لم يكن المطر غزيرًا... كان مجرد خيوطٍ رقيقةٍ تهبط من السماء في هدوء، تلامس وجوه الواقفين ثم تنزلق عنها ببطء، حتى بدا وكأن السماء تُشاركهم الحداد بطريقتها الخاصة. امتدت صفوف المشيعين في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت التراب وهو يرتطم بخشب النعش، وصوت الإمام الذي كان يتلو آخر الدعوات بنبرة خافتة امتزجت بحفيف الريح. كانت الورود البيضاء تُحيط بالقبر من كل جانب، وقد أثقلت قطرات المطر أوراقها حتى انحنت إلى الأسفل، كأنها تعجز هي الأخرى عن مقاومة الحزن. وقف الجميع بملابس سوداء، وجوه شاحبة، نظرات زائغة. وهمسات لا تكاد تُسمع، لكن وسط ذلك المشهد... كان هناك رجلٌ واحد لا ينظر إلى القبر، بل كان ينظر إلى الوجوه. يمر بعينيه على الحاضرين واحدًا تلو الآخر، وكأنه يبحث عن شخصٍ بعينه. وحين لم يجده...خفض رأسه في هدوء.--- في الصف الأول، كانت امرأة تجاوز الشيب نصف شعرها تقف مستندةً إلى ذراع شابةٍ في منتصف العشرينات. كانت عيناها محمرتين من فرط البكاء، إلا أن دموعها قد جفّت منذ ساعات. أحيانًا يبلغ الحزن بالإنسان حدًا لا يعود معه قادرًا على البكاء. كانت تحدق في شاهدة القبر، وتحرك شفتيها بكلماتٍ لم يس
Last Updated : 2026-07-31 Read more