تسجيل الدخولفتحت ليان عينيها على صوت المنبه قبل أن يرن للمرة الثانية.
مدت يدها من أسفل الغطاء تبحث عنه فوق المنضدة المجاورة، حتى لامست أطراف أصابعها الهاتف. ضغطت الزر دون أن تنظر إلى الشاشة، عاد الصمت يملأ الغرفة. بقيت مستلقية لثوانٍ، تحدق في السقف الأبيض. لم تكن تحب الاستيقاظ على عجل. كانت تمنح نفسها كل صباح دقيقة كاملة، تستعيد فيها أفكارها قبل أن تبدأ يومًا جديدًا. سحبت نفسًا عميقًا، ثم جلست على حافة السرير. انسدل شعرها الأسود فوق كتفيها، بينما مالت بجسدها إلى الأمام، وأسندت مرفقيها إلى ركبتيها. كانت تشعر بثقل غريب في صدرها، ليس ألمًا...بل ذلك الإحساس الذي يسبق شيئًا لا تعرفه. هزت رأسها بخفة، وكأنها تطرد الفكرة. "أصبحتِ تتوهمين يا ليان." ابتسمت لنفسها ابتسامة صغيرة، ثم وقفت. --- كان المنزل هادئًا على غير عادته، خرجت من غرفتها بخطوات بطيئة، ما إن وصلت إلى الممر حتى وصلت إليها رائحة القهوة. ابتسمت. "أمي استيقظت قبلي." اتجهت نحو المطبخ. وجدت نوال تقف أمام الموقد، ظهرها إليها، وإحدى يديها تمسك إبريق القهوة، بينما كانت الأخرى تستند إلى حافة الرخام. بدت متعبة، أكثر من المعتاد. اقتربت ليان بهدوء. ثم وضعت ذقنها على كتف أمها كما اعتادت منذ طفولتها. "صباح الخير." انتفضت نوال انتفاضة خفيفة، التفتت بسرعة. ثم ما إن رأت ابنتها حتى ارتخت ملامحها. رفعت يدها ولمست وجنتها بحنان. "أخفتِني." ضحكت ليان. "كل يوم أكرر الحركة نفسها، وما زلتِ تخافين." حاولت نوال أن تبتسم، لكن الابتسامة لم تكتمل. كانت عيناها متورمتين، كأنها لم تنم طوال الليل. تأملتها ليان قليلًا. "هل حدث شيء؟" هزت نوال رأسها سريعًا. "لا... فقط لم أنم جيدًا." لم تقتنع، لكنها لم تضغط عليها. كانت تعرف أن أمها إذا أرادت الكلام ستتكلم وحدها. --- جلستا إلى طاولة الإفطار، أخذت ليان قطعة خبز، ثم توقفت. كانت أمها تنظر إليها، ليس نظرة أم تراقب ابنتها وهي تأكل. بل نظرة شخص يحاول أن يحفظ ملامح وجهٍ يخشى أن ينساه. وضعت ليان الخبز من يدها، ابتسمت وهي تميل برأسها قليلًا. "ماذا؟" أجفلت نوال. "لا شيء." "بل هناك شيء." تنهدت الأم، ثم مدت يدها فوق الطاولة، وربتت على يد ابنتها برفق. "وعديني..." عقدت ليان حاجبيها. "بماذا؟" سكتت نوال، بدت الكلمات وكأنها عالقة في حلقها. ثم قالت أخيرًا: "إذا شعرتِ يومًا أن هناك شيئًا ليس طبيعيًا... اهربي." اختفت الابتسامة عن وجه ليان. ضحكت بخفة محاولة كسر التوتر. "أمي... هل تشاهدين مسلسلات جريمة قبل النوم؟" لم تضحك نوال، بل ازدادت أصابعها تشبثًا بيد ابنتها. حتى شعرت ليان ببرود كفها، رفعت نظرها إليها. ولأول مرة...رأت الخوف، خوفًا حقيقيًا، في عيني أمها. قبل أن تسألها...رن جرس الباب. تجمدت نوال.وشحب وجهها. أما ليان...فاستغربت. "سأفتح." نهضت من مكانها. لكن ما إن خطت أول خطوة... سمعت صوت أمها، لأول مرة، يحمل نبرة أمر لا رجاء: "لا." التفتت إليها، كانت نوال قد وقفت هي الأخرى، تتنفس بسرعة. وعيناها لا تفارقان باب المنزل. همست بصوت مرتجف: "لا تفتحي الباب... مهما سمعتِ." وفي اللحظة نفسها...دوى طرقٌ جديد. لكن هذه المرة...لم يكن طرقًا عاديًا. ثلاث طرقات، ثم صمت، ثم...