LOGINقادتها أمينة عبر ممرات القصر إلى غرفة الطعام في الطابق الأرضي. كانت الغرفة ضخمة، تتوسطها طاولة خشبية طويلة تكفي لعشرين شخصًا، لكنها اليوم لم تحمل سوى طبقين من الفاكهة والخبز في طرف واحد. في مقدمة الطاولة، جلس سالم وهو يرتدي قميصًا أبيض بأزرار مفتوحة من الأعلى، ويداه مضمومتان على الطاولة.
عندما دخلت شهد، توقف عن تقليب هاتفه ونظر إليها. كان يتأملها بلا حرج، عيناه تصعدان من الفستان الأسود إلى شعرها المبلل قليلًا، ثم إلى وجهها الخالي من أي مساحيق. شعر بانقباض غريب في صدره، لكنه سرعان ما دفنه. · اجلسي، قال بصوت هادئ. جلست شهد على الكرسي المقابل له، بعيدة بقدر ما تسمح به حدود الأدب. وضعت يديها في حجرها، وعيناها مثبتتان على الطاولة. بدأ سالم يأكل ببطء، دون أن يعرض عليها الطعام. ثم قال دون أن يرفع عينيه عن طبقه: · من اليوم، أنتِ زوجتي أمام العالم. لكن في الحقيقة، أنتِ سجينتي. ستفهمين الفرق سريعًا. · فهمت الفرق منذ ليلة أمس، ردت شهد بصوت منخفض. توقف سالم عن الأكل، ورفع عينيه إليها: · تتحدثين بتحدٍّ؟ ما زال فيكِ بعض الجرأة. هذا جيد... سأستمتع بكسره. · هل هذا ما تسميه انتقامًا؟ كسر امرأة عزلاء؟ قالت شهد وهي تنظر إليه مباشرة لأول مرة. · الانتقام ليس بحجم الضحية، بل بحجم الجرح. أنا جرحت في كبريائي ورجالي. وأنتِ ستدفعين الثمن. · رجالك ماتوا في معركة، وعائلتك المافياوية عالم لا يخلو من الخطر. لكنك تريد أن تعلق ذنبهم في رقبتي لأنك لا تستطيع تحمل هزيمتك. ضرب سالم بقبضته على الطاولة فجأة، فاهتزت الأواني. لكن شهد لم تجفل، بل بقيت تنظر إليه بثبات. وقف سالم ببطء، وسار حتى أصبح خلف كرسيها. انحنى قليلًا، ووضع يديه على ظهر الكرسي، وهمس بصوت مهدد: · احذري يا شهد. لست في وضع يسمح لك بالاستفزاز. كل كلمة من فمك قد تكلف عائلتك غاليًا. شعرت شهد بأنفاسه على أذنها، فتصلب جسدها. لكنها لم تلتفت إليه، ولم ترد. ابتعد سالم عنها، وعاد إلى مكانه. جلس وأكمل طعامه كأن شيئًا لم يحدث. ثم قال بصوت عادي: · ستخرجين الليلة معي. هناك حفل عمل في المدينة. ستظهرين كزوجتي، بلا تعليق، بلا تمرد. وأي خطأ... سأجعلك تندمين. · لماذا تفعل هذا؟ سألت شهد وقد ارتجف صوتها قليلًا. لماذا تريد إذلالي أمام الناس؟ · لأنني أريد أن يعرف الجميع أن عائلتك أصبحت ملكي. وأن ابنتهم التي كانوا يحبونها تعيش تحت قدمي. نظر إليها بابتسامة باردة، ثم أضاف: · أنهي طعامك. ستصلك أغراض التجهيز بعد الظهر. لا أريد زوجة تبدو كخادمة. نهض سالم وغادر غرفة الطعام، تاركًا شهد وحيدة أمام طبقها الفارغ. بعدما تأكدت من اختفائه، أغلقت عينيها بقوة وضغطت على حافة الطاولة بيديها. كانت تتنفس بصعوبة، كأن الهواء نفسه صار أثقل. دخلت أمينة بعد دقائق، فوجدتها جالسة بلا حراك. اقتربت منها بحذر: · سيدتي، هل أنتِ بخير؟ فتحت شهد عينيها، وقالت بابتسامة حزينة: · لا. لكنني سأكون. قضت شهد بقية اليوم في غرفتها، بينما كانت أمينة تأتي وتذهب حاملة صناديق من الملابس والأحذية والعطور. كانت شهد تنظر إلى تلك الأشياء بلا اهتمام، كأنها أدوات إعدام. في المساء، جاء مصفف شعر وخبيرة تجميل أرسلهما سالم. جلست شهد أمام المرآة، تترك الأيدي تعبث بشعرها ووجهها دون مقاومة. كانت تشعر بأنها دمية في مسرح مظلم. عندما انتهى تجهيزها، نظرت إلى نفسها في المرآة، فذهلت. كانت ترتدي فستانًا طويلًا من المخمل الأحمر الداكن، يلتف حول جسدها بنعومة ويبرز عينيها البنيتين. شعرها صُفف على شكل موجات ناعمة، ووجهها أضاء بلمسات خفيفة من المساحيق. دخلت أمينة وقالت بدهشة: · أنتِ جميلة جدًا يا سيدتي. لكن شهد لم تبتسم. كانت ترى في المرآة فتاة لا تعرفها، فتاة سُلبت منها إرادتها. عند باب القصر، كانت سيارة سوداء طويلة تنتظر. نزل سالم من الدرج متجهًا إليها، وكان يرتدي بدلة سوداء أنيقة تحتها قميص رمادي غامق، وشعره الأسود مرتجل بأناقة. توقف عندما رأى شهد تنزل خلفه. للحظة، لم يقل شيئًا. كان يتأملها ببطء، عيناه تتحركان على الفستان الأحمر، ثم على وجهها المضاء. شعر بأن شيئًا ما في صدره يتحرك، لكنه سارع إلى إخفائه خلف برود مصطنع. · تبدين... مناسبة، قال بصوت جاف. · شكرًا، ردت شهد بسخرية خفيفة لم تفته. فتح لها باب السيارة بنفسه، ففوجئت شهد بتلك اللفتة، لكنها لم تعلق. جلست في الداخل، فجلس بجانبها. انطلقوا في الطريق المظلم، والمدينة تتلألأ خلف زجاج السيارة.في تلك الليلة، لم يظهر سالم على العشاء. جلست شهد وحيدة على الطاولة الطويلة، تأكل قليلًا، وتحدق في الشموع المضاءة. كانت أمينة تقف قرب الباب، صامتة. · أين سالم؟ سألت شهد. · في مكتبه يا سيدتي. لم يخرج منذ الظهر. · هل يحدث هذا كثيرًا؟ · أحيانًا. عندما يكون غاضبًا أو... متضايقًا. · ما الفرق بين الغاضب والمتضايق في عالمه؟ ابتسمت أمينة ابتسامة حزينة: · الغاضب يصرخ ويأمر. المتضايق يصمت ويختفي. شعرت شهد بشيء يتحرك في صدرها. لم تكن تريد أن تشعر بالقلق عليه. لكنها كانت كذلك. بعد العشاء، صعدت إلى غرفتها، واستحمّت، وارتدت ثوب نوم بسيطًا. جلست على السرير، وعيناها على الباب. مرت ساعة، ثم ساعتان، ولم يأتِ سالم. قررت أن تنزل. تسللت إلى الطابق الأرضي، ورأت ضوءًا خافتًا من تحت باب المكتب. ترددت، ثم طرقت الباب بلطف. · ادخلي، جاء صوته مبحوحًا. فتحت الباب، فوجدته جالسًا خلف المكتب، القميص مفتوحًا من الأعلى، والغرفة مليئة برائحة التبغ. كان يحدق في ورقة أمامه، دون أن يرفع عينيه. · ماذا تريدين؟ قال دون أن ينظر إليها. · جئت لأرى إذا كنت ستأتي للعشاء. · لست جائعًا. اقتربت شهد خطو
