All Chapters of حروف بلا صوت : Chapter 151 - Chapter 160

239 Chapters

الفصل ١٥٠

اتّسعت عيناه على نحو غير متوقع، مندهشاً من حنانها وخجلها الناعم، ومن هدوئها الذي لم يسبق له مثيل. علامات التوتر التي كانت ترتسم على ملامحها، وحركات يدها الحذرة، جعلت آلامه الجسدية تتلاشى قليلاً وتستحيل دفئاً. ضحك بخفة مكتومة، قال لنفسه بصوتٍ خفيف:"على الأقل لم يخبُ اليوم كله.""بقي القليل على طلوع الفجر. سأعود إلى القصر قبل أن يستيقظ جدي على الإفطار. لا أريد أن أزيد من مشاكلك."قالت وهي تُغلق علبة الدواء بحذر وتضعها في جيبها. ساعدته على ارتداء قميصه وسترته، ثم شدّت الغطاء حوله بإحكام. خلعت سترتها الإضافية ووضعتها تحت ركبته ليبقى دافئاً فوق التراب البارد، لم تهتم بمعارضته، كانت تفعل فقط ما تراه مناسباً لوضعه الآن، كانت تصم آذانها عن أي شيءٍ لا يخدم حفاظها عليه.أخرجت علبةً حرارية من حقيبتها وصبت حساء الزنجبيل الفواح في طبق محكم لتلاحظ صعود بخاره الساخن المليء برائحة التوابل والحرارة."تناوله بسرعة، سيدفئك قبل أن أرحل."همست وهي تبتسم بصعوبة، وهي تشعر بنسمات الهواء البارد تفلح جسدها النحيل.ابتسم زياد وأخذ الطبق بسرعة، لكنها راهبته ونبهته:"أنها ساخنة اشربه ببطء، والا ستحرق نفسك."قال
last updateLast Updated : 2026-08-13
Read more

الفصل ١٥١

"أخبريني أين كنتِ الآن، وماذا تفعلين في مثل هذا الوقت خارج المنزل؟"قال بحدةٍ تقطع الأنفاس مثبتًا حدقتيه السوداوين الحادتين كالمخارز في وجهها الشاحب، وهو يقترب منها ببطءٍ مهدِّد، خطوة ثقيلة بعد خطوة، حتى توقف أمامها مباشرة لتطوقها رائحة التبغ الحاد والعطر الخشبي المكتوم الصادر من جسده."لم أستطع النوم، فخرجت لأتمشى قليلًا."أجابت ببطء، وكانت كلماتها متقطعة ومتهدجة تحت حدة ناظريه. قبضت يدها المرتعشة على طرف بنطالها العسلي اللون بعصبية أثارت تجاعيد القماش.كانت المسافة بينهما ضيقة جدًا وشديدة الخناق. تنفّسها المهتز الذي يرسل بخارًا خفيفًا، وخصلات شعرها المتمردة المتطايرة أمام فمها، ونظراتها المنخفضة نحو الأرض؛ كلها عوامل زادت من ارتباكها وجعلت الغرفة الشاسعة ضيقة كالمحبس. نظراته الثاقبة المحرقة أحرجتها حتى بدأت قطرات من العرق البارد ترطّب جبينها الأبيض، واحمرّت وجنتاها بحرارة تدفقت رغم برودة تلك الليلة الشتوية."هل تقولين الآن إنكِ تمشّين بحثًا عن النوم منذ ثلاث ساعات على الأقل؟"قال ساخرًا بنبرة تهكمية لا ترحم، مع قَبْض حاجبيه السميكين في حركة عدم تصديق قاطعة.رفعت لمار عينيها اللامعتي
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more

