عينيه. رأى فستانها الأزرق، وشعرها المنسدل بلا تصفيف، ووجهها الخالي من المساحيق. شعر بشيء غريب في صدره، لكنه ابتلع الأمر. · اجلسي. جلست أمامه. بدأ العشاء في صمت. كان الطعام فاخرًا: لحم مشوي، أرز معطر، مقبلات متنوعة. لكن شهد لم تأكل إلا القليل. كانت تحدق في الطبق، وتشعر أن كل لقمة تعلق في حلقها. كسر سالم الصمت: · لماذا لا تأكلين؟ الطعام جيد. · لا جوع لي. · ستأكلين حتى لو لم تشتهي. أنا لا أحب الهزيلات. نظرت
بقيت شهد تنظر إلى السقف المظلم. كانت تسمع أنفاسه الهادئة، لكنها لم تعرف إذا كان قد نام. حاولت أن تغمض عينيها، لكن النوم كان بعيدًا. بعد ساعات، وقبل الفجر بقليل، شعرت شهد بحركة خفيفة على السرير. فتحت عينيها ببطء، فرأت سالم قد استدار نحوها في نومه، وذراعه ممدودة قليلاً تجاهها، دون أن تلمسها. كان وجهه في الظلام يبدو أكثر هدوءًا، وكأن الوحش قد نام. راقبته طويلاً. في الضوء الخافت القادم من النافذة، بدت ملامحه أقل قسوة، وأكثر بشرية. تساءلت: ما الذي جعل هذا الرجل يتحول إلى هذا الكائن؟ ثم أغمضت عينيها، ونامت على إثر الإرهاق، لكن أحلامها كانت مليئة بمشاهد مضطربة: أيدي تمسكها، أصوات رصاص، ووجه سالم في الظلام. استيقظت شهد على صوت هاتف سالم يرن في الغرفة. فتحت عينيها بثقل، فرأت ضوء الصباح يتسلل من النافذة. كانت ما تزال مستلقية في مكانها، لكن اللحاف كان قد انسحب عنها قليلًا. شعرت ببرودة، فتقلبت لترى هل سالم ما زال بجانبها. كان السرير فارغًا. جلست ببطء، فرأته جالسًا على الأريكة، مرتديًا بنطالًا رياضيًا وقميصًا أبيض، ويتحدث في الهاتف بصوت منخفض حاد. كان يبدو مشغولًا، وأحيانًا يرفع صوته قليلًا
· منذ الليلة، ستنامين في غرفتي. ليس لأنني أرغب فيكِ، بل لأنني أريد أن أتأكد أنكِ لا تخططين للهروب. وكل ليلة سترينني أمامكِ، وستتذكرين أنكِ سجينة. · هذا تعذيب نفسي، قالت شهد بصوت متقطع. · هذا هو الانتقام. تركها فجأة، واتجه نحو الباب. قبل أن يخرج، توقف وقال دون أن يلتفت: · أمينة ستأخذكِ إلى غرفتي. لا تحضري معكِ أي شيء من هنا. خرج وأغلق الباب خلفه. وقفت شهد في مكانها، جسدها يرتجف. شعرت بأنها على حافة الانهيار، لكنها رفعت يدها إلى فمها وكتمت شهقة. لم تكن تريد أن يسمعها أحد. بعد دقائق، دخلت أمينة بهدوء. رأت شهد واقفة وسط الغرفة كتمثال، فاقتربت منها ووضعت يدها على كتفها برفق: · سيدتي... أنا آسفة. · لا أريد شفقة. فقط خذيني إلى حيث يريد. اتبعت شهد أمينة في ممرات القصر الضيقة المضاءة بأضواء خافتة. كانت الغرفة المقصودة في الجناح الشرقي، خلف باب خشبي منحوت. فتحته أمينة، فدخلتا. كانت غرفة سالم أوسع من غرفة شهد بثلاث مرات. سرير ضخم بلوح رأسي جلدي أسود، ومرايا عتيقة على الجدران، وخزانة كتب مليئة بالمجلدات، وركن جلوس صغير أمام نافذة كبيرة. الرائحة فيها كانت رائحته: عطر رجالي ثقيل ممزوج بر







