مشاركة

الفصل 6

مؤلف: وتين
last update تاريخ النشر: 2026-07-31 22:47:21

استقرت السيارة السوداء على الجانب المقابل للمنزل.

لم يكن وقوفها يلفت الانتباه.

في ذلك الحي الهادئ، كانت السيارات تمر وتغادر طوال اليوم، ولم يكن أحد ليمنحها نظرة ثانية.

أما الرجل الذي جلس في المقعد الخلفي...فلم يرفع عينيه عن النافذة المضاءة في الطابق الأرضي.كانت الستارة نصف مسدلة.

ومن خلفها...ظهرت ليان للحظة.

كانت تضحك، ضحكة قصيرة، عفوية، وهي تجمع فناجين القهوة من فوق الطاولة.

راقبها الرجل بصمت.ثم مال قليلًا إلى الأمام. "هي نفسها."

جاءه صوت السائق: "هل نتحرك؟"

هز رأسه نفيًا. "ليس بعد."

ثم أعاد ظهره إلى المقعد، وأخرج من جيبه صورة قديمة.

كانت الصورة باهتة، وقد بهتت أطرافها من كثرة ما لُمست.

نظر إليها طويلًا، ثم أغلق عينيه للحظة، ولأول مرة...

ظهر على وجهه شيء يشبه الشفقة.

داخل المنزل...

كانت ليان تجمع الأكواب الفارغة، بينما وقف ريان أمام النافذة.

لم يكن ينظر إلى الشارع، بل إلى انعكاس الغرفة على الزجاج.

انعكاس ليان، لاحظ أنها تحمل الصينية بيد واحدة، بينما تمسح بطرف كمها أثر قطرة قهوة انسكبت على الطاولة.

تفصيل صغير...لكنه جعله يبتسم من داخله، منذ زواجهما...لم تتغير. ما زالت ترتب كل شيء بنفس الطريقة. وما زالت تترك خصلة شعرها تنسدل فوق عينها كلما انشغلت.وما زالت...تظن أنه لا يلاحظ.

قطع أفكاره صوتها. "بماذا تفكر؟"

استدار إليها. كانت تقف في منتصف الغرفة، تنظر إليه في فضول. رفع حاجبه قليلًا. "هل يجب أن أفكر في شيء؟"

ضحكت. "لا."

ثم أضافت وهي تراقب وجهه:

"لكن عندما تصمت بهذا الشكل... أشعر أن عقلك في مكان بعيد."

خفض بصره إليها. وقال بهدوء: "أنا هنا."

لم تكن جملة رومانسية. لكنها...لسبب لم تفهمه...أشعرتها بالطمأنينة.

ابتسمت دون أن تعلق.

من بعيد...كانت نوال تراقبهما.جلست على الأريكة، وقد ضمت كفيها فوق حجرها.كان منظرهما معًا يوقظ في قلبها خوفًا قديمًا. كلما ازداد تعلق أحدهما بالآخر...ازداد الألم الذي ينتظرهما.

أغمضت عينيها.وهمست في سرها:"اللهم لا تجعلني أندم على صمتي."

رن هاتف ريان.أخرج الهاتف من جيبه.نظر إلى الاسم.

ثم انطفأت ملامحه.أجاب فورًا. "نعم."

لم يتكلم الطرف الآخر طويلًا. مجرد ثوانٍ. لكنها كانت كافية.

قال ريان بصوت منخفض: "لا تتحركوا."

سكت. ثم أردف: "راقبوه فقط."

وأغلق الهاتف. اقتربت منه ليان. "هل حدث شيء في العمل؟"

وضع الهاتف في جيبه. "أمر بسيط."

نظرت إليه بعينين ضيقتين. "أنت لا تجيد الكذب."

للمرة الأولى...ارتسم على شفتيه شيء يشبه الابتسامة.

"وأنتِ لا تجيدين تصديق الكذب."

ابتسمت بانتصار. "إذن اعترف."

هز رأسه. "لاحقًا."

نفخت وجنتيها بضيق طفولي. "تقول لاحقًا دائمًا."

