Masukظل صدى الصفعة عالقًا في الهواء.
حتى الريح التي كانت تعبث بأغصان الأشجار هدأت، وكأن المقبرة بأكملها توقفت لتنتظر رد فعل ريان. لكنه..لم يتحرك. بقي واقفًا في مكانه، مائل الرأس قليلًا، بينما ارتسمت على وجنته اليمنى حمرة واضحة أخذت تزداد شيئًا فشيئًا. لم يرفع يده ليلامس أثر الصفعة. ولم ينظر إلى نوال. كان بصره معلقًا بالاسم المحفور على شاهدة القبر. ليان السيوفي. تسللت أنفاسه ببطء من بين شفتيه، ثم أغمض عينيه لثوانٍ قصيرة، كأن مجرد قراءة الاسم استنزفت ما تبقى من قوته. اقتربت نوال خطوة أخرى. كانت كتفاها ترتجفان من شدة البكاء، بينما تشبثت أصابعها بطرف عباءتها حتى كادت تمزقها. حدقت فيه طويلًا، وكأنها تنتظر منه أن يقول شيئًا... لكنه ظل صامتًا، ارتجفت شفتاها. خرج صوتها مبحوحًا، يكاد يختنق بين شهقاتها. "لماذا...؟" كلمة واحدة. لكنها كانت كافية لتكشف حجم الخراب الذي تركه الموت خلفه. خفض ريان رأسه أكثر، وبصوت خافت، قال: "أعتذر." شهقت نوال، لم تكن تلك الإجابة التي أرادتها. بل كانت أسوأ منها، لأن الاعتذار...قد يعني أشياء كثيرة. ولم يكن بينها شيء يبعث على الطمأنينة. --- في الجهة المقابلة... كان سليم يراقب المشهد بصمت. حرك فكه ببطء، ثم أدار خاتمًا فضيًا يحيط بإصبعه عدة مرات، وهي عادة لم تفارقه كلما شعر بالتوتر. ثبت نظره على ريان، ولمعت في عينيه نظرة يصعب تفسيرها. لم تكن شماتة، ولا حزنًا، بل انتظار. كأنه يراقب مسرحية يعرف نهايتها، ويكتفي بمشاهدة الآخرين وهم يكتشفونها للمرة الأولى. اقترب منه شاب يعمل في إحدى القنوات الإخبارية. "السيد سليم... الناس تتحدث عن علاقة السيد ريان بوفاة الآنسة ليان، هل—" قاطعه سليم بابتسامة هادئة. "لا تُصدق كل ما يقوله الناس." "إذًا تنفي؟" ظل صامتًا للحظة، ثم نظر نحو القبر وقال: "الحقيقة...ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت...تُدفن أحيانًا مع أصحابها." --- في تلك اللحظة... تقدم أحد الحراس نحو ريان، وانحنى هامسًا بكلمات لم يسمعها أحد. لم تتغير ملامح ريان، لكن أصابعه انقبضت ببطء. "هل أنت متأكد؟" أومأ الحارس. "وصل قبل دقائق." رفع ريان عينيه، لأول مرة منذ دخوله المقبرة، ابتعد نظره عن القبر. واتجه إلى البوابة الحديدية، كانت سيارة رمادية قد توقفت للتو. خرج منها رجل في أواخر الخمسينيات، ملامحه هادئة. يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا رغم دفء الطقس. كان يحمل بيده باقة من زهور الزنبق الأبيض، وما إن وقعت عيناه على ريان...حتى توقف مكانه. أما ريان..فتبدلت نظراته لأول مرة، اختفى الحزن، وحل محله شيء آخر. شيء جعل حتى الحارس الواقف إلى جواره يتراجع خطوة دون أن يشعر. كان غضبًا...