تسجيل الدخولقضت شهد ليلتها الأولى في غرفة ضيقة داخل المستودع، لا نوافذ لها سوى فتحة تهوية عالية يمر منها ضوء القمر الخافت. كانت يداها مقيدتين بحبل خشن، وظهرها ملتصق بجدار بارد، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما في الظلام. لم تستطع النوم، ولم تستطع البكاء. كان الخوف قد تجمد في صدرها كقطعة جليد، يلسعها مع كل شهيق.
عبر الجدار، كانت تسمع صوت والدتها تبكي بصوت مكتوم، وأحيانًا همسات والدها يحاول تهدئتها. أما إخوتها فقد اقتادوهم إلى مكان آخر، ولا تدري إن كانوا ما زالوا أحياء. فكرة أن ترى أشقاءها مضرجين بدمائهم طاردتها طوال الليل كشبح لا يرحم. في الصباح، فُتح الباب فجأة ودخل رجلان أحدهما يحمل صينية طعام بسيطة. ألقياها على الأرض كما لو كانت طعامًا لحيوان، ثم غادرا دون كلمة. نظرت شهد إلى الخبز الجاف والجبنة البائتة، فلم تشعر بأي جوع. لكنها أدركت أن عليها البقاء قوية، فمدّت يدها ببطء والتقطت قطعة خبز، ووضعتها في فمها وبدأت تمضغ بصعوبة، والغصة في حلقها تكاد تخنقها. بعد ساعة، جاء رجل آخر، أكثر أناقة من سابقيه، وقال لها بصوت رسمي: · قومي. الزعيم يريد رؤيتك. فكّ قيودها بحركة سريعة، لكنه أمسك بذراعها وسحبها خارج الغرفة. سارت خلفه في ممر طويل، عيناها تلتقطان تفاصيل المستودع: رجال مسلحون يقفون في كل زاوية، صناديق خشبية متراصة، وستائر معدنية مغلقة. كان المكان يشبه سجنًا أكثر منه مقرًا لأي شيء آخر. دخلت قاعة واسعة، فوجدت عائلتها مجتمعة في الوسط: والدها جالسًا على الأرض، عيناه ذابلتان، والدتها تحتضن آدم الذي بدت عليه آثار ضرب خفيف، وطارق واقفًا بعناد رغم الدم الجاف على شفته. وعند الطرف الآخر، كان سالم جالسًا على كرسيه الحديدي، يرتدي قميصًا أسود بلا أكمام، وعضلات ذراعه تظهر تحت الوشم الذي يغطي ساعده. كان ينظر إليهم بنظرة باردة كأنهم حشرات تحت عدسة مكبرة. وقف سالم عندما دخلت شهد، فتوقفت للحظة، ثم تقدمت بخطوات ثابتة رغم ارتجاف ساقيها من الداخل. وقفت بجانب أمها، ورفعت رأسها نحوه. · اجلسوا، قال سالم بهدوء، لكن صوته كان يحمل أمرًا لا يقبل الرفض. جلس الجميع على الأرض، إلا شهد التي بقيت واقفة. نظر إليها سالم بنصف ابتسامة، ثم أشار إلى حارس قريب: · أحضر كرسيًا لها. أحضر الحارس كرسيًا خشبيًا بسيطًا. جلست شهد ببطء، دون أن تشكره. صمت سالم للحظات، يتأمل وجوههم واحدًا واحدًا، ثم أخرج سيجارة وأشعلها ببطء، ونفث الدخان في الهواء. كان يعرف أن الصمت يقتلهم أكثر من الكلام. أخيرًا قال: · لقد انتهى التحقيق. وأعرف كل شيء. طارق وآدم خططا مع عائلة الكيالي، وباعوا موقع الصفقة. والدكما كان يعلم لكنه غضّ الطرف. والدتكما لا ذنب لها، لكنها تتحمل ذنب عائلتها. · هذا غير صحيح! صاح والد شهد، وعيناه مملوءتان باليأس. أنا لم أعلم بشيء! أولادي خدعوني! · الخيانة لا تفرق بين من خطط ومن صمت، أجاب سالم ببرود. رجالي ماتوا، وسمعتي اهتزت، وصار عليّ أن أرد الاعتبار. السؤال الآن: ما هو الرد المناسب؟ وقف طارق فجأة، وتقدم خطوة نحو سالم، لكن اثنين من الحراس أمسكاه بسرعة. حاول المقاومة، فصرخ: · اتركوني! أقتله بنفسي! أنا من فعلها، فاقتلني وحدي ودع عائلتي! رمقه سالم بنظرة ازدراء: · لو كان الموت بهذه السهولة، لكنت ماترت الآن. لكنك ستظل حيًا لترى عائلتك تدفع ثمن غبائك. ثم التفت إلى شهد. كانت تنظر إليه بعينيها الواسعتين، شفتاها مرتجفتان قليلًا، لكنها لم تتكلم. كان يراها تحاول جاهدة ألا تبدو ضعيفة أمامه، وهذا أثار شيئًا بداخله، مزيجًا من الإعجاب والغضب. · لديكم فرصة واحدة للنجاة، قال سالم وهو يخاطب العائلة كلها، لكنه يثبت عينيه على شهد. سأتزوج ابنتكم شهد.