ظل ينظر إليها. ثم قال بصوت هادئ جدًا: "لأنني أريد أن يبقى اليوم هادئًا."

ساد صمت قصير. لم تفهم قصده. أما هو... فكان يعرف أن كل دقيقة تمر...تقرب الخطر من باب هذا المنزل.

وفي الجهة المقابلة من الشارع...

أنزل الرجل المجهول الصورة القديمة إلى جواره.

ثم قال للسائق: "اتصل به."

سأله السائق: "بأي اسم؟"

أجاب الرجل بعد لحظة صمت:

"قل له..." ثم استقرت عيناه على نافذة المنزل.

"...إن الساعة بدأت تتحرك."

-------

انسابت أشعة الشمس عبر النافذة الواسعة، ورسمت خطوطًا ذهبية فوق أرضية غرفة الجلوس.

كان المنزل قد استعاد هدوءه.

اختفى ذلك التوتر الذي خيّم عليه منذ الصباح، أو على الأقل... بدا وكأنه اختفى.

حملت ليان الصينية الفارغة، واتجهت بها إلى المطبخ.

كانت تتحرك بخفة، بينما تدندن لحنًا قديمًا بالكاد يُسمع. راقبها ريان من بعيد.

دون أن تشعر. كانت من النوع الذي يترك أثرًا في المكان.

حين تدخل غرفة، لا تمتلئ بالضجيج... بل بالحياة.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • في جنازتي... اكتشفتُ قاتلي.    الفصل 9

    أُغلِق باب قاعة الاجتماعات بهدوء.توقف همس الموظفين تدريجيًا، ولم يبقَ سوى صوت جهاز العرض وهو يستعد لعرض الشرائح الأولى.وقف المدير التنفيذي في مقدمة القاعة، رجل تجاوز الخمسين بقليل، بشعرٍ اختلط فيه السواد بالرمادي، ونظارة رفيعة تستقر فوق أنفه، ابتسم وهو ينظر إلى الحاضرين."أعلم أن الجميع ينتظر هذا المشروع منذ أشهر." توقف لحظة، ثم أكمل:"لذلك... لا أريد اجتماعًا رسميًا اليوم."تبادل الموظفون النظرات باستغراب، ابتسم المدير. "أريد أن أسمع الأفكار... حتى المجنونة منها."ضحك بعض الموجودين بخفة، أما ليان...فكانت ما تزال شاردة، رغم أنها تنظر إلى شاشة العرض، إلا أن عقلها بقي عالقًا عند ذلك المقعد الفارغ، هل أخطأت فعلًا؟أم أن أحدًا كان يجلس هناك بالفعل؟دفعتها مايا بمرفقها برفق، همست وهي تبتسم: "أين أنتِ؟"انتبهت ليان. "ها؟"ضحكت مايا. "لو ظللتِ هكذا، سيعتقدون أن رئيسة المشروع تخاف من أول اجتماع."ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة."ربما أنا خائفة فعلًا."رفعت مايا حاجبيها. "أنتِ؟"هزت ليان كتفيها. "الخوف لا يعني الضعف." ثم نظرت إلى شاشة العرض. "بل يعني أن الشيء مهم بالنسبة إليك."ابتسمت مايا بإعجاب.

