All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 141 - Chapter 150

239 Chapters

الفصل ١٤٠

تدخل حازم وقاطع هوليا يحاول رتق الفتق: "أبي، أعتذر منك، هوليا لا تقصد." حدقت هوليا إلى حازم بغضب ناري قبل أن تكمل حديثها: "إنه للطف منا أن نأتي بالأولاد إلى هنا، ولكنك..." صمتت قليلاً ثم أكملت وهي تصر على أسنانها وتشير بيدها إليه محتجة: "لا تعاملنا بعدل!" همهم الجد بفضول حارق: "أوه، كيف ذلك؟ اشرحي لي." مستقرًا ومثبتًا كلتا يديه على عكازه خاصته طالبًا منها أن تكمل بعينين تقدحان شراراً. أضافت بنبرة معترضة وصوت مرتفع: "أنت تفتح تلك الغرفة لتلك الفتاة الجديدة التي جاءت البارحة إلى قصرنا، بينما تعترض أن ندخلها نحن،" لتقول بنبرة خالطها البكاء المصنوع والدراما المزيفة: "هل تسمي ذلك عدلاً؟" ضحك الجد بسخرية لاذعة هزت جنبات القصر ثم قال مستهزئًا: "هذا قصري!" سأل بجدية وبصرامة تقطع الأنفاس: "هل تتوقعون مني أن أستشيركم أولاً إن كنت سأستقبل أحدًا للمكوث في قصري؟" نظر بحدة ثاقبة إلى حازم. رفع حازم عينه لينظر إلى أبيه، ولحظة التقاء عينيهما الشديدة، خر راكعًا على ركبته ووخز هوليا بحدة للركوع معه، حيث ركع الاثنان على البلاط البارد تحت أنظار جميع من في القصر وحتى أول
last updateLast Updated : 2026-08-11
Read more

الفصل ١٤١

أقترب بخطوات كبيرة ، وفي لحظة، شد قبضته وأحكمها على يديها الناعمتين وقادهما للأعلى، تقدم للأمام بينما يقودها للتراجع للخلف، ملصقاً جسدها المرتجف بالجدار البارد. رفع يدها أعلى رأسها وقبل أن تستوعب ما يحدث أو تستنشق أنفاسه الممتزجة بالحرارة القاسية، مال إليها بجسده، ودون سابق إنذار كانت شفتاه العنيفتان قد انقضتا على شفتيها.اتسعت عينا زياد في صدمة شلّت أطرافه، وتجمد الجميع من كان يتدافع للدخول في الخارج أمام الباب الذين كانوا مستعدين للحجز بينهم ما إذا نشب بينهم شجار. لم يتوقع أحد هذه الحركة؛ لا توبيخ ولا صراخ، بل قبلة!عين حازم المتسعة والتي تطل من خلف الجد، تجد صعوبة في استيعاب الموقف، يتمتم بصوت خافت:"لم يفعل شيئاً، لم يوبخها أو حتى يضربها... إنه فقط...".أكمل الجد ما بدأه حازم ببهجة بعد أن زفر بارتياح وتضوعت منه رائحة الطمأنينة:"يقبّلها!".اتسعت ابتسامته وهو يضرب حازم بعكازه ويشير لهم بالعودة. لفّ الجميع عائدين بخطوات حذرة، بينما ظل زياد متسمراً مكانه كالتمثال، وعيناه لا تفارقان المشهد المشتعل أمامه، حتى جاء جميل وهزه بخفة وأشار له بالذهاب. أغلق الباب خلفهم بهدوء، كي لا يزعجهم.
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

الفصل ١٤٢

ظلت لمار تنظر إلى الفراغ الشاسع الذي تركه، ووضعت يدها تلمس شفتها المخدرة المضمخة بعبير القبلة القاسية. كانت نظراتها فارغة، وكأنها لا ترى شيئاً حولها في هذه الغرفة الممتلئة بظلال الذكريات.كان كرم يقف أعلى السلم الخشبي، متكئاً على الحائط الرخامي، ينشر أريج عطره المنعش وينظر باتجاه الغرفة. استقامت وقفته عندما رأى يمان يخرج بوجه شاحب، وراح يسير باتجاهه يخفي ابتسامة ماكرة خلف قناع وجهه المتأثر. توقف يمان قليلاً ونظر إلى كرم بنظرة قاطعة، وفهم كرم ما يقصده، فالتزم الصمت وراح يسير خلفه دون أي كلمة، وخطواتهما تطرق الأرضية بجفاء.على الناحية الأخرى، كانت هوليا تصر على أسنانها غيظاً كلما تذكرت قبلة يمان للمار، وتتنفس بغل يفوح من عطره الحاد. لم تعتقد للحظة أن ردة فعله ستكون هكذا. لم يكتفِ بالصمت، بل قبّلها وكأنه يكافئها على دخول الغرفة! كانت تغرس أظافرها في راحة يدها بغيظ شديد، وتتمتم بينها وبين نفسها:"تلك الفتاة... عليّ أن أضع خطة جيدة لطردها من العائلة. منذ أن جاءت وهي تأخذ كل شيء كان ينبغي أن يكون لي."كانت عينا الجد تلمعان بسعادة غامرة عندما لاحظ نزول يمان من على درجات السلم بخطى تهز الأرض
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

