تسجيل الدخولفتح سالم عينيه ببطء، فرأى وجه يوسف فوقه، شاحبًا وعيناه مذعورتان.
· زعيم! زعيم! قم! يجب أن نتحرك! حاول سالم النهوض، فشعر بألم حاد في كتفه الأيسر. نظر فرأى الدم يتسرب من جرح في أعلى الذراع. لكنه لم يهتم. وقف متكئًا على يوسف، وألقى نظرة سريعة على محيطه. كان المشهد مروعًا: الجثث متناثرة، الشاحنة الأولى تحترق بالكامل، والشاحنتان الأخريان تتعرضان لإطلاق نار كثيف. كان أعداؤهم يقتربون من ثلاث جهات، وعليهم أن يجدوا مخرجًا. · كم عدد رجالنا المتبقي؟ سأل سالم بصوت مبحوح. · لا أعرف، ربما خمسة أو ستة. الجميع يتفرقون. · اتبعني. جرى سالم نحو رصيف صغير حيث قارب سريع ربطه الرجال سابقًا كخطة طوارئ. كان يعلم أن النجاة الوحيدة هي البحر. أشار إلى الناجين القريبين، فركضوا نحوه. لكن العدو كان أسرع. سقط رجل آخر برصاصة في ظهره، وسمع سالم صرخة خالد، أحد أخلص رجاله. · يا الله! خالد! توقف سالم لثوانٍ، قلبه ينفطر. لكنه رأى يوسف يجذبه من ذراعه: · لا تتوقف! سنموت جميعًا! واصلا الركض، ووراءهما رصاص لا يرحم. قفز سالم إلى القارب، وساعده يوسف في تشغيل المحرك. انطلق القارب بسرعة جنونية، مخترقًا أمواج البحر الأسود، تاركًا خلفه نيرانًا تلتهم سنوات من السيطرة والهيمنة. على متن القارب، جلس سالم على الأرضية المعدنية، يلهث، الدم يتصبب من ذراعه، وعيناه تحدقان في الميناء البعيد المحترق. كان يوسف يقود القارب بصمت، وجندي آخر مصاب يجلس في الخلف، يضغط على جرح في ساقه. لم ينطق سالم بكلمة واحدة. كان يرتجف، ليس من البرد، بل من الغضب. غضب أعمى، غضب يجتاح كل خلية في جسده. لقد خانوه. خططوا لهذا الكمين بعناية. ومن فعلها سيدفع ثمنًا يفوق كل تصور. بعد ساعة، وصلوا إلى شاطئ صغير بعيد عن المدينة. توقف القارب، فنزل سالم متثاقلًا. سار على الرمال المبللة، ثم توقف فجأة، ورفع رأسه إلى السماء وصرخ بصوت عالٍ حتى آلمته حنجرته: · من فعل هذا؟! من تجرأ على سالم العتيبي؟! لم يجب أحد. لكن في داخله كان هناك جواب واحد: عائلة الريان، وبالتحديد شخص واحد في تلك العائلة قد يكون وراء الخيانة. لكنه لم يكن متأكدًا. سيعرف الحقيقة، وسيمزقهم جميعًا. في صباح اليوم التالي، جلس سالم في غرفة المكتب في فيلته الكبيرة خارج المدينة، وقد ضمد الأطباء جرحه. كان وجهه شاحبًا، لكن عينيه كانتا تشعان بنار باردة. أمامه على الطاولة، هاتفه، وفنجان قهوة لم يلمسه. كان يوسف قد جمع المعلومات الأولية: الكمين تم بتخطيط مسبق، والرجال الذين هاجموهم كانوا من عائلة الريان، لكن هناك دلائل على أن أحد أفراد العائلة هو من خطط للخيانة دون علم حسن الريان نفسه، أو ربما بتواطؤ مع آخرين. لكن المؤكد أن عائلة شهد - أخت حسن وزوجة أحد المسؤولين في الميناء - لها يد في الموضوع. · ما الذي توصلت إليه؟ سأل سالم بصوت هادئ، لكنه كان أشد رعبًا من أي صراخ. · لقد اعترضنا اتصالاتهم، يا زعيم. عائلة شهد... أقصد، عائلة "عبد الرحمن"، أخبرت العصابة المنافسة بموقع الصفقة. إنهم من عائلة صغيرة، لكن عبد الرحمن كان له علاقات قديمة مع عائلة "الكيالي"، وهم الذين هاجمونا. · عائلة عبد الرحمن؟ من هذا؟ · عبد الرحمن الحلبي. تاجر سابق، فقد ثروته، وله ابنان وابنة. الابن الأكبر، طارق، هو من سرب المعلومة. الأخ الصغير، آدم، شاب طائش، لكنه متورط أيضًا. الابنة... اسمها شهد. توقف سالم للحظة عند ذكر الاسم. شهد. اسم غريب على مسامعه، لكنه سُجل في ذاكرته كأحد أفراد العائلة التي دمرت صفقة العمر وقتلت رجاله. · شهد؟ كرر سالم الاسم ببطء. · نعم، فتاة في العشرينيات. لا يبدو أن لها أي دور، لكنها من نفس العائلة. صمت سالم طويلًا، ثم وقف واتجه نحو النافذة الواسعة المطلة على حديقة الفيلا. كان يرى انعكاس وجهه على الزجاج، وجهًا تغير خلال ليلة واحدة. لقد فقد رجاله، وعرّض إمبراطوريته للاهتزاز، وسمعته للانتقاد. لن يكتفي بقتل الخونة. سيجعلهم يعانون أضعاف ما عانى. · أين يعيشون؟ سأل دون أن يلتفت. · في حي المروج، منزل صغير. طارق يحاول الهرب، لكننا نراقبه. · أحضرهم جميعًا إلى المستودع الرئيسي. كلهم: الأب، الأم، الابنين، والابنة. أريد رؤيتهم معًا. · حتى الفتاة؟ · قلت: جميعهم. غادر يوسف مسرعًا، بينما ظل سالم واقفًا أمام النافذة. لم يكن يعرف شيئًا عن شهد سوى اسمها، لكنه في تلك اللحظة رسم في ذهنه صورة غامضة لفتاة ستكون جزءًا من خطته. لم يكن يعرف أنها ستقلب حياته رأسًا على عقب.كان الصمت بينهما ثقيلًا. شهد تنظر من النافذة، وسالم يطالع هاتفه. لكنه من زاوية عينه كان يراقب انعكاسها على الزجاج. رأى توترها، لكنه رأى أيضًا ذلك العناد الصامت الذي لم يفارق ملامحها. فجأة قال دون أن ينظر إليها: · لا تتحدثي مع أي شخص الليلة إلا إذا وجهت لك الكلام. ابتسمي فقط، وبدا أنكِ سعيدة بزواجك. · لن أتقن التمثيل، قالت شهد ببرود. · إذن ستتعلمين. أو ستتحملين العواقب. لم ترد. وصلوا إلى فندق فخم وسط المدينة، حيث كانت السيارات الفاخرة تصطف أمام المدخل. نزل سالم أولًا، ثم مدّ يده لشهد. نظرت إلى يده بتردد، ثم أمسكتها ببرود. شعر بيدها الباردة في يده، فقبض عليها بقوة. دخلا القاعة الضخمة المليئة بالمدعوين. كانت الأضواء خافتة، والموسيقى هادئة، والوجوه المألوفة في عالم الأعمال والمال تملأ المكان. كان الجميع يعرفون سالم العتيبي، وكانت أنظارهم تتجه إليه فور دخوله. لكن الليلة، لم تكن الأنظار عليه وحده. كانت العيون تلتفت إلى المرأة التي بجانبه: فتاة شابة جميلة بفستان أحمر، تبدو كغريبة في هذا العالم، لكنها تمسك بذراعه كأنها لا تخشى شيئًا. تقدم رجل خمسيني ببدلة زرقاء، وصافح سالم بحرارة: ·