باردًا. الغضب الذي لا يظهر في الصوت...بل في الصمت. رفع الرجل الخمسيني الزهور ببطء، ثم قال بصوت لم يتجاوز من حوله: "جئت... لأودع ابنتي." اتسعت حدقتا نوال، وسقطت باقة الورد من يدها. أما سليم...فأغمض عينيه للحظة. وكأنه كان يخشى سماع هذه الجملة منذ سنوات. لم تسقط باقة الزهور من يد نوال...بل انفلتت منها. وكأن أصابعها فقدت القدرة على التمسك بأي شيء. ارتطمت الأرض، وتناثرت زهور الياسمين البيضاء فوق الطين المبتل، واختلط عبيرها برائحة التراب التي ملأت المكان بعد المطر. اتسعت عيناها. ظلت تحدق في الرجل الواقف عند بوابة المقبرة، وكأنها ترى شبحًا خرج من الماضي. تحركت شفتاها ببطء. خرج الاسم منها هامسًا، بالكاد سمعه الواقفون حولها. "إبراهيم..." ساد صمتٌ غريب، صمتٌ لا يشبه الصمت الذي يسبق البكاء... بل يشبه ذلك الذي يسبق الكارثة. تقدم الرجل بخطوات هادئة. لم يكن في هيئته ما يلفت الانتباه. رجل تجاوز الخمسين بقليل، ملامحه متعبة، تحت عينيه هالتان داكنتان، كأن النوم هجره منذ زمن. كان يمسك باقة الزنبق بكلتا يديه، كما لو كانت شيئًا ثمينًا يخشى أن يسقط. توقفت قدماه أمام نوال، لم يمد يده للمصافحة، ولم يحاول الاقتراب. اكتفى بالنظر إليها طويلًا، ثم قال بصوتٍ أجش: "تأخرت..." ارتعشت ذقن نوال، رفعت يدها، كأنها ستلمس وجهه لتتأكد أنه حقيقي. لكنها تراجعت قبل أن تصل إليه. "ليس... ليس من حقك أن تأتي." خفض إبراهيم عينيه.ابتسم ابتسامة شاحبة. "أعرف." ثم نظر إلى القبر. "لكنها كانت ابنتي أيضًا." كأن الكلمات سقطت فوق المكان كالصاعقة، ارتفعت همسات المشيعين دفعة واحدة. "ماذا قال؟" "ابنته؟" "أليست نوال أرملة منذ أكثر من عشرين عامًا؟" "إذن... من هذا الرجل؟" تراجعت نوال خطوة، شهقت بقوة حتى انقبض صدرها. "اصمت..." قالتها بصعوبة. "لا تنطق هذه الكلمة هنا." لكن إبراهيم لم ينظر إليها، كانت عيناه معلقتين باسم ليان المحفور على الرخام. خرج من جيب معطفه صورة قديمة، بهتت ألوانها من كثرة السنوات. كانت الصورة لفتاة صغيرة، لا يتجاوز عمرها خمس سنوات. شعرها مربوط في ضفيرتين، تضحك وهي تمسك ببالون أحمر. مرر إبهامه فوق الصورة بحنان، ثم همس: "احتفظت بها... طوال هذه السنوات." من بعيد...كان ريان يراقب المشهد. لم يتحرك. لكن الحارس الذي يقف بجواره لاحظ أن أنفاسه أصبحت أبطأ. وهذه كانت العلامة الوحيدة التي يعرفها. كلما أصبح ريان أكثر هدوءًا...كان ذلك يعني أن غضبه بلغ ذروته. اقترب الحارس بحذر. "سيدي..." لم يجبه.ظل ريان يراقب إبراهيم، وكأن بينهما حديثًا قديمًا لا يسمعه أحد. ثم قال أخيرًا: "من سمح له بالدخول؟" "لا أحد، سيدي." "إذن..." التفت إليه ببطء. "...ابحث عمّن أخبره بموعد الجنازة." أومأ الحارس فورًا، وغادر. لكن قبل أن يبتعد...