الفصل ١٥٢

قال وهو يكز على أسنانه بنشيج مكتوم:"أنتِ..."ثم أضاف بحدةٍ بركانية:"هذه المرة الثانية التي تصفعينني فيها اليوم. هل اعتدتِ على هذا؟""ألم يخبركِ أحد أن اليد التي تمتد تُقطع؟"همهم بصوت غليظ ومكتوم، فارتجف جسدها النحيل كاملاً تحت وطأة صوته وهيبته المخيفة. شدّ على يدها بقسوة أكبر حتى اهتز جسدها، فصرخت متألمة:"اتركني!"حاولت التحرّر والتفلت منه، لكن قبضته كانت أقوى من أوهامها، ونظراته تشتعل كالنار في الهشيم."أظنّ أن الجد يدلّلك كثيرًا؛ ربما يجب أن أعلمك بعض الأدب."تمتم ورفع يده الخشنة يمسك وجنتها وقبض عليها بنعومة قاسية. كانت أنفاسه الحارة والمليئة برائحة التبغ تصل وجهها فتزيد رعشتها ورعبها. توقفت عن المقاومة والرفس حين أدركت أنّ جهدها عبثي ولن يفلح أبدًا إن لم يرد هو تحريرها."اتركني."كررت، تصرخ بصوت خافت مكسور من بين أسنانها.نظر إليها ببرود متجمد يخلو من الرحمة:"هل تعرفين ماذا يخطر ببالي الآن؟ أريد أن أعلّقك هنا داخل هذه الغرفة..."تحوّل صوته إلى همسٍ مرعب يشبه حفيف الأفاعي، وابتسامة هزيلة ومظلمة مرت على وجهه الشاحب."أريد أن أجعل الدم يقطر منكِ رويدًا رويدًا... أقتلع أظافرك...
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more

الفصل ١٥٣

:" أنا اتألم الآن ." تمتم بمرارة خانقة .كان يشعر بثقلٍ غامض يعتصر صدره المحموم. وضع يده الدافئة على قلبه وكأنّه يتحقق من نبضه المتسارع، لكن الاستغراب والدهشة غلّفا ملامحه الصارمة أكثر من الألم ذاته. لم يفهم سرّ هذا الوجع المفاجئ الذي ظهر مع أول قطرة من دموعها الساخنة التي لامست يديه. تساؤلات بلا نهاية تدفقت في رأسه كالسيل: لماذا؟ هل يمكن أن يكره الإنسان من يحب؟ سأل نفسه في صمتٍ خانق. ربما، ولكن هل يمكن أن يحب الأنسان من يكره؟ ثم اندفع بمرارة داخلية تكتسح جوفه: يستمع لصوت أنينها وكأنّه مجرد صدى بعيد، غير مدرك أنّ الخوف ينهشها وهي ترى نظراته التي تجمعت فيها أطياف الجنون والرغبة في القتل.(هي لا شيء بالنسبة لي… مجرد فتاة اختاروها لتُدعى زوجتي، لا أكثر).كرر الكلمة في داخله بصوتٍ هامس كأنه يريد إقناع قلبه المتمرد: (لا شيء… بالتأكيد لا شيء).كان جسده الضخم يقف أمامها كالجدار، لكنها شعرت أنه بعيد، بعيد لدرجةٍ تجعل الغرفة الواسعة الأنيقة تبدو كقبرٍ ضيق وخانق. الهواء ثقيل يتضوع بعطر التبغ، والجدران تضيق عليها حتى كادت تنهار فوق صدرها. أما هو، فقد غرق في تفكيره المرهق، لكنه لم يلحظ انهيارها؛
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more

الفصل ١٥٤

كان الفجر قد بدأ يبزغ في الآفاق، وبصره يتنقل بينها وبين الطريق الممتد؛ كان الفجر قد طلع وكست الألوان الزاهية والوردية السماء لتستقبل شروق الشمس بحرارة ودفء. الإضاءة الخافتة المنبعثة من أعمدة الشوارع وتوهج السماء مع طلوع الفجر واستبدال ظلام الليل بوهج النهار والشمس الحمراء التي بدت وكأنها مبتسمة تكسو السماء أفقًا ممتدًا؛ كان كل شيء حوله يبدو مثالياً وساحراً، ولكنه كان قلقاً طافحًا بالذعر، تلك القصيرة والصغيرة استطاعت أن تقلقه وتزلزل كبرياءه، استطاعت أن تشعره بالذنب والندم المُر لقسوة معاملته لها. هو الآن يأمر لوحة سيارته الذكية بالاتصال بالمستشفى ليبلغهم بحضوره الفوري، كان حضوره هناك قويًا ومهيبًا والجميع يهابه ويهاب مكانته وسطوته؛ فهو من صنع من المستحيل ممكناً واستطاع أن يكسب احترام الجميع وخوفهم برغم صغر سنه الشاب. وكأنه ولد قاسياً لا يعرف الرحمة، لا يخاف أحداً، وكأنه ولد من صخرة عنيدة انفصلت عن الجبل لتصنع من نفسها جبلاً شامخاً وتجلس على سلطة القوة والنفوذ. كان يقضم أظافره بتوتر شديد كلما نظر إليها ورأى انحسار الحياة عن وجهها الشاحب، كان يظن بأنها ستصحو في أي لحظة، ولكنها الآن تزد
last updateLast Updated : 2026-08-14
Read more

