로그인صباح جديداستيقظت مع أشرقة الصباح الأولى بحيوية دفقت في أطرافها. اغتسلت، وعدّلت هندامها بترتيب، ثم سرّحت شعرها بعناية وضعت لمسات خفيفة من الزينة على وجنتيها. ارتدت بنطال جينز أسود، وكنزة رمادية، وشَدّت معطفها الشتوي الأسود فوقهما.تناولت كتبها وحقيبتها وهاتفها عن سطح المكتب، وغادرت الغرفة بحماس يضيء ملامحها.لم تعثر على أثر ليمان داخل الغرفة؛ فأغراضه لم تُحرّك، مما جعلها تعتقد أنه لم يعد في الليلة الماضية كما لمح لها. هَزّت رأسها لتطرد التفكير وهي تحدق في حافة السرير المرتبة: "من يهتم أين يقضي ليلته؟" فالأشخاص من طينته وموقعه يعشقون قضاء أوقاتهم بين المكاتب والفنادق.هبطت الدرج بخطوات قافزة، متشبثة بالسور الزجاجي، وشعرها يتطاير حول وجهها بينما تتمايل ضفيرتها على كتفها.دَخلت غرفة الطعام ، استقبلتها الروائح الشهية ، كان السيد أمجد والسيدة فاتن يتناولان إفطارهما بالفعل ، وهتفت بنبرة مبتهجة:"صباح الخير!"رفعت كأساً من العصير عن الطاولة، وترشفت منه جرعة سريعة.تبادل أمجد وفاتن نظرات مندهشة، وقالت السيدة فاتن بابتسامة دافئة:"صباح النور يا لمار.. هل عاد يمان إلى القصر في الليل؟"أومأت لما
استدار يمان ودس كفيه في جيبي معطفه الشتوي الأسود والسميك، وتبعها بخطى متأنية. ارتفع حاجبه باستغراب، وانفرجت شفتاه عن دهشة طفيفة:"ما الذي يدفكِ لقول هذا؟ ما زلتِ أصغر من أن تتفوهي بكلمات ثقيلة كهذه."ارتسمت على شفتيها ابتسامة مصطنعة، والتفتت بصرها نحوه:"صغر سني لا يعني جهلي بحقيقة البشر.. أو على الأقل بمن اضطر للتعامل معهم يومياً. لقد تجرعتُ نصيبي المُر من أفعالهم."تجاوزها يمان بخطوات واسعة، وأمال رأسه إلى الأسفل وهو يركل حجرًا صغيراً بقدمه، مع ابتسامة جانبية ساخرة:"هذا حديث أكبر من سنكِ."حثت لمار خطوها حتى شقّت طريقها بجواره، ودست يديها في جيوبها بينما كان الهواء يعبث بأطراف معطفها، واطلقت زفيراً حاراً في الهواء البارد:"لكنني تجرعته بالفعل."عقد يمان حاجبيه بملامح يلفها البرود، وقال:"ما زلتِ صغيرة جداً على هذه السوداوية. في القادم من أيامكِ، ستصطدمين بكم هائل من العثرات التي ستظنين أنها الجدار الأخير، وأنكِ الوحيدة التي تُطحن تحت رحاها.. لكنكِ ستكتشفين في النهاية أنها مجرد محطة عابرة. أنتِ وحدكِ من يملك القرار؛ إما أن تجعليها تعبر، أو تستسلمي لها كأنها قدر أبدي. خذي العثرات كأن
ضمت حنين ذراعيها، وتفحصت ملامح لمار بنظرات ثاقبة:"ما الأمر؟ ألا تشعرين بالطمأنينة داخل القصر؟"أزاحتها لمار بلطف، وقالت بنبرة حاولت جعلها متزنة:"أنا بخير، كل ما في الأمر أن النوم جافاني، فخرجت لتنشق بعض الهواء."سارتا معاً ببطء نحو مقاعد الحديقة، وقالت حنين بنبرة هادئة:"كان يومكِ شاقاً للغاية، أليس كذلك؟"زفرت لمار زفيراً طويلاً:"نعم.. كان يوماً عاصفاً."أردفت حنين بفضول:"يبدو أنكِ تألمتِ كثيراً اليوم."تقوّست شفتا لمار بابتسامة باهتة:"لا جديد في الأمر.. هذا هو طابع تعاملنا دائماً، لكن الفارق الوحيد اليوم أن المسرحية عُرِضت أمام الملايين."تساءلت حنين:"وهل يشكل الجمهور فارقاً؟""بالتأكيد يختلف. عندما يقسو يمان في تعامله معي، أستطيع الدفاع عن نفسي. لكن هذه المرة كانت مختلفة. نعم، تألمتُ كما لم أتألم من قبل، لقد كانت ردة فعله عنيفة، ولكنها لم تكن المرة الأولى، ولكن مشاعري اختلفت لاختلاف الناس الذين عرفوا حقيقة علاقتنا. لم نكن ذلك الزوجين اللذين يحسدهما الجميع، كما خُيّل لي. لم أكن أدرك أن الجميع كان على علم مسبق، وأنني أنا وحدي من كنت جاهلةً لكل هذا."تمتمت داخلياً ،كانت تدرك الحق