ثلاث طرقات أخرى. لم يتحرك أحد. ظل صوت الطرقات يتردد داخل أرجاء المنزل، ثم عاد الصمت من جديد. كان صمتًا ثقيلًا... حتى إن ليان استطاعت أن تسمع صوت أنفاس أمها المتسارعة. استدارت ببطء، حدقت في وجه نوال. لم ترها هكذا من قبل. كان لونها قد شحب حتى بدا أقرب إلى البياض، بينما التصقت أصابعها بحافة الطاولة بقوة، حتى برزت عروق يدها الزرقاء تحت الجلد. ابتلعت ليان ريقها. ثم ابتسمت محاولةً تبديد ذلك التوتر الذي بدأ يتسلل إليها دون سبب واضح. قالت بخفة: "ربما يكون ساعي البريد." لم تجب نوال، كانت تنظر إلى الباب... لا ترمش، ولا تتحرك، وكأنها تنتظر أن ينفجر في أي لحظة. انخفضت ابتسامة ليان شيئًا فشيئًا. بدأ قلبها يخفق أسرع، ليس لأنها خافت من الباب... بل لأنها خافت من خوف أمها، اقتربت منها خطوة. ثم وضعت يدها برفق على كتفها، ارتجف جسد نوال ارتجافة خفيفة. كأنها لم تشعر بوجود ابنتها إلى جوارها إلا في تلك اللحظة. رفعت رأسها إليها، كانت عيناها تلمعان بالدموع. همست بصوت مبحوح: "لو كنتِ تثقين بي..." سكتت لحظة، ثم أكملت: "...فلا تفتحي الباب." لم تمهلها ليان فرصة لتقول شيئًا آخر، احتضنتها، احتضانًا هادئًا. كما كانت تفعل وهي صغيرة كلما رأتها متعبة. أغمضت نوال عينيها. وللحظة...سمحت لنفسها أن تستند برأسها إلى كتف ابنتها. خرج منها زفير طويل...كأنها كانت تحمل جبلًا فوق صدرها. لكن ذلك الهدوء...لم يدم. رن هاتف ليان، اهتز الهاتف فوق الطاولة. ظهرت على الشاشة كلمة واحدة. "ريان." ابتسمت ليان دون شعور، ابتسامة صغيرة...رآها قلب الأم قبل أن تراها عيناها. أبعدت نوال نفسها ببطء، ونظرت إلى اسم المتصل. تبدلت ملامحها في لحظة، ترددت، ثم قالت بهدوء حاولت أن تخفي خلفه ارتباكها: "لا تردي." عقدت ليان حاجبيها. "إنه زوجي." "أعرف." "إذن؟" خفضت نوال بصرها، ثم قالت بصوت بالكاد سُمع: "لأنني أعرفه." ساد الصمت. ظلت ليان تحدق في أمها، لم تفهم، وقبل أن تجد جوابًا... انطفأت شاشة الهاتف، توقفت الرنة، وفي اللحظة نفسها... وصلت رسالة، فتحَتها ليان بعفوية. كانت من ريان. "لا تخرجي من المنزل اليوم... مهما حدث." تجمدت أناملها فوق الشاشة، رفعت رأسها نحو أمها. كانت نوال تنظر إلى الرسالة، ثم...أغمضت عينيها ببطء. وكأنها كانت تتوقعها منذ البداية. رفعت ليان الهاتف مرة أخرى، أرادت أن تتصل بريان. لكن قبل أن تضغط زر الاتصال...ارتفع صوت تحطم زجاج من الجهة الخلفية للمنزل. التفت الاثنتان في اللحظة نفسها، ثم...ساد الصمت، صمتٌ أكثر رعبًا من أي صراخ. لأنهما...لم تكونا وحدهما داخل المنزل.أُغلِق باب قاعة الاجتماعات بهدوء.توقف همس الموظفين تدريجيًا، ولم يبقَ سوى صوت جهاز العرض وهو يستعد لعرض الشرائح الأولى.وقف المدير التنفيذي في مقدمة القاعة، رجل تجاوز الخمسين بقليل، بشعرٍ اختلط فيه السواد بالرمادي، ونظارة رفيعة تستقر فوق أنفه، ابتسم وهو ينظر إلى الحاضرين."أعلم أن الجميع ينتظر هذا المشروع منذ أشهر." توقف لحظة، ثم أكمل:"لذلك... لا أريد اجتماعًا رسميًا اليوم."تبادل الموظفون النظرات باستغراب، ابتسم المدير. "أريد أن أسمع الأفكار... حتى المجنونة منها."ضحك بعض الموجودين بخفة، أما ليان...فكانت ما تزال شاردة، رغم أنها تنظر إلى شاشة العرض، إلا أن عقلها بقي عالقًا عند ذلك المقعد الفارغ، هل أخطأت فعلًا؟أم أن أحدًا كان يجلس هناك بالفعل؟دفعتها مايا بمرفقها برفق، همست وهي تبتسم: "أين أنتِ؟"انتبهت ليان. "ها؟"ضحكت مايا. "لو ظللتِ هكذا، سيعتقدون أن رئيسة المشروع تخاف من أول اجتماع."ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة."ربما أنا خائفة فعلًا."رفعت مايا حاجبيها. "أنتِ؟"هزت ليان كتفيها. "الخوف لا يعني الضعف." ثم نظرت إلى شاشة العرض. "بل يعني أن الشيء مهم بالنسبة إليك."ابتسمت مايا بإعجاب.
