جميع فصول : الفصل -الفصل 260

265 فصول

251- جَمْرُ القُرْبِ وَظِلاَلُ الذِّكْرَيَاتِ

ساد السكون أرجاء الصالة الكبرى لثوانٍ معدودة، بدت فيها كلمات سيلينا الأنيقة كحاسمةٍ فرضت حدود الحاضر بثباتٍ راقٍ. امتدت يد كريس الضخمة كفعلٍ انعكاسي حاسم لتقبض على الأصابع الدقيقة الملتصقة بذراعه، يشدها نحوه بصلابة هادئة، بينما كان صدره يعلو بزفيرٍ خفيض؛ إذ أشعلت نبرتها اللطيفة شيئاً خفياً في داخله، مزيجاً من الرضا والتملك أمام هذا الكبرياء الساطع. لكن شريط الألفة القديمة لم يتوقف؛ إذ أفلتت الطفلة "تايا" يد ميلينا وركضت نحو كريس بخطواتٍ مبهجة، تتعلق ببنطاله وترفع ذراعيها الصغيرتين بدلالٍ طفولي: — "كريس... اشتقتُ إليك! ألن تحملني كما كنت تفعل؟" انحنى كريس برزانته المعهودة وحمل الطفلة بين ذراعيه بسهولة تلقائية اعتادها منذ سنوات. وفي تلك اللحظة، اقتربت إيلينا بخطواتٍ ناعمة حتى وقفت بجانبه تماماً، تعدل طرف ثوب ابنتها فوق ذراعه، وتهمس بنبرةٍ تفيض بالألفة والدلال المريح: — "أنظر كيف تتشبث بك... لم تنسَك أبداً يا كريس." اكتملت اللوحة العائلية المربكة أمام عيني سيلينا؛ القرب الجسدي، والانسياب العادي في التعامل، والتفاصيل المشتركة التي تجعلها تبدو كالغريبة الوحيدة في هذا القصر. شحب
last updateآخر تحديث : 2026-09-09
اقرأ المزيد

252- خُيُوطُ الذِّكْرَى وَحَرِيقُ الظُّنُون

لم يدم الصمت الرخامي طويلاً قبل أن تكسره الطفلة "تايا"، إذ مدّت ذراعيها الصغيرتين نحو كريس برغبةٍ ملحة ونبرةٍ طفولية يملؤها الدلال: — "كريسسس…كريس... احملني!" انحنى كريس برفقٍ دافئ لا يُظهره إلا نادراً، ورفع تايا بين ذراعيه بهدوءٍ حنون، ويمسد ظهرها بلمسةٍ هادئة. وفي تلك اللحظة الخاطفة، التفتت إيلينا نحو كريس بميولٍ ناعم، ثم عادت بنظرها المسموم نحو السيدة ميلينا، ونبست بنبرةٍ طروبة، ينساب منها الخبث بأسلوبٍ اعتيادي يفيض بالتلميحات: — "وحتى (تايا)... ألا تتذكر يا كريس؟ أنتَ من أصررتَ على اختيار هذا الاسم لها حين ولدت! أخبرتكَ حينها بدلال أنني كنت أسمي كل ألعابي المفضلة بهذا الاسم في صغرنا ونحن نلعب معاً هنا... والظاهر أنك لم تنسَ تلك التفاصيل الصغيرة أبداً. حتى أن تايا تتعلق بك بطريقة غريبة... إنها تحبك تماماً وكأنك والدها." كانت الكلمات تتساقط كالجمر الخفي، فتلاشت الابتسامة الباردة عن ثغر سيلينا تدريجياً، وحلت محلها انقباضة حارقة في جوفها... *اختيار الاسم، ذكريات اللعب القديمة، وتعلق الطفلة به كوالدها!* التقط كريس بداية انخطاف اللون عن وجه سيلينا، ورأى كيف بدأت حدقتاها تكتويا
last updateآخر تحديث : 2026-09-09
اقرأ المزيد