قادتها أمينة عبر ممرات القصر إلى غرفة الطعام في الطابق الأرضي. كانت الغرفة ضخمة، تتوسطها طاولة خشبية طويلة تكفي لعشرين شخصًا، لكنها اليوم لم تحمل سوى طبقين من الفاكهة والخبز في طرف واحد. في مقدمة الطاولة، جلس سالم وهو يرتدي قميصًا أبيض بأزرار مفتوحة من الأعلى، ويداه مضمومتان على الطاولة. عندما دخلت شهد، توقف عن تقليب هاتفه ونظر إليها. كان يتأملها بلا حرج، عيناه تصعدان من الفستان الأسود إلى شعرها المبلل قليلًا، ثم إلى وجهها الخالي من أي مساحيق. شعر بانقباض غريب في صدره، لكنه سرعان ما دفنه. · اجلسي، قال بصوت هادئ. جلست شهد على الكرسي المقابل له، بعيدة بقدر ما تسمح به حدود الأدب. وضعت يديها في حجرها، وعيناها مثبتتان على الطاولة. بدأ سالم يأكل ببطء، دون أن يعرض عليها الطعام. ثم قال دون أن يرفع عينيه عن طبقه: · من اليوم، أنتِ زوجتي أمام العالم. لكن في الحقيقة، أنتِ سجينتي. ستفهمين الفرق سريعًا. · فهمت الفرق منذ ليلة أمس، ردت شهد بصوت منخفض. توقف سالم عن الأكل، ورفع عينيه إليها: · تتحدثين بتحدٍّ؟ ما زال فيكِ بعض الجرأة. هذا جيد... سأستمتع بكسره. · هل هذا ما تسميه انتقامًا؟ كسر امرأ
وصلت السيارة إلى قصر سالم بعد منتصف الليل. كان مبنى فخمًا من الرخام الأسود، تحيط به حدائق شاسعة وأسوار عالية تعلوها كاميرات مراقبة. دخلا من بوابة ضخمة، ثم عبرا ممرًا طويلًا مضاءًا بأضواء خافتة. أوقف سالم السيارة أمام المدخل الرئيسي، ونزل. فتح أحد الخدم باب شهد، لكنها نزلت بمفردها ببطء، وعيناها تلتقطان تفاصيل المكان: ثريات كريستالية تتدلى من السقف، أرضيات رخامية تعكس الأضواء، سلالم واسعة تصعد إلى الطوابق العليا. كان كل شيء يصرخ بالثراء والقوة، لكنه في نظرها كان قفصًا ذهبيًا. أمسك سالم بمعصمها وقادها إلى الداخل، ثم صعدا الدرج إلى الطابق الثاني. توقف أمام باب أبيض كبير، فتحه وقال: · هذه غرفتك. ستمكثين هنا حتى تعرفي حدودك. ستخرجين فقط عندما آذن لك. ألقى نظرة على ذراعها التي كان يمسكها، ثم تركها فجأة كأنها قطعة جمر أحرقته. · غدًا ستبدئين حياة جديدة. حياة لا تملكين فيها أي شيء، حتى اسمك سيصبح ملكًا لي. دخلت شهد الغرفة بخطوات ثقيلة، وأغلقت الباب خلفها دون أن تنبس بكلمة. انتظر سالم خلف الباب لحظات، يسمع وقع خطواتها على الأرضية الخشبية. شعر برغبة غريبة في أن يفتح الباب ويتأكد أنها لم تنه
ساد الصمت المطبق. كأن أحدًا لم يفهم ما قاله. اتسعت عينا الأم، وفتح الأب فمه كأنه لا يصدق. أما طارق فصرخ: · ماذا؟! لن يحدث هذا! إنها أختي! أما شهد فقد تحول وجهها إلى شحوب أكبر، وشعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. نظرت إلى سالم بصدمة، ثم قالت بصوت خافت: · أنت مجنون... ابتسم سالم ابتسامة باردة لا تصل إلى عينيه: · ربما. لكن جنوني سينقذ عائلتك. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ووقف أمامها. كانت لا تزال جالسة، فاضطرت لرفع رأسها كي تنظر إليه. رأت في عينيه الرماديتين بريقًا لا يشبه الرغبة الجسدية، بل شيئًا أعمق: انتصار محسوب، لذة سادية. · ستتزوجينني، ليس لأنني أريدك، بل لأنني أريدك أن تدفعي دين عائلتك. كل يوم سترين وجهي وتتذكرين أنني من حطمكم. كل ليلة ستنامين في قصري وتعلمين أنكِ سجينة بلا قيود. سأجعلك مثالًا لكل من يفكر في خيانتي. · أنا لا أوافق، قالت شهد بصوت ارتجف رغم محاولتها التحكم فيه. · لم أطلب موافقتك. أنا أعطيك فرصة واحدة: إما أن توافقي، أو أعدم إخوتك أمامك الآن، ثم أترك والديك بلا أبناء. اختاري. رفعت شهد عينيها إليه، ورأت في نظراته أنه لا يمزح. التفتت إلى أمها التي انفجرت في ال
قضت شهد ليلتها الأولى في غرفة ضيقة داخل المستودع، لا نوافذ لها سوى فتحة تهوية عالية يمر منها ضوء القمر الخافت. كانت يداها مقيدتين بحبل خشن، وظهرها ملتصق بجدار بارد، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما في الظلام. لم تستطع النوم، ولم تستطع البكاء. كان الخوف قد تجمد في صدرها كقطعة جليد، يلسعها مع كل شهيق. عبر الجدار، كانت تسمع صوت والدتها تبكي بصوت مكتوم، وأحيانًا همسات والدها يحاول تهدئتها. أما إخوتها فقد اقتادوهم إلى مكان آخر، ولا تدري إن كانوا ما زالوا أحياء. فكرة أن ترى أشقاءها مضرجين بدمائهم طاردتها طوال الليل كشبح لا يرحم. في الصباح، فُتح الباب فجأة ودخل رجلان أحدهما يحمل صينية طعام بسيطة. ألقياها على الأرض كما لو كانت طعامًا لحيوان، ثم غادرا دون كلمة. نظرت شهد إلى الخبز الجاف والجبنة البائتة، فلم تشعر بأي جوع. لكنها أدركت أن عليها البقاء قوية، فمدّت يدها ببطء والتقطت قطعة خبز، ووضعتها في فمها وبدأت تمضغ بصعوبة، والغصة في حلقها تكاد تخنقها. بعد ساعة، جاء رجل آخر، أكثر أناقة من سابقيه، وقال لها بصوت رسمي: · قومي. الزعيم يريد رؤيتك. فكّ قيودها بحركة سريعة، لكنه أمسك بذراعها وسحبها خار
في حي المروج، في منزل صغير محاط بأشجار الليمون، كانت شهد تجلس في غرفتها على السرير، تمسح دموعها التي لم تتوقف منذ الصباح. كان وجهها شاحبًا، وعيناها البنيتان الواسعتان مملوءتين بالألم والتساؤل. لم تفهم ما الذي حدث، لكنها شعرت أن شيئًا فظيعًا يلاحق عائلتها. قبل ساعة، دخل أخوها طارق غرفتها فجأة، وجهه أصفر من الخوف، وقال لها بصوت مرتجف: · شهد، اسمعي... أنا في ورطة كبيرة. أنا وآدم ارتكبنا غلطة... غلطة لا تغتفر. · ما الذي فعلته يا طارق؟ قالت وهي تنهض من مكانها مذعورة. · لا تسألي الآن. فقط اعلمي أننا قد نضطر للاختباء. لا تخرجي من المنزل، ولا تتحدثي مع أحد. ثم خرج مسرعًا قبل أن تكمل أسئلتها. منذ ذلك الحين، والقلق يأكل قلبها. حاولت الاتصال بوالدها، لكن هاتفه مغلق. والدتها تبكي في الصالون، وهي لا تعرف كيف تواسيها. فتحت شهد نافذة غرفتها، فرأت سيارة سوداء كبيرة تقف في نهاية الشارع. شعرت ببرودة في عمودها الفقري. لم تكن تعرف من بداخلها، لكنها أحست أن حياتها الهادئة على وشك أن تتحطم. وفجأة، سمعت صوت باب المنزل يُفتح بعنف. ثم صرخات رجال. ثم صوت والدتها تعلو بالبكاء. ركضت شهد نحو الصال