الفصل ١٥٥

تدخلت ممرضة أخرى في الحديث، وضحكت بخفّة ممزوجة بالسخرية والتهكم:"بالأمس، عندما رأيناه يحملها بين ذراعيه ويركض بها في الأرجاء، والدم منتشر في كل مكان على جسده، ويصرخ طلبًا للمساعدة... ظننتُ أنه لن يدعها تتعرض للأذى ثانيةً."ثم هزّت رأسها بخيبة يائسة:"كنتُ مخطئة."تجعّد حاجباه بقسوة عند سَماع أواخر كلماتها الحارقة، ورسخت الدهشة الشاحبة على ملامحه:"أمتأكد أنك تتحدثين عن هذه الفتاة؟"سأل ببطء شديد وهو يرفع رأسه لينظر إلى الطبيب بهدوء حذر."ماذا حدث لها؟ ولماذا كانت هنا؟"سأل يمان بقلق عارم لم يستطع كتمانه، عندما اكتفى الطبيب بالنظر إليه بجمود، رافعًا حاجبه باستغراب من شدة انفعاله.تقدم الدكتور كمال بخطوات سريعة وثابتة عبر الممر المعقم، يطير رداؤه الأبيض الناصع من الأسفل بخفة مع حركته، وخصلات شعره المرتّبة تتحرك بهدوء فوق رأسه. نظر إلى يمان متسائلاً بنبرة رصينة:"أين هي للمار؟"ارتفع حاجب يمان مندهشًا من السؤال المباغت، ثم أتبعها بضحكة خافتة وساخرة تحمل مرارة مكتومة:"هه، أنت تتكلم عنها؟ لستُ مخطئًا؟"ثم تقطعت أنفاسه واشتدت نبرته الحادة، ولمع الغضب البركاني في عينيه السوداوين:"أخبرني
last updateLast Updated : 2026-08-15
Read more

الفصل ١٥٦

انحنى قليلاً متألمًا، وواصل همسه المخنوق:"هو حملكِ بين ذراعيه، ربما احتضنكِ أيضًا. لقد جرى بكِ في المستشفى كالمجنون، صرخ لطلب المساعدة لأجلكِ."كانت تلك الصور القاسية تُخلق وتترسخ في عقله، وكأن الأمر حدث أمامه في هذه اللحظة. كلما نطق بهدوء وبطء، كان يؤنبها بمرارة ويوبخ نفسه لأجلها. وكلما زادت الصور وضوحًا في خياله المشتعل، غرس أظافره الحادة في راحة يده بقسوة، واشتدت قبضته لا إراديًا حتى كادت مفافصله تبيض. كان عقله يستحضر مشاهد المودة بينهما، بينما كان قلبه يرقص على ألحان عذابه وألمه المكتوم لأجلها."أعتقد بأنه يحبك."قالها بهدوء حزين وهو يؤكد كلماته لنفسه. مال إليها بأنفاسه، يضيق عينيه السوداوين ينظر إلى ملامحها الملائكية، بينما كانت الغيوم الداكنة والمتكاثفة تتجمع في الخارج فوق المستشفى. السماء امتلأت بالغيوم الثقيلة، وبدأت تخفف ثقلها الذي أتعبها إلى الأرض المتعطشة للارتواء؛ وكانت أصوات تصادم قطرات المطر الغزيرة بجمود الزجاج والأرض تخلق جوًا شاعريًا ومناسبًا للعتاب الصادق. كان الصدق العاري ينبع من كلماته، كان صادقًا معها في هذه اللحظة بطريقة لم يكن عليها من قبل أبدًا.وكأن المطر جاء
last updateLast Updated : 2026-08-15
Read more