253- خَلْفَ البَابِ المَغْلَق

ارتطم باب الجناح بالجدار خلف سيلينا بفعل الهواء القوي الذي أحدثته خطواتها المتسارعة. لم تلتفت لترده، بل واصلت سيرها نحو منتصف الغرفة بخطواتٍ مضطربة تفيض بالقلق والتوتر. كانت أصابعها المرتجفة تحاول فك عقدة الشال الحريري الملتف حول عنقها... كان يقتلها ويخنق أنفاسها وسط هذا الضيق العارم الذي يملأ صدرها. وقبل أن تلتقط أنفاسها المجهدة، انغلق الباب خلفها بقوة ارتجت لها أرجاء الغرفة. اندفع كريس إلى الداخل كالعاصفة، وملامحه الصلبة مشدودة بصرامة مرعبة، وعيناه الكحليتان تشتعلان بغضب حاد ونظرة امتلاكية ثائرة. لم يكن غضبه لمجرد انزعاج عابر؛ بل كان بركاناً حارقاً أضرمته فكرة واحدة تنهش عقله: *كيف تتجرأ على تجاهله والابتعاد عنه بهذه القسوة والرفض أمام الجميع؟* شعر بجنون يعتصر صدره، يوسوس له بأن تساهله الأخير معها ولينه الخفي هما ما جعلاها تتطاول وتظن أن بإمكانها الانسحاب من حياته متى شاءت! قطع المساحة الفاصلة بينهما بخطوات واسعة وحاسمة. لم يعطها فرصة للتراجع، بل امتدت يده العريضة بقوة لتقبض على معصمها الدقيق، يشدها نحوه بقسوة ليجبرها على الالتصاق بجسده، ونبس بصوت حاد يخرج من بين أسنانه بجنون ومح
last updateآخر تحديث : 2026-09-09
اقرأ المزيد

254- لَهَبُ الشُّكُوكِ وَعَاصِفَةُ الكِبْرِيَاءِ

تسمرت الأنفاس في صدر كريس، وتجمدت حركته كأن صاعقة ضربت ثباته. كان بركان الغضب الذي دخل به الجناح لفرض سلطته قد أخذ مساراً أكثر ظلمة وشراسة. ظنت أن غضبه القديم من حمل إيلينا كان غيرة عشيق! ظنت أن الدفء الذي تحدثت عنه تلك المرأة كان حباً خفياً لم يهدأ كريس، بل إن كلماتها طعنت كبرياءه في مقتل. تحولت الصدمة الأولى في عينيه إلى عاصفة هوجاء من الحنق والإهانة؛ كيف تجرأت على التشكيك به بهذه البشاعة؟ كيف سمحت لعقلها أن ينسج هذه الخرافة المسمومة وتصدقها بهذه السهولة؟ وما كان يقتله حقاً ويشعل جنونه هو أن الصباح فقط شهد انسجاماً تاماً بينهما؛ كانت هادئة، تغرق بين ذراعيه وفي حضنه بكل استسلام، فكيف تتغير في لحظات لتطالعه بهذه النظرة الشاحبة الممتلئة بالحقد والازدراء، وتلغي كل ما بينهما لمجرد تلميحات خبيثة سمعتها من امرأة حاقدة وفسرتها على هواها؟! انقبض فكه بحدة مرعبة وهو يخطو نحوها خطوة حاسمة، يقلص كل شبر بينهما. امتدت يده لتقبض على ذراعها بصرامة، يشدها نحوه حتى لفح هواء أنفاسه الحار وجهها الشاحب، ونبس بصوت كالرعد الخفيض، يقطر بالغضب والإهانة: — "أتتجرئين على التفكير بهذه الطريقة يا سيلينا؟
last updateآخر تحديث : 2026-09-09
اقرأ المزيد

255- خَلْفَ سُتُورِ الصَّمْت

تلاشت كل ذرة كبرياء أو غضب في صدر كريس، واختفت نبرة السلطة التي دخل بها الجناح كلياً. طغى الخوف الجارف على ملامحه الصلبة؛ خائفاً بحق من أن تكون تلك الدفعة المباغتة قد ألحقت أذى بسيلينا أو بطفلهما القابع في أحشائها. خطا نحو السرير بخطواتٍ خفيضة ومرتبكة، ينبعث منها الندم والإرباك، ثم انحنى بجانبه على الفراش. مدّ كفه الضخمة ببطءٍ شديد نحو كتفها الباكي، يحاول الاقتراب منها وضمها إلى صدره ليرد عنها هذا الانهيار ويقضي على رجفتها. — "سيلينا..." خرجت الكلمة من بين شفتيه مبشورة، خافتة، يحاول بها حثها على التجاوب. لكن سيلينا انكمشت على نفسها بألمٍ أشد فور أن شعرت بلمسته. سحبت جسدها بحدة ونفضت يده عنها كمن يهرب من جمرٍ حارق، واضعةً يدها حول بطنها في حركةٍ غريزية لحماية حملها، ومستمرةً في إعطائه ظهرها بالكامل دون أن تنطق بحرف. كانت تحاول الابتعاد والاندفاع إلى أقصى طرف السرير لتمنعه من الاقتراب. لم يحتمل كريس هذا الابتعاد ولا ذاك الخوف الذي رآه في حركتها. انقبض قلبه برعبٍ حقيقي، فاندفع بجسده الضخم خلفها، واحتواها من الخلف بقوةٍ وحذر، يحيط خصرها بذراعيه العريضتين ويشدها نحو صدره رغماً عن
last updateآخر تحديث : 2026-09-09
اقرأ المزيد

