Home / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (5) : مطاردة في أزقة الضباب

Share

الفصل (5) : مطاردة في أزقة الضباب

last update publish date: 2026-08-20 10:17:25

فتحت البوابة الحديدية الخلفية لدار الأوبرا بصرير مكتوم، لتستقبلهما صفعة من الهواء الليلي المشبع بالصقيع ورذاذ المطر المتطاير كشظايا جليدية. كان الشارع الخلفي ضيقاً وغارقاً في برك المياه العكرة التي تعكس وميض لافتات النيون الباهتة للمطاعم المغلقة. ركضت إلينا بخفة ورشاقة، ممسكة بأطراف فستانها الخمري المبتل بيد، وبالسلاح الصامت باليد الأخرى، بينما تقدمها طارق كظل جبار يمسح الزوايا المعتمة للأزقة بنظرات حادة لا تغفل عن حركة قطرة ماء تهوي من مزاريب الأسطح العتيقة.

انعطفا نحو زقاق مرصوف بالحصى القديم، حيث كانت تنتظرهما سيارة سيدان رياضية سوداء ومصفحة، ركنها طارق مسبقاً كنقطة إخلاء اضطرارية. نقر على جهاز التحكم عن بعد لتومض أضواؤها الخافتة مرتين؛ ارتمت إلينا في مقعد الراكب الأمامي وهي تلهث بخفوت، بينما قفز طارق خلف عجلة القيادة، وضغط زر التشغيل ليزأر محركها الثماني الأسطوانات بصوت هادر مكتوم هز أركان الزقاق المهجور.

"أمامنا أقل من ثلاث دقائق قبل أن تصل سيارة فيكتور المصفحة إلى رصيف النهر،" قالت إلينا بنبرة سريعة وهي تسحب من جيب الباب جهازاً لوحياً صغيراً موصولاً بنظام التعقب وكاميرات المراقبة الحضرية التي اخترقتها سابقاً. أضاءت الشاشة الزرقاء ملامح وجهها الجاد، وأشارت بإصبعها نحو نقطة حمراء تتحرك بسرعة عبر النفق السفلي: "إنه يخرج الآن من نفق النبيذ... يسلك الطريق الجانبي المحاذي لسور المقبرة القديمة لتفادي الحواجز الأمنية."

عشق طارق ناقل الحركة بقسوة، وضغط دواسة الوقود حتى التصقت أجسادهما بالمقاعد الجلدية تحت وطأة التسارع المفاجئ. انطلقت السيارة تشق أمواج المياه المتجمعة في الشارع، وتنزلق إطاراتها العريضة ببراعة فوق الحجارة الزلقة للأحياء العتيقة. كانت قيادته تجمع بين العدوانية المطلقة والحسابات الفيزيائية الدقيقة؛ يتجاوز المنعطفات الحادة بفرملة يدوية خاطفة تجعل مؤخرة السيارة تلامس جدران المباني الحجرية دون أن تفقد سنتيمتراً واحداً من سرعتها.

في تلك المساحة الضيقة داخل قمرة القيادة المشحونة بالحرارة، تداخلت أنفاسهما السريعة مع صوت قرع المطر العنيف على الزجاج الأمامي وصوت مساحات الزجاج التي تحارب تدفق المياه. استدارت إلينا نحوه، وتناولت مخزناً إضافياً من الرصاص، ملقمة إياه في مسدسها بضربة حاسمة في قاعدته: "إذا واجهناه عند الرصيف، فلن نستطيع الإمساك به حياً بسهولة؛ المصفحة التي يركبها مزودة بألواح فولاذية وزجاج مضاد للرصاص الثقيل، وحراسه لن يترددوا في فتح نيران رشاشاتهم في وضح الشارع."

رمقها طارق بنظرة جانبية خاطفة اشتعلت فيها شرارات الانتقام: "أنا لا أريد إيقاف مصفحته بالرصاص... بل سأجعل النهر يبتلعها إن تطلب الأمر. تمسكي جيداً."

بلغت السيارة نهاية الحي القديم حيث ينحدر الطريق بشكل حاد نحو منطقة المستودعات البحرية ورصيف الشحن المهجور. هناك، وسط الضباب الكثيف المتصاعد من مياه النهر الأسود الجاري، لاحت في الأفق الأضواء الخلفية الحمراء لمصفحة فيكتور الضخمة، ترافقها سيارة دفع رباعي سوداء للحراسة الشخصية، وكلاهما يندفع بأقصى سرعة نحو رصيف عائم ترسو على حافته زورق بخاري عالي السرعة، كانت محركاته النفاثة تدور بالفعل مجهزة للهرب عبر القنوات المائية نحو الميناء المفتوح.