استوقفه صوت ريان مرة أخرى. "ولا يلمس أحد الرجل." استدار الحارس متعجبًا. "سيدي؟" ثبت ريان نظره على القبر. ثم قال بهدوء: "ليس اليوم." في الجهة الأخرى... كان سليم يقف بعيدًا عن الجميع.أخرج هاتفه من جيبه. فتح صورة قديمة، كانت صورة تجمعه بليان، التقطت قبل سنوات. كانت تضحك فيها بعفوية، بينما كان هو ينظر إليها دون أن تنتبه، مرر إصبعه فوق وجهها. ثم أغلق الهاتف بسرعة، كأن الصورة أصبحت تؤلمه، رفع رأسه. وقعت عيناه على ريان، للحظة قصيرة... التقت نظرات الرجلين، لم يتبادلا كلمة، لكن شيئًا مر بينهما... شيء يشبه الوعد، أو ربما...التهديد. ____ بينما كانت الأنظار معلقة بإبراهيم... اقترب شاب في أواخر العشرينات من أحد رجال الأمن. كان يحمل حقيبة جلدية سوداء، قال بصوت منخفض: "هذه الأمانات الخاصة بالآنسة ليان." تسلمها رجل الأمن. "كان من المفترض تسليمها إلى العائلة بعد انتهاء التحقيق." مدَّ نوال الحقيبة إليها بيدين مرتجفتين. كانت تعرف محتوياتها، هاتف، مفاتيح، محفظة، وساعة يد. فتحت الحقيبة ببطء، انبعثت منها رائحة عطر خفيفة. رائحة ليان. شهقت نوال، وأغلقت الحقيبة فورًا، كأن الرائحة وحدها كانت كافية لتمزق قلبها. لكن...قبل أن تغلقها تمامًا...سقط منها ظرف أبيض صغير. انزلق فوق الأرض المبتلة حتى توقف عند قدمي ريان. انحنى الجميع بنظراتهم نحوه، أما ريان...فلم يتحرك. ظل ينظر إلى الظرف، كان يعرفه، يعرفه جيدًا. لأنه...هو من وضعه بيده.أُغلِق باب قاعة الاجتماعات بهدوء.توقف همس الموظفين تدريجيًا، ولم يبقَ سوى صوت جهاز العرض وهو يستعد لعرض الشرائح الأولى.وقف المدير التنفيذي في مقدمة القاعة، رجل تجاوز الخمسين بقليل، بشعرٍ اختلط فيه السواد بالرمادي، ونظارة رفيعة تستقر فوق أنفه، ابتسم وهو ينظر إلى الحاضرين."أعلم أن الجميع ينتظر هذا المشروع منذ أشهر." توقف لحظة، ثم أكمل:"لذلك... لا أريد اجتماعًا رسميًا اليوم."تبادل الموظفون النظرات باستغراب، ابتسم المدير. "أريد أن أسمع الأفكار... حتى المجنونة منها."ضحك بعض الموجودين بخفة، أما ليان...فكانت ما تزال شاردة، رغم أنها تنظر إلى شاشة العرض، إلا أن عقلها بقي عالقًا عند ذلك المقعد الفارغ، هل أخطأت فعلًا؟أم أن أحدًا كان يجلس هناك بالفعل؟دفعتها مايا بمرفقها برفق، همست وهي تبتسم: "أين أنتِ؟"انتبهت ليان. "ها؟"ضحكت مايا. "لو ظللتِ هكذا، سيعتقدون أن رئيسة المشروع تخاف من أول اجتماع."ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة."ربما أنا خائفة فعلًا."رفعت مايا حاجبيها. "أنتِ؟"هزت ليان كتفيها. "الخوف لا يعني الضعف." ثم نظرت إلى شاشة العرض. "بل يعني أن الشيء مهم بالنسبة إليك."ابتسمت مايا بإعجاب.