256- ثَوْرَةُ الحَقِيقَة

— "...أنتَ بوعيكَ وسكوتكَ هذا كنتَ تمنحها المساحة الكافية لتهدم بيتي وتطحنه فوق رأسي!" تراجعت سيلينا خطواتٍ إضافية عن أطراف السرير، وصدرها يعلو ويهبط بانفعالٍ جارف، وعيناها المبتلتان بالدموع تسكبان حمماً من القهر العارم. كانت تتنفس بعنف، وجسدها يرتجف بالكامل، واضعةً يدها على بطنها مجدداً وهي تطالعه بنظراتٍ تجرده من كل ثباته. ظل كريس مسمّراً في مكانه فوق الفراش، يملأ الذهول ملامحه المشدوهة. كانت حدقتاه متسعتين بقلة حيلة وصدمة مطلقة؛ رفعت كفّه العريضة ببطء ليلمس خصلات شعره الداكن خلف رأسه، في مكان الأصابع التي انغرست بصرامة وسحبت رأسه للخلف منذ ثوانٍ. لم يكن عقله يستوعب ما حدث للتو؛ هل قامت امرأته بشدّ شعره بهذه الجرأة والهستيريا المباغتة؟! رفع رأسه ببطء شديد، وعيناه الكحليتان تطالعانها بذهولٍ تام يمتزج بالاستنكار وعدم التصديق، ثم نبس بصوتٍ خفيض، ينضح بالصدمة والارباك: — "أنتِ... هل قمتِ لتوّكِ بشدّ شعري يا سيلينا؟! أفعلياً مددتِ يدكِ وسحبتِ شعري للتو?!" في تلك اللحظة بالذات، ومع تردد نبرته المشدوهة في أرجاء الجناح، سقطت التهديدات فجأة وعاد إليها عقلها كالصفعة الحادة! استوعبت سيل
last updateآخر تحديث : 2026-09-09
اقرأ المزيد

257- غُفْرَانُ الجِرَاح

توقف كريس في مكانه تماماً، ولم يتحرك ليرد ضرباتها المتتالية على صدره. تركها تفرغ كل غضبها ووجعها فيه، وهو يستمع إلى كلماتها التي فتحت جراح الماضي بينهما. احمرّت عيناه بحدة، وتملك منه قهر شديد وندم لم يشعر به من قبل. لم يكن مقهوراً لأنها ضربته أو شدّت شعره، بل لأنه استوعب حجم الخوف والآلام التي حُفرت في قلبها منذ ذلك الوقت، حتى عادت تتذكره بقسوة اليوم. توقف حظ غضبه بالكامل، واصطبغ وجهه بحزن ثقيل وهو يراها تبكي وتشهق بألم أمام عينيه. وبدون أن يتكلم بأي كلمة، امتدت يداه لتمسك بوجنتيها المبللتين بالدموع برفق. رفع رأسها إليه، واقترب منها ليقبلها بقبلة عميقة ودافئة، يفرغ فيها كل اعتذاره وحبه الصامت. حاولت سيلينا أن تدفعه بعيداً في البداية بكفيها الصغيرتين، لكن قوته الهادئة لم تمنحها مجالاً للابتعاد. استمر يحيطها بحنوه ويمتص حزنها ودموعها، حتى بدأت مقاومتها تضعف وتتلاشى شيئاً فشيئاً، وأنهكها التعب والانفعال بين يديه. وعندما شعر بأن أنفاسها هدأت وجسدها استرخى تماماً من التعب، ابتعد عنها ببطء. أسند جبهته على جبهتها لثوانٍ معدودة، وعيناه المحمرتان تتأملان وجهها الشاحب. انحنى برفق، و
last updateآخر تحديث : 2026-09-09
اقرأ المزيد