الفصل ١٥٧

خرج من الباب الرئيسي الكبير للمستشفى. كانت الأمطار تهطل بغزارة وشدة، تنهال بسياطها الباردة على يمان الذي رفض بغرور أن يحمل مظلة يحتمي بها. كانت قطرات المطر المنسكبة تغزوه شيئًا فشيئًا، تتساقط على شعره الأسود وثيابه حتى ابتل بالكامل وتضوعت منه رائحة الصوف المبتل وعبق المطر. كانت خطوط الماء المنهمرة تنحدر على وجهه الشاحب والمحموم، قادمة من خصلات شعره المثقلة بالمطر.خطواته القوية والسريعة تحت المطر كانت تنشر المياه المتجمعة على الأرض وتحدث طرطشة عالية. كانت الرياح الشديدة تعصف حوله، والمطر الملتصق أظهر تفاصيل جسده المنحوت والمشطوب بدقة تحت قميصه الأبيض المبتل، مما جعل كل من يراه في الساحة الخارجية لا يستطيع إبعاد نظره عنه. لم يكن يبالي بالمطر القارس، ولا بالعيون المشدوهة التي تكاد تخرج من محجرها وهي موجهة نحوه؛ كان يفكر فقط في تلك الرقيقة التي ترقد على سرير المستشفى الأبيض.تلك التي لطالما عارضته وتحدت كبرياءه، ولكنها الآن نائمة بعمق غير مبالية بكل شيء يحيط بها. كان يفكر في قرب زياد منها والحميمة التي نشأت بينهما. كان يتساءل بمرارة كيف لم يلاحظ هذا الأمر النازف من قبل. كان يعتقد في قرار
last updateLast Updated : 2026-08-15
Read more

الفصل ١٥٨

في قصر الجد الأكبر، ساد الهدوء المهيب الممتزج برائحة العود والخشب العتيق."لقد أنهى زياد عقابه، سيدي."قال جميل، وهو يقف بجانب الجد الأكبر، مطأطئًا نظره إلى الأسفل بأدب، وشابكًا كفيه أمام بطنه."أحضر الطبيب لأجله، كي لا تتقرح إصاباته."قال الجد بنبرة آمرة حنونة في خفائها."نعم سيدي، سأفعل."أجاب جميل بطاعة."لم أرَ لمار. هل لا تزال نائمة؟"كان الجد يبحث في الأرجاء بنظراته القلقة."لقد أخبرتني الخادمة بأنها ذهبت مع السيد الشاب في الصباح الباكر.""يمان!"اتسعت عينا الجد بالبهجة والانشراح:"هل جاء إلى هنا؟""نعم سيدي."أجاب جميل بطاعة، وبينما كان يتحدث، راحت أصوات حادة وصراخ يعلوان فجأة من إحدى الغرف المجاورة في القصر.نظر الاثنان لبعضهما بدهشة، يتساءلان عن سر هذا الصخب المفاجئ."سيدي الأكبر، سيدي الأكبر! لقد هاجم السيد الشاب زيادًا."جاء صوت إحدى الخادمات وهي تقتحم المكان دون استئذان، ولثغتها ترتجف من الخوف.نهض الجد بفزع وسرعة:"هل قلتِ يمان؟"قال بنبرة غير مصدقة.في جناح زياد المعتم المعبق برائحة المظهرات، كان يمان يثور كالمجذوب:"أنت! كيف لم تخبرني بأن لمار تم اختطافها؟"كان يمان يتح
last updateLast Updated : 2026-08-15
Read more

الفصل ١٥٩

سأل الجد جميل وهو يفكر بعمق: "أعتقد الصلب والغاضب لأنه ربما لا يرحم." قال بشك. ضحك الجد وهز رأسه نافيًا بحكمة العجائز: "لا، لا. الصلب الغاضب سيكشف عن نقاط ضعفه بسهولة. أما الصلب البارد، فهو الأخطر في الخطط والتحرك، حيث لا تستطيع أن تعرف ماذا يدور في رأسه." ثم أضاف بثقة يقينية: "أعتقد أن زياد هو الشعلة المناسبة التي ستجعل يمان يفقد صلابته." "جدي، لماذا تحميه؟" جاء صوت يمان من خلفه يركض بخطى سريعة يلحق بالجد في الممر الرئيسي، ليمشي بمحاذاته محتجًا ومتألمًا. "هل تستجوبني قبل أن أفعل أنا؟" قال الجد بنبرة صارمة حبست الكلمات في حلق يمان. "لم أفهم؟" قال يمان بتعثلم . "لقد أخذتَ لمار من هنا دون أن تستأذنني. هل تعتقد أنه يحق لك استجوابي؟" قال الجد بثقة متناهية. "ولكني لا أعتقد أنه عليّ أن أستأذن بشأن أخذ زوجتي." قال يمان ببرود وحنق. "إنها ليست زوجتك بعد. أعدها إلى القصر قبل أن أغضب." قال الجد بصرامة قاطعة، وتركه، وراح يكمل سيره النحيل نحو المصعد دون أن يترك له أي مجال للتفاوض أو الرد. "هل الجميع مُصرّ اليوم على أن يجعلني أفقد صوابي؟" كان يمان يصرّ على أس
last updateLast Updated : 2026-08-16
Read more
PREV
1
...
1415161718
...
24
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status