  • في جنازتي... اكتشفتُ قاتلي.    الفصل 8

    لم تنم ليان إلا مع اقتراب الفجر.كانت مستلقية على جانبها، تحدق في الخطوط الباهتة التي رسمها ضوء القمر على سقف الغرفة.كلما أغلقت عينيها...سمعت صوته من جديد."لا تذهبي إلى الشركة غدًا."لم يكن طلبًا، ولم يكن أمرًا، بل كان شيئًا بينهما...شيئًا لم تستطع تفسيره.التفتت نحو الجانب الآخر من السرير، كان فارغًا، مدت يدها تتحسس الملاءة الباردة، لم يأتِ بعد، تنهدت ببطء، ثم أغمضت عينيها أخيرًا.في الطابق السفلي...كان ريان لا يزال جالسًا في مكتبه.لم يكن يعمل، كان ينظر إلى شاشة الحاسوب دون أن يقرأ حرفًا واحدًا.رن هاتفه، رفع السماعة مباشرة، جاءه صوت رجل خشن. "لقد وصل."أغمض ريان عينيه. "هل تأكدتم؟""مئة بالمئة."ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال الرجل: "هل ننهي الأمر الليلة؟"رفع ريان رأسه ببطء، انعكس ضوء الشاشة على عينيه السوداوين. "لا."قالها بحزم."طالما هي داخل هذا المنزل... لن يتحرك أحد."أغلق الخط، ثم أسند رأسه إلى ظهر المقعد، وأطلق زفيرًا طويلًا.كأن صدره يحمل حملًا أثقل من أن يحتمله.---في السابعة صباحًا...رن المنبه، فتحت ليان عينيها بتثاقل، ظلت مستلقية دقائق وهي تحدق في السقف، ثم نهضت أخيرًا.وقفت

  • في جنازتي... اكتشفتُ قاتلي.    الفصل 7

    وضعت الأكواب داخل الحوض، ثم فتحت صنبور الماء. ارتفع صوت المياه وهي ترتطم بالخزف. مدت يديها داخل الحوض، وبدأت تغسل الأكواب بنفسها. رغم أن في المنزل من يساعدها. كانت تقول دائمًا: "هناك أشياء أحب أن أفعلها بيدي." سمعها ريان مرة، فسألها: "لماذا؟" أجابته وهي تبتسم: "لأن البيت يشعر بك." ضحك يومها لأول مرة منذ أسابيع. ولم تفهم هي سبب ضحكته.دخل ريان إلى المطبخ بهدوء. أسند كتفه إلى إطار الباب.وبقي يراقبها. لم ينتبه إلا بعد لحظات أنه كان يبتسم. ابتسامة صغيرة...لا تكاد تُرى. رفعت ليان رأسها فجأة. فوجئت بوجوده. ضحكت. "منذ متى وأنت واقف هنا؟" أجاب بهدوء: "منذ قليل." ضيقت عينيها. "تكذب." رفع حاجبه. "ولماذا؟" أغلقت صنبور الماء، وجففت يديها بالمنشفة. ثم اقتربت منه خطوة. كانت أقصر منه بقليل، فرفعت رأسها لتنظر في عينيه. وقالت وهي تبتسم: "لأنك عندما تراقبني... تنسى أن ترمش." ساد صمت قصير،ثم...ضحك. ضحكة خافتة جدًا، كأنها أفلتت منه دون قصد. اتسعت عينا ليان. وأشارت إليه بإصبعها. "ها!" "ماذا؟" "ضحكت." هز كتفيه ببساطة."وربما لا." قالتها وهي تضحك. "هذه ثالث مرة فقط منذ زواجنا." نظر إليها ب

  • في جنازتي... اكتشفتُ قاتلي.    الفصل 6

    استقرت السيارة السوداء على الجانب المقابل للمنزل. لم يكن وقوفها يلفت الانتباه. في ذلك الحي الهادئ، كانت السيارات تمر وتغادر طوال اليوم، ولم يكن أحد ليمنحها نظرة ثانية. أما الرجل الذي جلس في المقعد الخلفي...فلم يرفع عينيه عن النافذة المضاءة في الطابق الأرضي.كانت الستارة نصف مسدلة. ومن خلفها...ظهرت ليان للحظة. كانت تضحك، ضحكة قصيرة، عفوية، وهي تجمع فناجين القهوة من فوق الطاولة. راقبها الرجل بصمت.ثم مال قليلًا إلى الأمام. "هي نفسها." جاءه صوت السائق: "هل نتحرك؟" هز رأسه نفيًا. "ليس بعد." ثم أعاد ظهره إلى المقعد، وأخرج من جيبه صورة قديمة. كانت الصورة باهتة، وقد بهتت أطرافها من كثرة ما لُمست. نظر إليها طويلًا، ثم أغلق عينيه للحظة، ولأول مرة... ظهر على وجهه شيء يشبه الشفقة. داخل المنزل... كانت ليان تجمع الأكواب الفارغة، بينما وقف ريان أمام النافذة. لم يكن ينظر إلى الشارع، بل إلى انعكاس الغرفة على الزجاج. انعكاس ليان، لاحظ أنها تحمل الصينية بيد واحدة، بينما تمسح بطرف كمها أثر قطرة قهوة انسكبت على الطاولة. تفصيل صغير...لكنه جعله يبتسم من داخله، منذ زواجهما...لم تتغير. ما زالت