الفصل ١٤٣

بينما كانت لمار لا تزال تحت وقع الصدمة، عاجزة عن تصديق ما حدث، كان زياد جاثياً وحده وسط الغابة المظلمة، على ركبتيه فوق الأرض الباردة. ضغط بكفيه على فخذيه بعنف، وارتسمت على ملامحه تجهمٌ ثقيل، حاجباه معقودان كعقدة لا تُحلّ، وفي عينيه مزيج من الغضب والحزن الشديد، كأن شيئًا ما بداخله على وشك الانفجار.سكنت الغابة من حوله، وكانت رائحة التراب الرطب الممزوج برائحة العشب الشذي وندى الصنوبر تفوح في المكان بعبق كثيف، حتى دوّى صوت خطوات بطيئة وثقيلة تحطم الأغصان اليابسة، يتبعها طنين غليظ لعكاز يضرب الأرض الرخوة. رفع زياد رأسه ببطء نحو القادم، فالتقت عيناه بعيني الجد.كان وجه العجوز محفورًا بالغضب الشديد، تجاعيده بدت أعمق تحت ظلال الأشجار، كأنها خنادق تحكي قصة غيظه الصامت. خلفه، كان جميل يسير مطأطئ الرأس، خطواته حذرة تتفادى جذوع الأشجار، ونظراته لا تغادر الأرض المبتلة.اقترب الجد من زياد، وجلس أمامه على المقعد الخشبي العتيق الذي يتضوع برائحة الرطوبة. قبضته كانت مشدودة على العكاز، كأنها تحاول سحق الخشب بين أنامله. سعل عدة مرات، وتصاعد بخار أنفاسه في الهواء البارد، ثم قال بنبرة صارمة كالسياط:"هل أ
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

الفصل ١٤٤

كان الجد يراقبه بين ظلال الأشجار، ينتظر انكساره… يتوق لسماع توسّله، صرخته، أي إشارة ضعف تسقط كبرياءه، لكنه لم يجد شيئًا. لم يرَ سوى رجلٍ يركع فوق العشب الرطب، وجبينه يتصبب عرقًا دافئاً، وأنفاسه حارة تصنع غمامة من البخار رغم برودة الجو، وقبضته مشدودة كمن يقبض على جمر مشتعل.والجروح التي تخرج منها الدماء ملأت ظهره بوهج حارق.لكن أكثر ما كان يحترق بداخله… لم تكن ضربات السوط. بل كانت هي.(أريد أي شيء يلهيني عن التفكير بها…)كان زياد يتمتم في داخله، في عقله المشوّش والممزق برائحة حضورها العطري.(كيف سمح له بأن يقترب منها؟ أن يلمسها؟ تلك الشفتان… ذلك الوجه… يده تمرّ على عنقها، على بشرتها… ماذا لو أصبحت له وحده؟!)خياله كان يقتله، يتمزق في داخله بين رغبةٍ قاتلة، وغيرة تفتك بأضلعه، وحقيقة أنه لا يستطيع سوى أن يراها من بعيد.(ليست له… ليست له… والدنيا ليست عادلة.)مع كل جلدة تمزق جلده البشري، كانت هذه الأفكار تمزق عقله، تجعله يجنّ، تدفعه نحو الغضب الكاسح، نحو الحقد، نحو وعدٍ داخلي متأجج بالثأر.(سأكسر رأسه… سأمزقه إن لم أتوقف الآن.)"انتهيت."قال الخادم، وهو يضع السوط جانباً ويتنهد من التعب، ب
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