لم تنم ليان إلا مع اقتراب الفجر.كانت مستلقية على جانبها، تحدق في الخطوط الباهتة التي رسمها ضوء القمر على سقف الغرفة.كلما أغلقت عينيها...سمعت صوته من جديد."لا تذهبي إلى الشركة غدًا."لم يكن طلبًا، ولم يكن أمرًا، بل كان شيئًا بينهما...شيئًا لم تستطع تفسيره.التفتت نحو الجانب الآخر من السرير، كان فارغًا، مدت يدها تتحسس الملاءة الباردة، لم يأتِ بعد، تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها أخيرًا.في الطابق السفلي...كان ريان لا يزال جالسًا في مكتبه.لم يكن يعمل، كان ينظر إلى شاشة الحاسوب دون أن يقرأ حرفًا واحدًا.رن هاتفه، رفع السماعة مباشرة، جاءه صوت رجل خشن. "لقد وصل."أغمض ريان عينيه. "هل تأكدتم؟""مئة بالمئة."ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال الرجل: "هل ننهي الأمر الليلة؟"رفع ريان رأسه ببطء، انعكس ضوء الشاشة على عينيه السوداوين. "لا."قالها بحزم."طالما هي داخل هذا المنزل... لن يتحرك أحد."أغلق الخط، ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد، وأطلق زفيرًا طويلًا.كأن صدره يحمل حملًا أثقل من أن يحتمله.---في السابعة صباحًا...رن المنبه، فتحت ليان عينيها بتثاقل، ظلت مستلقية دقائق وهي تحدق في السقف، ثم نهضت أخيرًا.وقفت
وضعت الأكواب داخل الحوض، ثم فتحت صنبور الماء. ارتفع صوت المياه وهي ترتطم بالخزف. مدت يديها داخل الحوض، وبدأت تغسل الأكواب بنفسها. رغم أن في المنزل من يساعدها. كانت تقول دائمًا: "هناك أشياء أحب أن أفعلها بيدي." سمعها ريان مرة، فسألها: "لماذا؟" أجابته وهي تبتسم: "لأن البيت يشعر بك." ضحك يومها لأول مرة منذ أسابيع. ولم تفهم هي سبب ضحكته.دخل ريان إلى المطبخ بهدوء. أسند كتفه إلى إطار الباب.وبقي يراقبها. لم ينتبه إلا بعد لحظات أنه كان يبتسم. ابتسامة صغيرة...لا تكاد تُرى. رفعت ليان رأسها فجأة. فوجئت بوجوده. ضحكت. "منذ متى وأنت واقف هنا؟" أجاب بهدوء: "منذ قليل." ضيقت عينيها. "تكذب." رفع حاجبه. "ولماذا؟" أغلقت صنبور الماء، وجففت يديها بالمنشفة. ثم اقتربت منه خطوة. كانت أقصر منه بقليل، فرفعت رأسها لتنظر في عينيه. وقالت وهي تبتسم: "لأنك عندما تراقبني... تنسى أن ترمش." ساد صمت قصير،ثم...ضحك. ضحكة خافتة جدًا، كأنها أفلتت منه دون قصد. اتسعت عينا ليان. وأشارت إليه بإصبعها. "ها!" "ماذا؟" "ضحكت." هز كتفيه ببساطة."وربما لا." قالتها وهي تضحك. "هذه ثالث مرة فقط منذ زواجنا." نظر إليها ب
استقرت السيارة السوداء على الجانب المقابل للمنزل. لم يكن وقوفها يلفت الانتباه. في ذلك الحي الهادئ، كانت السيارات تمر وتغادر طوال اليوم، ولم يكن أحد ليمنحها نظرة ثانية. أما الرجل الذي جلس في المقعد الخلفي...فلم يرفع عينيه عن النافذة المضاءة في الطابق الأرضي.كانت الستارة نصف مسدلة. ومن خلفها...ظهرت ليان للحظة. كانت تضحك، ضحكة قصيرة، عفوية، وهي تجمع فناجين القهوة من فوق الطاولة. راقبها الرجل بصمت.