لم تنم ليان إلا مع اقتراب الفجر.كانت مستلقية على جانبها، تحدق في الخطوط الباهتة التي رسمها ضوء القمر على سقف الغرفة.كلما أغلقت عينيها...سمعت صوته من جديد."لا تذهبي إلى الشركة غدًا."لم يكن طلبًا، ولم يكن أمرًا، بل كان شيئًا بينهما...شيئًا لم تستطع تفسيره.التفتت نحو الجانب الآخر من السرير، كان فارغًا، مدت يدها تتحسس الملاءة الباردة، لم يأتِ بعد، تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها أخيرًا.في الطابق السفلي...كان ريان لا يزال جالسًا في مكتبه.لم يكن يعمل، كان ينظر إلى شاشة الحاسوب دون أن يقرأ حرفًا واحدًا.رن هاتفه، رفع السماعة مباشرة، جاءه صوت رجل خشن. "لقد وصل."أغمض ريان عينيه. "هل تأكدتم؟""مئة بالمئة."ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال الرجل: "هل ننهي الأمر الليلة؟"رفع ريان رأسه ببطء، انعكس ضوء الشاشة على عينيه السوداوين. "لا."قالها بحزم."طالما هي داخل هذا المنزل... لن يتحرك أحد."أغلق الخط، ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد، وأطلق زفيرًا طويلًا.كأن صدره يحمل حملًا أثقل من أن يحتمله.---في السابعة صباحًا...رن المنبه، فتحت ليان عينيها بتثاقل، ظلت مستلقية دقائق وهي تحدق في السقف، ثم نهضت أخيرًا.وقفت
وضعت الأكواب داخل الحوض، ثم فتحت صنبور الماء. ارتفع صوت المياه وهي ترتطم بالخزف. مدت يديها داخل الحوض، وبدأت تغسل الأكواب بنفسها. رغم أن في المنزل من يساعدها. كانت تقول دائمًا: "هناك أشياء أحب أن أفعلها بيدي." سمعها ريان مرة، فسألها: "لماذا؟" أجابته وهي تبتسم: "لأن البيت يشعر بك." ضحك يومها لأول مرة منذ أسابيع. ولم تفهم هي سبب ضحكته.دخل ريان إلى المطبخ بهدوء. أسند كتفه إلى إطار الباب.وبقي يراقبها. لم ينتبه إلا بعد لحظات أنه كان يبتسم. ابتسامة صغيرة...لا تكاد تُرى. رفعت ليان رأسها فجأة. فوجئت بوجوده. ضحكت. "منذ متى وأنت واقف هنا؟" أجاب بهدوء: "منذ قليل." ضيقت عينيها. "تكذب." رفع حاجبه. "ولماذا؟" أغلقت صنبور الماء، وجففت يديها بالمنشفة. ثم اقتربت منه خطوة. كانت أقصر منه بقليل، فرفعت رأسها لتنظر في عينيه. وقالت وهي تبتسم: "لأنك عندما تراقبني... تنسى أن ترمش." ساد صمت قصير،ثم...ضحك. ضحكة خافتة جدًا، كأنها أفلتت منه دون قصد. اتسعت عينا ليان. وأشارت إليه بإصبعها. "ها!" "ماذا؟" "ضحكت." هز كتفيه ببساطة."وربما لا." قالتها وهي تضحك. "هذه ثالث مرة فقط منذ زواجنا." نظر إليها ب
استقرت السيارة السوداء على الجانب المقابل للمنزل. لم يكن وقوفها يلفت الانتباه. في ذلك الحي الهادئ، كانت السيارات تمر وتغادر طوال اليوم، ولم يكن أحد ليمنحها نظرة ثانية. أما الرجل الذي جلس في المقعد الخلفي...فلم يرفع عينيه عن النافذة المضاءة في الطابق الأرضي.كانت الستارة نصف مسدلة. ومن خلفها...ظهرت ليان للحظة. كانت تضحك، ضحكة قصيرة، عفوية، وهي تجمع فناجين القهوة من فوق الطاولة. راقبها الرجل بصمت.