  • في جنازتي... اكتشفتُ قاتلي.    الفصل 5

    اتجهت ليان نحو الباب، خطوة...ثم ثانية...وقبل أن تمد يدها إلى المقبض، التفتت إلى أمها. قالت بمزاح خفيف: "لن تمنعيني هذه المرة أيضًا، أليس كذلك؟" حاولت نوال أن تجيب، تحركت شفتاها.لكن الكلمات ماتت قبل أن تولد.اكتفت بإيماءة صغيرة.إيماءة لم تفهمها ليان. أما نوال...فكانت تدعو الله في سرها أن يمر هذا اليوم بسلام. أدارت ليان المقبض.وانفتح الباب ببطء.كان ريان يقف أمامها. بدلته الرمادية الداكنة كانت مرتبة كعادتها، وربطة عنقه السوداء لم تتحرك رغم الريح الخفيفة. في يده اليمنى باقة صغيرة من زهور الليليوم البيضاء. أما في اليسرى...فكان يحمل علبة مخملية سوداء.رفع بصره إليها.ولمعت في عينيه ابتسامة هادئة.ابتسامة لا تظهر على شفتيه بقدر ما تظهر في نظراته. قال بصوت دافئ:"صباح الخير." شعرت ليان أن كل التوتر الذي عاشته منذ استيقظت تلاشى للحظة.ابتسمت.ابتسامة حقيقية هذه المرة. "ظننت أنك في الشركة." "كنت." رفع الزهور قليلًا."لكنني تذكرت أنني وعدت زوجتي بالإفطار معها." ضحكت بخفة. "إذن هذه معجزة." مال برأسه قليلًا، وكأن ضحكتها نجحت في إزاحة ثقلٍ كان يحمله على كتفيه.ثم مد إليها الزهور. "أعرف أنك ت

  • في جنازتي... اكتشفتُ قاتلي.    الفصل 4

    ظل صوت الزجاج المتناثر يتردد في أرجاء المنزل. لكن...لم يتبعه شيء، لا خطوات، لا صراخ. ولا حتى محاولة أخرى لكسر الصمت. نظرت ليان إلى الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية. كانت الستائر البيضاء تتحرك ببطء مع الهواء المتسلل من النافذة المفتوحة، فتبدو للحظة كأن أحدًا يقف خلفها. ثم تعود فارغة، ابتلعت ريقها. كانت أول من تحرك، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، أمسكت نوال بمعصمها بقوة. التفتت إليها ليان، لم تقل نوال شيئًا، اكتفت بهز رأسها نفيًا. كانت أصابعها باردة...باردة إلى حدٍ جعل ليان تشعر بقشعريرة تسري في ذراعها. قالت بهدوء محاولة طمأنتها: "سأنظر فقط." خرج صوت نوال مرتفعًا للمرة الأولى منذ سنوات. "قلت لا." ساد الصمت، اتسعت عينا ليان. منذ وفاة والدها...لم تسمع أمها ترفع صوتها عليها ولو مرة واحدة. أدركت أن الأمر أكبر مما تتخيل، خفضت بصرها إلى يد أمها الممسكة بمعصمها. كانت ترتجف، ليس من الغضب... بل من الخوف. رفعت ليان يدها الأخرى، وربتت على أصابعها برفق حتى خفتت قبضتها شيئًا فشيئًا. ثم قالت بابتسامة هادئة: "حسنًا... لن أذهب." تنفست نوال بارتياح. ارتخى كتفاها قليلًا، كأنها نجت من كارث

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status