"سيارة الحراسة تحاول قطع الطريق علينا!" هتفت إلينا وهي تشهد سيارة الدفع الرباعي تبطئ فجأة وتستعرض عرض الشارع لعرقلة تقدمهما.

لم يضغط طارق على المكابح، بل زاد من اندفاع المحرك حتى بلغت سرعته أقصاها. في جزء من الثانية، استهدف الزاوية الخلفية اليسرى لسيارة الحراسة؛ دوى صوت اصطدام معدني هائل ملأ الوادي النهري، وتطايرت شظايا المصابيح والزجاج المكسور في الهواء مع انحراف سيارة الحراسة بعنف، لتنقلب على جانبها وتنزلق عشرات الأمتار فوق الإسفلت المبتل قبل أن تصطدم بحاوية شحن صدئة وتشتعل فيها النيران.

تطايرت سيارة طارق في الهواء للحظة إثر الاصطدام قبل أن تهبط بعنف على عجلاتها الأربع، ليتمايل مقودها بين يديه القويتين اللتين تمكنتا من استعادة السيطرة عليها وتوجيهها مباشرة نحو الرصيف العائم حيث توقفت مصفحة فيكتور.

ترجل حراس فيكتور المتبقون من المصفحة وبدأوا بإطلاق وابل من الرصاص الآلي نحو سيارة طارق. اخترقت الطلقات جسم السيارة الخارجي، بينما تشققت طبقات الزجاج المصفح كشبكات عنكبوتية دون أن تنفذ إلى الداخل.

"الآن!" صرخ طارق وهو يدفع بابه بحركة عنيفة ويخرج متدحرجاً خلف كتلة إسمنتية لحاجز الرصيف.

انسلت إلينا من الباب الآخر بخفة مذهلة، واتخذت موقعاً استراتيجياً خلف رافعة شحن قديمة. لم تكن مجرد مرافقة، بل أظهرت مهارة قتالية تكتيكية استثنائية؛ ببرود أعصاب تام وتحت وابل النيران، أطلقت ثلاث رصاصات دقيقة ومتتابعة أسقطت بها اثنين من الحراس الذين كانوا يحاولون تأمين ممر فيكتور نحو الزورق.

تقدم طارق كوحش كاسر يقتحم خطوط العدو، متقدماً من غطاء إلى آخر وسط وميض الطلقات ودخان البارود الكثيف. كان يسدد نيرانه بحسابات قاتلة؛ كل طلقة تخرج من مسدسه تعني سقوط حارس في مياه النهر الباردة. بلغ مقدمة المصفحة، ليرى فيكتور يركض بذعر حقيقي فوق اللوح الخشبي الممتد نحو الزورق السريع، حاملاً في يده حقيبة جلدية سوداء ثقيلة.

"فيكتوووور!" دوى صوت طارق كهدير الرعد، صوت شق سكون الليل وحجب صوت هدير محركات الزورق.

التفت فيكتور برعب، وتلاقت عيناهما للمرة الثانية في تلك الليلة، ولكن هذه المرة عن مسافة أمتار قليلة تحت أضواء كشافات الرصيف. رأى فيكتور في ملامح طارق المبللة بالمطر حكماً بالإعدام تأخر تنفيذه خمس سنوات. في لحظة يأس وجبن، ألقى فيكتور الحقيبة الجلدية في يد قبطان الزورق وصرخ: "انطلق! تحرك فوراً!"، ثم قفز بجسده المرتجف نحو سطح الزورق الذي اندفع في المياه بقوة هائلة مخلفاً وراءه موجات رغوية بيضاء.

أطلق طارق رصاصاته المتبقية على محرك الزورق، فأصاب أحد الخراطيم مسبباً تصاعد دخان أسود، لكن الزورق تمكن من شق طريقه والتواري بسرعة فائقة داخل سحب الضباب الكثيفة التي تلف مجرى النهر المتجه نحو الميناء الكبير.

وقف طارق على حافة الرصيف المبتل، ينهج بعمق، والمسدس الساخن في يده يقطر بماء المطر. كانت قطرات الماء تنحدر فوق جبهته ووجنتيه المشدودتين بغضب عارم لم يهدأ بعد، بينما تصاعدت من فمه سحب بخار دافئة في صقيع الفجر الوشيك.