كان الصمت بينهما ثقيلًا. شهد تنظر من النافذة، وسالم يطالع هاتفه. لكنه من زاوية عينه كان يراقب انعكاسها على الزجاج. رأى توترها، لكنه رأى أيضًا ذلك العناد الصامت الذي لم يفارق ملامحها. فجأة قال دون أن ينظر إليها: · لا تتحدثي مع أي شخص الليلة إلا إذا وجهت لك الكلام. ابتسمي فقط، وبدا أنكِ سعيدة بزواجك. · لن أتقن التمثيل، قالت شهد ببرود. · إذن ستتعلمين. أو ستتحملين العواقب. لم ترد. وصلوا إلى فندق فخم وسط المدينة، حيث كانت السيارات الفاخرة تصطف أمام المدخل. نزل سالم أولًا، ثم مدّ يده لشهد. نظرت إلى يده بتردد، ثم أمسكتها ببرود. شعر بيدها الباردة في يده، فقبض عليها بقوة. دخلا القاعة الضخمة المليئة بالمدعوين. كانت الأضواء خافتة، والموسيقى هادئة، والوجوه المألوفة في عالم الأعمال والمال تملأ المكان. كان الجميع يعرفون سالم العتيبي، وكانت أنظارهم تتجه إليه فور دخوله. لكن الليلة، لم تكن الأنظار عليه وحده. كانت العيون تلتفت إلى المرأة التي بجانبه: فتاة شابة جميلة بفستان أحمر، تبدو كغريبة في هذا العالم، لكنها تمسك بذراعه كأنها لا تخشى شيئًا. تقدم رجل خمسيني ببدلة زرقاء، وصافح سالم بحرارة: ·
قادتها أمينة عبر ممرات القصر إلى غرفة الطعام في الطابق الأرضي. كانت الغرفة ضخمة، تتوسطها طاولة خشبية طويلة تكفي لعشرين شخصًا، لكنها اليوم لم تحمل سوى طبقين من الفاكهة والخبز في طرف واحد. في مقدمة الطاولة، جلس سالم وهو يرتدي قميصًا أبيض بأزرار مفتوحة من الأعلى، ويداه مضمومتان على الطاولة. عندما دخلت شهد، توقف عن تقليب هاتفه ونظر إليها. كان يتأملها بلا حرج، عيناه تصعدان من الفستان الأسود إلى شعرها المبلل قليلًا، ثم إلى وجهها الخالي من أي مساحيق. شعر بانقباض غريب في صدره، لكنه سرعان ما دفنه. · اجلسي، قال بصوت هادئ. جلست شهد على الكرسي المقابل له، بعيدة بقدر ما تسمح به حدود الأدب. وضعت يديها في حجرها، وعيناها مثبتتان على الطاولة. بدأ سالم يأكل ببطء، دون أن يعرض عليها الطعام. ثم قال دون أن يرفع عينيه عن طبقه: · من اليوم، أنتِ زوجتي أمام العالم. لكن في الحقيقة، أنتِ سجينتي. ستفهمين الفرق سريعًا. · فهمت الفرق منذ ليلة أمس، ردت شهد بصوت منخفض. توقف سالم عن الأكل، ورفع عينيه إليها: · تتحدثين بتحدٍّ؟ ما زال فيكِ بعض الجرأة. هذا جيد... سأستمتع بكسره. · هل هذا ما تسميه انتقامًا؟ كسر امرأ
وصلت السيارة إلى قصر سالم بعد منتصف الليل. كان مبنى فخمًا من الرخام الأسود، تحيط به حدائق شاسعة وأسوار عالية تعلوها كاميرات مراقبة. دخلا من بوابة ضخمة، ثم عبرا ممرًا طويلًا مضاءًا بأضواء خافتة. أوقف سالم السيارة أمام المدخل الرئيسي، ونزل. فتح أحد الخدم باب شهد، لكنها نزلت بمفردها ببطء، وعيناها تلتقطان تفاصيل المكان: ثريات كريستالية تتدلى من السقف، أرضيات رخامية تعكس الأضواء، سلالم واسعة تصعد إلى الطوابق العليا. كان كل شيء يصرخ بالثراء والقوة، لكنه في نظرها كان قفصًا ذهبيًا. أمسك سالم بمعصمها وقادها إلى الداخل، ثم صعدا الدرج إلى الطابق الثاني. توقف أمام باب أبيض كبير، فتحه وقال: · هذه غرفتك. ستمكثين هنا حتى تعرفي حدودك. ستخرجين فقط عندما آذن لك. ألقى نظرة على ذراعها التي كان يمسكها، ثم تركها فجأة كأنها قطعة جمر أحرقته. · غدًا ستبدئين حياة جديدة. حياة لا تملكين فيها أي شيء، حتى اسمك سيصبح ملكًا لي. دخلت شهد الغرفة بخطوات ثقيلة، وأغلقت الباب خلفها دون أن تنبس بكلمة. انتظر سالم خلف الباب لحظات، يسمع وقع خطواتها على الأرضية الخشبية. شعر برغبة غريبة في أن يفتح الباب ويتأكد أنها لم تنه