انقبضت كفاها داخل جيوب المعطف لترد هبات الهواء الشمالي. وفي طريقها، وقعت عيناها على زاوية طالما مرت بها دون تدقيق.. الجناح المهجور القابع في طرف الحديقة، الذي لا تقترب منه الخادمات إلا لأعمال التنظيف المقتضبة.وقفت لمار، وشدت على القماش الثقيل لمعطفها:"إن كنتُ أريد التفتيش عن الحقيقة.. فالبداية يجب أن تكون من هنا."أومأت لنفسها بإصرار، ثم تقدمت بخطوات حذرة. كانت ظلال الأشجار العالية تتراقص على الأرضية الحجرية تحت ضوء القمر الخافت، كأنها أطياف تحذرها من التقدم.دُفع الباب الزجاجي بمهل، فانبعث منه صفير حاد يجعل أضراسها تصطك ببعضها من التوتر. رفعت قدمها وتسللت إلى الداخل.كان المكان غارقاً في شبه عتمة، تتخللها إضاءة شاحبة من بعض المصابيح المعلقة في الزوايا. الألوان باهتة، والأثاث القديم يعلوه طابع مضى عليه الزمن، رغم الثراء الفاحش الذي يحيط بأصحاب القصر.استلت هاتفها وسلطت إضاءة الكاشف بنطاق ضيق، متجنبة إشعال أنوار الجناح كي لا تثير الانتباه.أخذت تتجول بين الأركان، تقلب الأدراج الخشبية بحذر، وتغرز أسنانها في شفتها السفلية وهي تقرأ التفاصيل. كانت الخزائن محشوة بملابس صبيانية ذات ألوان ز
أطلق يمان ضحكة ساخرة جافة: "هه.. أنتم السبب في كل هذا الجحيم." استدار بخطوات هادرة وغادر القصر، تاركاً خلفه ثورة من الصمت. في الطابق العلوي، كانت لمار تسند يدها المرتجفة على الحائط، تعتصر أقمشة كنزتها الصوفية بقوة. اتسعت حدقتاها وهي تتجرع مرارة الخديعة؛ لقد ظنت للحظة أن لين كلماته وعناقه كانا بداية لشعور صادق، فإذا به مجرد تمثيلية أخرى. انقبض فكها، وشدت على قبضتها وهي تهمس لنفسها بإصرار جريح: "عليّ أن أفهم ما يجري في هذا البيت.. سأكشف السر الخفي خلف هذه المسرحية بأي ثمن!" في الحانة ارتفع صوت نخب متكسر وسط ضجيج الموسيقى والأنوار الخافتة، واشرأبت الأعناق نحو المدخل: "انظروا من وصل!" رفع كرم رأسه وشخص ببصره نحو الباب. كان يمان يتقدم بخطوات ثقيلة، ومحيّاه مشدود بملامح قاتمة. اتسعت ابتسامة كرم الماكرة، ونهض من مقعده يخطو نحوه، يتبعه جاد بفضول. قال كرم بصوت مرتفع ليسمعه يمان وسط الصخب: "يا للغرابة! أليس هذا هو العريس الذي لم يكن يطيق الزواج؟ واليوم فقظ ظهر فيها ! تخيلوا لو كان راغباً بالزواج حقاً.. ربما ما كنا سنرى وجهه مجدداً!" ضحك جاد بمزاح، بينما توقف يمان أمامه
ما إن دخلت الحمام وأغلقت الباب، حتى تناهت إليها أصوات خطوات يمان وهي تبتعد فوق السجاد، تلاها صفير الباب الخارجي يعلن خروجه من الغرفة.في تلك اللحظة بالذات، انكفأت على ركبتيها وسقطت على الأرضية الكتيمة، لتنفجر نوبة بكاء جديدة هزت أضلاعها بعنف. كتمت فمها بكفها وهي تشهق باختناق، وتتساءل بصوت متقطع:"يقولون إن البكاء يغسل الألم.. فلماذا يزداد هذا الحريق ضراوة كلما انهمرت دموعي؟!"طوّقت ساقيها ببراعيها، ودفنت رأسها بين ركبتيها تترك للشهقات أن تعصف بجسدها المنهك.بعد برهة، رفعت رأسها، ومسحت وجهها بظهر كمها. واجهت انعكاسها في المرآة؛ كانت حدقتاها محتقنتين بحمرة قانئة، ووجنتاها متورمتين بشدة.عدّلت أزرار كنزتها الصوفية السوداء، وسرّحت خصلات شعرها المتناثرة بأصابع مرتجفة، ثم فتحت الصنبور ووضعت كفيها تحت الماء المنسكب، لتغسل وجهها بالماء البارد علّه يطفئ وهج التورم.نزلت السلم بخطوات متثاقلة متجهة نحو المائدة الضخمة حيث يجلس الجميع.ما إن أطلّت في أطراف القاعة، حتى تهللت وجوه الجالسين. رفع يمان رأسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة طفيفة، ثم مدّ يده وأزاح المقعد الخشبي المبطن المجاور له بمهل لتجلس عل