258- زائر ثقيل

مع بزوغ أولى خيوط النهار عبر أطراف الستائر الحريرية، كان الضوء الخافت يتسلل برفق ليرسم ملامح الغرفة المظلمة. لم يكن كريس قد أغلق جفنيه تماماً طوال الليلة الماضية؛ ظل ساهراً يستشعر كل حركة وتنهيدة تصدر عن سيلينا، يحرص على إبقائها مشدودة إلى جانبه بدفء وحذر شديدين. كان صدره ينبض بخوف مكتوم، خوف رجل يدرك أنه على أطراف حافة حادة؛ إن تحرك خطوة خاطئة واحدة قد يفقدها إلى الأبد، وإن تركها تبتعد سنتمتراً واحداً ستنهشها ظلال الماضي التي تطاردهما. بدأت رموش سيلينا الطويلة ترفرف ببطء، تعلن عن استيقاظها المجهد بعد عاصفة البكاء والانفعال التي أنهكت جسدها في الليلة السابقة. تحركت أناملها بخفة فوق الفراش الناعم، وانقبضت ملامحها الشاحبة للوهلة الأولى وهي تستعيد وعيها، مسترجعة ثقل الذكريات والألم الذي تفجر بينهما بال أمس. فتحت عينيها ببطء لتجد كريس يتطلع إليها بصمت تام، عيناه المحمرتان ترصدان كل رمشة من رموشها. انقبض قلبها وهي تلاحظ شحوب بشرته الحاد، والسواد الخفيف المحيط بعينيه المجهدتين؛ كان واضحاً كالشمس أنه لم يذق طعم النوم لثانية واحدة، وظل يحرس نومها ويتنفس قربها طوال الليل دون ملل أو تعب. لاح
last updateآخر تحديث : 2026-09-10
اقرأ المزيد

259- أول تنازل

اتسعت حدقتا كريس وهو يرصد ذلك التحدي النابض في عيني سيلينا المبتلتين بالدموع. كان صمت الغرفة أثقل من أن يُطاق، وأنفاسه المتهدجة تتردد في الفضاء الضيق بينهما وهو ما زال يمسك ببرودة الهاتف إلى جواره، بينما صوت الحارس على الطرف الآخر ينتظر أمراً حاسماً لا يحتمل التأخير. اشتعل الصراع في رأسه كالنار في الهشيم؛ كان شحوب السهر والندم يتقاطع مع قسوة حمايتها المفرطة، ينهشه خوفٌ مظلم من أن تتكرر المأساة، أن تعود تلك المرأة لتسلبها منه أو تضعف روحها النازفة مجدداً. لكن رؤيته لدموعها المنهمرة بغضب، وجفاف نبرتها وهي تعاتبه على مصادرة إرادتها، جعلت بذور الندم التي زُرعت في قلبه طوال الليل تتفتح بمرارة. كان كريس القديم سيعلق المكالمة، يرفض دون تردد، ويفرض سلطته المطلقة ليحبسها داخل الغرفة لحمايتها. لكنه تذكر ضرباتها المتتالية على صدره بالأمس، ووجعها الصارخ من قسوته وتحكمه المفرط... لم يكن يحتمل أن يرى ذلك الانكسار والكره في عينيها مجدداً، حتى لو كان ثمن ذلك حرق أعصابه بالكامل. أغلق المكالمة فجأة دون أن يعطي الحارس أية تعليمات جديدة، ورمى الجهاز جانباً على الفراش بعنف خفيف. استقام في وقفته ببطء
last updateآخر تحديث : 2026-09-10
اقرأ المزيد

260- المواجهة المسمومة

دُفع الباب الخشبي الثقيل لصالون الاستقبال السفلي ببطء، ليحدث صفيراً خافتاً شقّ الهدوء المشحون داخل القاعة. دخل كريس أولاً بقامته الضخمة وهيئته الصارمة، قابضاً على كف سيلينا بإحكام كأنه يغرس أصابعه في كفها ليحميها من العالم أجمع، تتبعه سيلينا بخطوات ثابتة رغم شحوب وجهها والتعب الجليّ الذي يثقل جسدها الحامل. في منتصف الصالون، كانت "فينيا" تقف بظهرٍ مستقيم وأناقة متكلفة تخفي خلفها ارتباكاً مريباً. ما إن وقعت عيناها على ابنتها حتى تحركت ملامحها بلهفة مصنعة، وخطت خطوة سريعة إلى الأمام وهي تمد ذراعيها، قبل أن تتسمر في مكانها فور أن جمدتها نظرات كريس النارية؛ عيناه المحمرتان من السهر والغيظ كانتا تنطقان بتهديدٍ صريح لو اقتربت إنشاً واحدًا إضافياً. ثبّتت سيلينا نظراتها على أمها، وانقبض قلبها وهي ترى الملامح التي لطالما ارتبطت في ذهنها بالخوف والخذلان. تشبثت بكف كريس الدافئة والقاسية في آنٍ واحد، تنقبض أناملها حول يده لتستمد منها القوة، بينما بدأت نبضات قلبها تتسارع بصورة مجهدة. اهتزت نبرة فينيا وهي تحاول اللعب على الوتر العاطفي مجدداً، مدعية الخوف والحرص الأمومي: — "سيلينا! كيف تنظرين إلي
last updateآخر تحديث : 2026-09-10
اقرأ المزيد
السابق
1
...
222324252627
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status