وفجأة، قال أبو رعد بصوت عالٍ وكأنه يريد إحراج سالم: · هناك من يقول إن الكيالي يخططون لاستعادة "وديعة" من عائلة الحلبي. ربما يقصدون زوجتك الجميلة. تجمد سالم. نظر إلى شهد بطرف عينه، ثم قال: · ومن يقول هذا؟ · مصادر. لكن السؤال: هل أنت مستعد لحرب من أجل فتاة؟ · أنا مستعد لحرب من أجل كرامتي. وشهد ليست وديعة لأحد. إنها زوجتي. شعرت شهد بنظرات الرجال تتغير نحوها. شعرت بالخوف، لكنها أيضًا شعرت بيد سالم تلامس ظهر كرسيها، كأنها حاجز صامت. · هل تسمح لي أن أتحدث؟ قالت شهد فجأة. التفت إليها الجميع بدهشة. أما سالم فقد نظر إليها بعينين ضيقتين: · لا داعي. · أعتقد أن لي الحق. أنا موضوع الحديث. كان صوتها هادئًا لكنه ثابت. تحدت نظرة سالم، ثم التفتت إلى الرجال: · أنا لا أفهم عالمكم. لكنني أفهم شيئًا واحدًا: أنا هنا رغم إرادتي، وأصبحت جزءًا من هذا البيت. ومن يريد أن يؤذيني، فعليه أن يعرف أن سالم العتيبي لا يترك أحدًا يمس ما يخصه. صمتت القاعة. ثم ابتسم أبو رعد ببطء، وقال: · كلام امرأة شجاعة. لكن الشجاعة في عالمنا قد تكون حبلًا يُشنق به صاحبها. · الشجاعة أفضل من الجبن، ردت شهد.
بزغ الفجر على قصر سالم، والضباب الخفيف يلف الحديقة كأنه سر لم يُكشف بعد. كانت شهد مستلقية على السرير، عيناها مفتوحتان على السقف، وجسدها متعب من ليلة أرق طويلة. لم يعد سالم إلى السرير منذ أن خرج إلى الشرفة، وكانت تسمع أحيانًا صوت خطواته الهادئة على البلاط، وأحيانًا صمتًا أعمق من أن يُحتمل. نهضت شهد ببطء، وجسدها يشعر بثقل الحزن والغضب معًا. سارت نحو النافذة، وسحبت الستارة قليلًا، فرأت الشرفة المجاورة فارغة، إلا من كرسي هزاز يتحرك بفعل الريح، ومنفضة مليئة بأعقاب السجائر. كان قد جلس هناك طوال الليل، يشرب سُمَّه بصمت. عادت إلى السرير، وجلست على حافته، تضم ركبتيها. كانت تفكر في الكابوس الذي رأته، وفي صرخته التي مزقت هدوء الفجر: "لا! لا تقترب منها!" من تكون "هي"؟ من الذي يقترب؟ وأي جرح قديم يحمله هذا الرجل خلف قناعه الفولاذي؟ سمعت طرقًا خفيفًا على الباب، فدخلت أمينة حاملة صينية الإفطار. وضعتها على الطاولة القريبة من النافذة، وقالت بصوت خافت: · صباح الخير يا سيدتي. السيد طلب أن تأكلي جيدًا اليوم. · لماذا؟ هل يخطط لشيء جديد؟ ترددت أمينة، ثم قالت: · سيكون هناك اجتماع مهم في القصر
في المساء، كان سالم قد عاد إلى القصر قبل الغروب. كان مرهقًا، لكن عينيه تحملان نفس البرود. دخل غرفته وخلع ملابسه، ووقف تحت الماء الساخن طويلاً، ثم ارتدى ملابس أنيقة: قميص أسود وبنطال قاتم. اتصل بأمينة ليخبرها أن تجهز شهد للعشاء. في غرفة شهد، كانت أمينة تختار فستانًا آخر: هذه المرة أزرق داكنًا طويلًا بسيطًا. لكن شهد قالت: · سأرتديه. لكن لا أريد مكياجًا. ولا تصفيفًا. · لكن السيد يفضّل أن تبدين أنيقة. · السيد لا يملك وجهي. ذهبت أمينة بلا كلام. نزلت شهد إلى غرفة الطعام الصغيرة في الجناح الشرقي، حيث وُضعت طاولة مستديرة بشموع مضاءة. كان سالم جالسًا هناك، ينتظر. عندما دخلت، رفع عينيه. رأى فستانها الأزرق، وشعرها المنسدل بلا تصفيف، ووجهها الخالي من المساحيق. شعر بشيء غريب في صدره، لكنه ابتلع الأمر. · اجلسي. جلست أمامه. بدأ العشاء في صمت. كان الطعام فاخرًا: لحم مشوي، أرز معطر، مقبلات متنوعة. لكن شهد لم تأكل إلا القليل. كانت تحدق في الطبق، وتشعر أن كل لقمة تعلق في حلقها. كسر سالم الصمت: · لماذا لا تأكلين؟ الطعام جيد. · لا جوع لي. · ستأكلين حتى لو لم تشتهي. أنا لا أحب الهزيلات. نظرت
بقيت شهد تنظر إلى السقف المظلم. كانت تسمع أنفاسه الهادئة، لكنها لم تعرف إذا كان قد نام. حاولت أن تغمض عينيها، لكن النوم كان بعيدًا. بعد ساعات، وقبل الفجر بقليل، شعرت شهد بحركة خفيفة على السرير. فتحت عينيها ببطء، فرأت سالم قد استدار نحوها في نومه، وذراعه ممدودة قليلاً تجاهها، دون أن تلمسها. كان وجهه في الظلام يبدو أكثر هدوءًا، وكأن الوحش قد نام. راقبته طويلاً. في الضوء الخافت القادم من النافذة، بدت ملامحه أقل قسوة، وأكثر بشرية. تساءلت: ما الذي جعل هذا الرجل يتحول إلى هذا الكائن؟ ثم أغمضت عينيها، ونامت على إثر الإرهاق، لكن أحلامها كانت مليئة بمشاهد مضطربة: أيدي تمسكها، أصوات رصاص، ووجه سالم في الظلام. استيقظت شهد على صوت هاتف سالم يرن في الغرفة. فتحت عينيها بثقل، فرأت ضوء الصباح يتسلل من النافذة. كانت ما تزال مستلقية في مكانها، لكن اللحاف كان قد انسحب عنها قليلًا. شعرت ببرودة، فتقلبت لترى هل سالم ما زال بجانبها. كان السرير فارغًا. جلست ببطء، فرأته جالسًا على الأريكة، مرتديًا بنطالًا رياضيًا وقميصًا أبيض، ويتحدث في الهاتف بصوت منخفض حاد. كان يبدو مشغولًا، وأحيانًا يرفع صوته قليلًا
· منذ الليلة، ستنامين في غرفتي. ليس لأنني أرغب فيكِ، بل لأنني أريد أن أتأكد أنكِ لا تخططين للهروب. وكل ليلة سترينني أمامكِ، وستتذكرين أنكِ سجينة. · هذا تعذيب نفسي، قالت شهد بصوت متقطع. · هذا هو الانتقام. تركها فجأة، واتجه نحو الباب. قبل أن يخرج، توقف وقال دون أن يلتفت: · أمينة ستأخذكِ إلى غرفتي. لا تحضري معكِ أي شيء من هنا. خرج وأغلق الباب خلفه. وقفت شهد في مكانها، جسدها يرتجف. شعرت بأنها على حافة الانهيار، لكنها رفعت يدها إلى فمها وكتمت شهقة. لم تكن تريد أن يسمعها أحد. بعد دقائق، دخلت أمينة بهدوء. رأت شهد واقفة وسط الغرفة كتمثال، فاقتربت منها ووضعت يدها على كتفها برفق: · سيدتي... أنا آسفة. · لا أريد شفقة. فقط خذيني إلى حيث يريد. اتبعت شهد أمينة في ممرات القصر الضيقة المضاءة بأضواء خافتة. كانت الغرفة المقصودة في الجناح الشرقي، خلف باب خشبي منحوت. فتحته أمينة، فدخلتا. كانت غرفة سالم أوسع من غرفة شهد بثلاث مرات. سرير ضخم بلوح رأسي جلدي أسود، ومرايا عتيقة على الجدران، وخزانة كتب مليئة بالمجلدات، وركن جلوس صغير أمام نافذة كبيرة. الرائحة فيها كانت رائحته: عطر رجالي ثقيل ممزوج بر