١٤٥

دخل يمان الحانة مضطرباً، وعيناه تبحثان عن مخرج من الأفكار المتضاربة التي تعصف به، فيما تفوح في الأرجاء رائحة المشروبات المعتّقة والأثاث الخشبي الملمع.تقدّم بخطى مترددة نحو جاد، الذي كان منهمكاً في ترتيب الكؤوس استعداداً لحفلة المساء. رفع جاد بصره إليه باندهاش، ثم حوّله تلقائياً نحو كرم، الذي تبعه بهدوء متنشقاً الجو المشحون. أشار جاد بعينيه إلى يمان وسأل كرم دون أن ينبس بكلمة:"ما الذي يحدث؟"ابتسم كرم بخفة، ثم نظر نحو الأرض بنظرة تعبّر عن ثقل الموقف دون أن يشرح شيئاً. لم يفهم جاد المقصود، فحوّل نظره مرة أخرى نحو يمان المتجهم وسأله بنبرة متكلفة اللامبالاة:"جئت باكراً، الحفلة لم تبدأ بعد!"اكتفى يمان بتمتمة خافتة دون أن يرد، ثم اتجه نحو الأريكة الجلدية التي اعتاد الجلوس عليها في الزوايا الخالية من الزبائن. وعندما همّ كرم باللحاق به، أمسك جاد بذراعه وقبضته دافئة، وأشار له برأسه أن يبقى.استدار يمان وسأل ببرود كالثلج:"لن تأتي؟"أجابه كرم وهو يلتقط كأساً زجاجياً ويمسحه بمنديل قطني ناصع:"سأساعد جاد قليلاً."أومأ يمان دون تعليق، وتابع سيره البطيء نحو الزاوية المظلمة.اقترب جاد من كرم وهم
last updateLast Updated : 2026-08-12
Read more

الفصل ١٤٦

"سيدتي الشابة، السيد الكبير يدعوكِ لتناول العشاء معه." "سآتي بعد قليل." أجابته بابتسامة لطيفة انفرجت لها أساريرها. عندما همّ جميل بمغادرة الغرفة، استوقفته ونبرتها تشوبها الريبة: "هل يمكنني أن أسألك عن زياد؟ لم أره منذ الظهيرة." أجاب بهدوء واحترافية متقنة تداري الواقع: "لقد أرسله السيد في مهمة، لا تقلقي سيدتي، سيعود قريباً." ابتسم بخفة وأغلق الباب الخشبي خلفه دون أن يظهر عليه أي ارتباك أو شك. لكن لمار كانت قد سمعت حديث الجد بالصدفة في الممر البارد، حين قال إن زياد يُعاقب في الخارج... يُجلد ويركع تحت البرد القارس. زفرت بغضب واشتعال، ثم أزاحت الغطاء الحريري عنها وقامت من سريرها الذي اعتادت ترتيبه بنفسها كما كانت تفعل في بيت عائلتها الدافئ. غادرت الغرفة وتوجهت نحو المصعد، وهبطت للطابق السفلي حيث مائدة العشاء الفاخرة تتضوع بأريج الطعام والبهارات والمشروبات الساخنة. ما إن خرجت من المصعد حتى سمعت صوت الجد يتردد في البهو الخالي: "هل سألتك عن زياد؟" "نعم سيدي، وقد أجبتها كما طلبت." "جيد." قال الجد برضا. همست لمار في نفسها بحرقة الموقف: (بدلاً من شكره... عاقبوه؟) ثم تابعت سيرها
last updateLast Updated : 2026-08-13
Read more

الفصل ١٤٧

كأنها نقلت تلك العفوية المفرطة إليه؛ إذ مد يده العارية مثلها وأخذ الفخذ الآخر، وقضم منه، يأكل بشهية أكبر مما اعتاده طوال سنين عمره، يتلذذ بالطعام بنهمٍ حار لم يفعله من قبل. كان ينظر إليها كلما مدّت يدها إلى الأطباق الفخارية لتملأ طبقها، وأحيانًا تأكل من الطبق الأساسي مباشرة. ابتسم الجد سعيدًا وتفتحت تجاعيد وجهه، وتناول طعامه بطريقة عفوية غير مكترثة بـ "الانضباط" و"الرقي" الذي كان يُنسب إليه دائمًا. حتى جميل، الخادم، اتسعت عيناه بشرار السعادة، وعندما مدت لمار يدها وهي تحمل قطعة دجاج محمرة وأعطته إياها، قالت:"تعال تناول الطعام معنا."لمعت عين جميل بسعادة طافحة، وأومأ الجد بالموافقة الهادئة؛ سحب جميل مقعدًا مخملياً وجلس، وربما كانت أول مرة يجلس فيها هكذا مع سيده الكبير، يتناول طعامه بصورة فوضوية ومريحة تملؤها الحرارة العائلية.خرج العاملون من المطبخ محملين بأباريق المشروبات فانبهروا بالمشهد؛ اتسعت عيونهم، وراحت إحداهن تضع يدها على فمها الفاغر قائلة بذهول:"ما الذي يحدث هنا بحقّ الجحيم؟"أما الأخرى فوضعت قبضتيها على عينها وفركتها بعدم تصديق:"هل هذا هو السيد الكبير الذي أراه أم أنني أتخي
last updateLast Updated : 2026-08-13
Read more