ثم مال قليلًا إلى الأمام. "هي نفسها." جاءه صوت السائق: "هل نتحرك؟" هز رأسه نفيًا. "ليس بعد." ثم أعاد ظهره إلى المقعد، وأخرج من جيبه صورة قديمة. كانت الصورة باهتة، وقد بهتت أطرافها من كثرة ما لُمست. نظر إليها طويلًا، ثم أغلق عينيه للحظة، ولأول مرة... ظهر على وجهه شيء يشبه الشفقة. داخل المنزل... كانت ليان تجمع الأكواب الفارغة، بينما وقف ريان أمام النافذة. لم يكن ينظر إلى الشارع، بل إلى انعكاس الغرفة على الزجاج. انعكاس ليان، لاحظ أنها تحمل الصينية بيد واحدة، بينما تمسح بطرف كمها أثر قطرة قهوة انسكبت على الطاولة. تفصيل صغير...لكنه جعله يبتسم من داخله، منذ زواجهما...لم تتغير. ما زالت
اتجهت ليان نحو الباب، خطوة...ثم ثانية...وقبل أن تمد يدها إلى المقبض، التفتت إلى أمها. قالت بمزاح خفيف: "لن تمنعيني هذه المرة أيضًا، أليس كذلك؟" حاولت نوال أن تجيب، تحركت شفتاها.لكن الكلمات ماتت قبل أن تولد.اكتفت بإيماءة صغيرة.إيماءة لم تفهمها ليان. أما نوال...فكانت تدعو الله في سرها أن يمر هذا اليوم بسلام. أدارت ليان المقبض.وانفتح الباب ببطء.كان ريان يقف أمامها. بدلته الرمادية الداكنة كانت مرتبة كعادتها، وربطة عنقه السوداء لم تتحرك رغم الريح الخفيفة. في يده اليمنى باقة صغيرة من زهور الليليوم البيضاء. أما في اليسرى...فكان يحمل علبة مخملية سوداء.رفع بصره إليها.ولمعت في عينيه ابتسامة هادئة.ابتسامة لا تظهر على شفتيه بقدر ما تظهر في نظراته. قال بصوت دافئ:"صباح الخير." شعرت ليان أن كل التوتر الذي عاشته منذ استيقظت تلاشى للحظة.ابتسمت.ابتسامة حقيقية هذه المرة. "ظننت أنك في الشركة." "كنت." رفع الزهور قليلًا."لكنني تذكرت أنني وعدت زوجتي بالإفطار معها." ضحكت بخفة. "إذن هذه معجزة." مال برأسه قليلًا، وكأن ضحكتها نجحت في إزاحة ثقلٍ كان يحمله على كتفيه.ثم مد إليها الزهور. "أعرف أنك ت
ظل صوت الزجاج المتناثر يتردد في أرجاء المنزل. لكن...لم يتبعه شيء، لا خطوات، لا صراخ. ولا حتى محاولة أخرى لكسر الصمت. نظرت ليان إلى الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية. كانت الستائر البيضاء تتحرك ببطء مع الهواء المتسلل من النافذة المفتوحة، فتبدو للحظة كأن أحدًا يقف خلفها. ثم تعود فارغة، ابتلعت ريقها. كانت أول من تحرك، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، أمسكت نوال بمعصمها بقوة. التفتت إليها ليان، لم تقل نوال شيئًا، اكتفت بهز رأسها نفيًا. كانت أصابعها باردة...باردة إلى حدٍ جعل ليان تشعر بقشعريرة تسري في ذراعها. قالت بهدوء محاولة طمأنتها: "سأنظر فقط." خرج صوت نوال مرتفعًا للمرة الأولى منذ سنوات. "قلت لا." ساد الصمت، اتسعت عينا ليان. منذ وفاة والدها...لم تسمع أمها ترفع صوتها عليها ولو مرة واحدة. أدركت أن الأمر أكبر مما تتخيل، خفضت بصرها إلى يد أمها الممسكة بمعصمها. كانت ترتجف، ليس من الغضب... بل من الخوف. رفعت ليان يدها الأخرى، وربتت على أصابعها برفق حتى خفتت قبضتها شيئًا فشيئًا. ثم قالت بابتسامة هادئة: "حسنًا... لن أذهب." تنفست نوال بارتياح. ارتخى كتفاها قليلًا، كأنها نجت من كارث