ثم مال قليلًا إلى الأمام. "هي نفسها." جاءه صوت السائق: "هل نتحرك؟" هز رأسه نفيًا. "ليس بعد." ثم أعاد ظهره إلى المقعد، وأخرج من جيبه صورة قديمة. كانت الصورة باهتة، وقد بهتت أطرافها من كثرة ما لُمست. نظر إليها طويلًا، ثم أغلق عينيه للحظة، ولأول مرة... ظهر على وجهه شيء يشبه الشفقة. داخل المنزل... كانت ليان تجمع الأكواب الفارغة، بينما وقف ريان أمام النافذة. لم يكن ينظر إلى الشارع، بل إلى انعكاس الغرفة على الزجاج. انعكاس ليان، لاحظ أنها تحمل الصينية بيد واحدة، بينما تمسح بطرف كمها أثر قطرة قهوة انسكبت على الطاولة. تفصيل صغير...لكنه جعله يبتسم من داخله، منذ زواجهما...لم تتغير. ما زالت
اتجهت ليان نحو الباب، خطوة...ثم ثانية...وقبل أن تمد يدها إلى المقبض، التفتت إلى أمها. قالت بمزاح خفيف: "لن تمنعيني هذه المرة أيضًا، أليس كذلك؟" حاولت نوال أن تجيب، تحركت شفتاها.لكن الكلمات ماتت قبل أن تولد.اكتفت بإيماءة صغيرة.إيماءة لم تفهمها ليان. أما نوال...فكانت تدعو الله في سرها أن يمر هذا اليوم بسلام. أدارت ليان المقبض.وانفتح الباب ببطء.كان ريان يقف أمامها. بدلته الرمادية الداكنة كانت مرتبة كعادتها، وربطة عنقه السوداء لم تتحرك رغم الريح الخفيفة. في يده اليمنى باقة صغيرة من زهور الليليوم البيضاء. أما في اليسرى...فكان يحمل علبة مخملية سوداء.رفع بصره إليها.ولمعت في عينيه ابتسامة هادئة.ابتسامة لا تظهر على شفتيه بقدر ما تظهر في نظراته. قال بصوت دافئ:"صباح الخير." شعرت ليان أن كل التوتر الذي عاشته منذ استيقظت تلاشى للحظة.ابتسمت.ابتسامة حقيقية هذه المرة. "ظننت أنك في الشركة." "كنت." رفع الزهور قليلًا."لكنني تذكرت أنني وعدت زوجتي بالإفطار معها." ضحكت بخفة. "إذن هذه معجزة." مال برأسه قليلًا، وكأن ضحكتها نجحت في إزاحة ثقلٍ كان يحمله على كتفيه.ثم مد إليها الزهور. "أعرف أنك ت
ظل صوت الزجاج المتناثر يتردد في أرجاء المنزل. لكن...لم يتبعه شيء، لا خطوات، لا صراخ. ولا حتى محاولة أخرى لكسر الصمت. نظرت ليان إلى الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية. كانت الستائر البيضاء تتحرك ببطء مع الهواء المتسلل من النافذة المفتوحة، فتبدو للحظة كأن أحدًا يقف خلفها. ثم تعود فارغة، ابتلعت ريقها. كانت أول من تحرك، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، أمسكت نوال بمعصمها بقوة. التفتت إليها ليان، لم تقل نوال شيئًا، اكتفت بهز رأسها نفيًا. كانت أصابعها باردة...باردة إلى حدٍ جعل ليان تشعر بقشعريرة تسري في ذراعها. قالت بهدوء محاولة طمأنتها: "سأنظر فقط." خرج صوت نوال مرتفعًا للمرة الأولى منذ سنوات. "قلت لا." ساد الصمت، اتسعت عينا ليان. منذ وفاة والدها...لم تسمع أمها ترفع صوتها عليها ولو مرة واحدة. أدركت أن الأمر أكبر مما تتخيل، خفضت بصرها إلى يد أمها الممسكة بمعصمها. كانت ترتجف، ليس من الغضب... بل من الخوف. رفعت ليان يدها الأخرى، وربتت على أصابعها برفق حتى خفتت قبضتها شيئًا فشيئًا. ثم قالت بابتسامة هادئة: "حسنًا... لن أذهب." تنفست نوال بارتياح. ارتخى كتفاها قليلًا، كأنها نجت من كارث