الفصل ١٤٨

أجابته لمار بتلعثم ونفسها يعلو ويهبط :"هذه أنا."ارتفعت حاجباه مستغربًا من تعابيرها المكفهرّة التي توشك على البكاء وسط الظلمة:"السيدة الشابة؟ ما الذي جاء بك إلى هنا؟"اقتربت منه بحذر شديد، وكفّ قبضتها مشدودة على الغطاء، هامت عيناها في حزن جول المكان المتجمد، وتمتمت هامسةً بنبرة تخنقها العبرات:"أنا آسفة… جعلتك تعاني."بادلها بتعاطف وعاطفة جياشة حاول أن يخفيها عن ملامحه الصارمة:"لا عليكِ… هذه أشياء لا تستحق الذكر."ارتجف صوتها كأنفاس الليل، وشعرت بحرقة حادة توخز في أرنبة أنفها من حبس الدموع:"لماذا لم تخبرهم أنني لم أرغب بحضروك ذلك اليوم؟ لماذا يعاقبونك هكذا وأنت لا تستحق؟"وأثناء كلامها المتهدج وقعت عينها على جسده العاري المشدود، فتفحّصته وهي مقطبة الحاجبين بألم:"هل آذاك أحد؟"سقطت أمامه راكعة على ركبتيها فوق العشب المبتل، وعيناها تلمعان بالدموع الغزيرة، وعندما تلمست كتفه عن طريق الخطأ وضغطت بغير قصد، تأوه بصوت مكتوم متألّمًا. كان وجهها المرتعش وصوتها المرتجف دليلًا واضحًا وصريحًا على اهتمامها البالغ به، وهذا ما جعل زياد يشعر بدفءٍ غريب وشديد يتسرب إلى عروقه المتجمدة؛ لمعت عينه ب
last updateLast Updated : 2026-08-13
Read more

الفصل ١٤٩

"أنا هنا لأجلك. لأجل حمايتك، لأجل أن تكوني بخير."قالها متأثراً ونبرته تفيض بحرارة مخلصة، أمسك يدها بهدوء حذر وجعلها تقف أمامه وسط عتمة الغابة. عيونه لامعة كأنما تحتفظ بكلمة لا تُقال وسرٍ يخشى الإفصاح عنه."اذهبي الآن، الطقس بارد جداً وستُصابين بالبرد."رفع بصره إليها وهو يتحدث، صوته رقيق يحمل قلقاً جارفاً لا يخفيه.خفضت لمار بصرها قليلاً، تبادله نظرة طويلة محملة بالعاطفة والامتنان."حتى وأنت على هذا الحال، لا تزال تفكر بي."قالت بصوت ترتعش فيه الكلمات، وعيونها الباكية تشبه نهراً يلمع تحت الضوء الخافت المتسلل من بين أغصان الأشجار الرطبة. التقت عيناهما، لامعتين كنجم وسط سماء حزينة، فسَرَت شهقة دافئة وهي تبتلع الدموع الساخنة. خصلات شعرها المجعدة، التي كانت تكسو وجهها كالوشاح المبعثر، بللتها الدموع ولصقت بخدّها الندي، وبعضها ترفّ بعيداً مع نسمة هواء باردة تتضوع برائحة الصنوبر.ارتعشَت يدها الصغيرة داخل قبضة يده الباردة؛ أصابعه، التي كانت باردة كالثلج من أثر الليل والجراح، كادت تخفي دفء أصابعها الصغيرة بالكامل. شفاهها ترتجف بلهفة، وشهيق عميق خرج من جوفها، وكأنه يغلف الحزن المكتوم فيها. كا
last updateLast Updated : 2026-08-13
Read more
PREV
1
...
1314151617
...
24
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status