ساد الصمت المطبق. كأن أحدًا لم يفهم ما قاله. اتسعت عينا الأم، وفتح الأب فمه كأنه لا يصدق. أما طارق فصرخ: · ماذا؟! لن يحدث هذا! إنها أختي! أما شهد فقد تحول وجهها إلى شحوب أكبر، وشعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. نظرت إلى سالم بصدمة، ثم قالت بصوت خافت: · أنت مجنون... ابتسم سالم ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه: · ربما. لكن جنوني سينقذ عائلتك. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ووقف أمامها. كانت لا تزال جالسة، فاضطرت لرفع رأسها كي تنظر إليه. رأت في عينيه الرماديتين بريقًا لا يشبه الرغبة الجسدية، بل شيئًا أعمق: انتصار محسوب، لذة سادية. · ستتزوجينني، ليس لأنني أريدك، بل لأنني أريدك أن تدفعي دين عائلتك. كل يوم سترين وجهي وتتذكرين أنني من حطمكم. كل ليلة ستنامين في قصري وتعلمين أنكِ سجينة بلا قيود. سأجعلك مثالًا لكل من يفكر في خيانتي. · أنا لا أوافق، قالت شهد بصوت ارتجف رغم محاولتها التحكم فيه. · لم أطلب موافقتك. أنا أعطيك فرصة واحدة: إما أن توافقي، أو أعدم إخوتك أمامك الآن، ثم أترك والديك بلا أبناء. اختاري. رفعت شهد عينيها إليه، ورأت في نظراته أنه لا يمزح. التفتت إلى أمها التي انفجرت في ال
قضت شهد ليلتها الأولى في غرفة ضيقة داخل المستودع، لا نوافذ لها سوى فتحة تهوية عالية يمر منها ضوء القمر الخافت. كانت يداها مقيدتين بحبل خشن، وظهرها ملتصق بجدار بارد، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما في الظلام. لم تستطع النوم، ولم تستطع البكاء. كان الخوف قد تجمد في صدرها كقطعة جليد، يلسعها مع كل شهيق. عبر الجدار، كانت تسمع صوت والدتها تبكي بصوت مكتوم، وأحيانًا همسات والدها يحاول تهدئتها. أما إخوتها فقد اقتادوهم إلى مكان آخر، ولا تدري إن كانوا ما زالوا أحياء. فكرة أن ترى أشقاءها مضرجين بدمائهم طاردتها طوال الليل كشبح لا يرحم. في الصباح، فُتح الباب فجأة ودخل رجلان أحدهما يحمل صينية طعام بسيطة. ألقياها على الأرض كما لو كانت طعامًا لحيوان، ثم غادرا دون كلمة. نظرت شهد إلى الخبز الجاف والجبنة البائتة، فلم تشعر بأي جوع. لكنها أدركت أن عليها البقاء قوية، فمدّت يدها ببطء والتقطت قطعة خبز، ووضعتها في فمها وبدأت تمضغ بصعوبة، والغصة في حلقها تكاد تخنقها. بعد ساعة، جاء رجل آخر، أكثر أناقة من سابقيه، وقال لها بصوت رسمي: · قومي. الزعيم يريد رؤيتك. فكّ قيودها بحركة سريعة، لكنه أمسك بذراعها وسحبها خار
في حي المروج، في منزل صغير محاط بأشجار الليمون، كانت شهد تجلس في غرفتها على السرير، تمسح دموعها التي لم تتوقف منذ الصباح. كان وجهها شاحبًا، وعيناها البنيتان الواسعتان مملوءتين بالألم والتساؤل. لم تفهم ما الذي حدث، لكنها شعرت أن شيئًا فظيعًا يلاحق عائلتها. قبل ساعة، دخل أخوها طارق غرفتها فجأة، وجهه أصفر من الخوف، وقال لها بصوت مرتجف: · شهد، اسمعي... أنا في ورطة كبيرة. أنا وآدم ارتكبنا غلطة... غلطة لا تغتفر. · ما الذي فعلته يا طارق؟ قالت وهي تنهض من مكانها مذعورة. · لا تسألي الآن. فقط اعلمي أننا قد نضطر للاختباء. لا تخرجي من المنزل، ولا تتحدثي مع أحد. ثم خرج مسرعًا قبل أن تكمل أسئلتها. منذ ذلك الحين، والقلق يأكل قلبها. حاولت الاتصال بوالدها، لكن هاتفه مغلق. والدتها تبكي في الصالون، وهي لا تعرف كيف تواسيها. فتحت شهد نافذة غرفتها، فرأت سيارة سوداء كبيرة تقف في نهاية الشارع. شعرت ببرودة في عمودها الفقري. لم تكن تعرف من بداخلها، لكنها أحست أن حياتها الهادئة على وشك أن تتحطم. وفجأة، سمعت صوت باب المنزل يُفتح بعنف. ثم صرخات رجال. ثم صوت والدتها تعلو بالبكاء. ركضت شهد نحو الصال