اقتربت إلينا بخطوات بطيئة، وتوقفت بجانبه تماماً. كان فستانها قد تمزق عند الحاشية السفلية، ويداها ملطختان بسواد البارود، لكن عينيها الزمرديتين كانتا تشعان بانتصار غريب. انحنت ببطء والتقطت من على الخشب الرطب جهازاً لوحياً مشفراً كان قد سقط من جيب فيكتور أثناء قفزته المذعورة نحو الزورق.

رفعت إلينا الجهاز أمام وجه طارق، وهمست وصوتها يمتزج مع صفير الرياح النهرية: "لم يمت الليلة، لكنه خسر أعظم أسلحته... هذا الجهاز يحتوي على شفرات الدخول الخاصة برصيف الميناء رقم تسعة، وحسابات التحويلات البنكية غير المعلنة لمجلس العائلات الخمس."

التفت طارق نحوها، محاصراً إياها بنظراته الداكنة التي امتزج فيها الغضب بالانبهار؛ مد يده وأمسك بذراعها ليجذبها نحوه برفق صارم، حتى غدت أنفاسهما قريبة جداً في مواجهة الهواء الجليدي: "الهروب لن يمنحه سوى بضعة أيام إضافية من الحياة... لقد طردنا الذئب من عرينه، والآن سنحرقه في معقله الأخير بالميناء."

في الأفق البعيد، بدأت أصوات صفارات إنذار سيارات الشرطة تدوي مقتربة من شوارع المدينة، معلنة انتهاء الجولة الأولى وبدء حرب مفتوحة ستشهدها شوارع المدينة وموانئها في الأيام القادمة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد السطوة   الفصل (58): خيوط المؤامرة الأخيرة

    عادت الغواصة «قاهر الظلمات» لتستقر في الحوض الجاف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير» مع انبلاج خيوط فجر ندي غسل زرقة البحر الأبيض المتوسط برذاذ فضي نقي. انحسرت مياه البحر الهادرة عبر البوابات الفولاذية العازلة بصرير هيدروليكي مهيب، مخلّفة سحباً من الأبخرة البيضاء ورائحة الملح المركز، بينما اصطفت كتائب «حراس العهد» على الأرصفة الخرسانية ببنادقها المجهزة في انضباط فولاذي صارم. لم يكن النصر في هاوية سوندا السحيقة نهاية المطاف، بل كان استئصالاً لقلب الخطر البيولوجي قبل أن ينفث سمومه؛ غير أن الجسد المتفرع لحلف الأيتام كان لا يزال يمتلك أطرافاً تتحرك في عواصم الظل، تتغذى على حسابات سرية معقدة وشركات أمنية وهمية أُسست خصيصاً لتنفيذ الانتقام بعد سقوط الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف.صعد طارق وإلينا عبر المصعد الصخري الصاعد نحو الجناح الإمبراطوري العلوي بخطوات هادئة تنضح بالجبروت واليقظة. كان طارق قد استبدل بزة الغوص بقميص أسود من القطن المعالج يلتصق بصدره العريض وساعديه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على خاصرته، وعيناه الصقريتان الداكنتان تفيضان ببرود مفترس يبحث عن

  • رماد السطوة   الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

    انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمق

  • رماد السطوة   الفصل (56): يقظة البرزخ المظلم

    مرت سبعة أشهر على ميلاد «آدم»، واستكانت مياه البحر الأبيض المتوسط تحت شمس ربيعية دافئة غمرت شرفات قصر «لو بيلفيدير» بضياء عسجدي وهاج. بدا القصر الإمبراطوري الرابض فوق الجرف الصخري الشامخ كقلعة أسطورية صلبة حفرتها يد القدر لتكون منارة السيادة للعالم الجديد؛ لم تعد البوارج الحربية الشبحية تجوب مياهه في حالة تأهب قتالي مستمر، بل اصطفت على مسافات محسوبة كحراس عملاقة تنفث وقار القوة المفرطة، بينما كانت حركة التجارة العالمية تجري في المضايق الدولية بنظام ساعاتي محكم يخضع بالكامل لشفرات وضوابط منظومة «رماد السطوة». خيل للعواصم الكبرى ولغرف التجارة أن الكوكب دخل أخيراً في عصر الاستقرار الأبدي بعد احتراق الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف، لكن القمم الشاهقة التي تصنع الملوك تدرك دائماً أن أشد أنواع الخطر ضراوة ليس ذلك الذي يزمجر بالمدافع في وضح النهار، بل الذي يتخلق في صمت مطبق داخل الأرحام المظلمة للمؤسسات المندثرة.في الجناح الإمبراطوري العلوي، حيث تتداخل نسائم البحر الرطبة مع أريج زهر البرتقال وأشجار السرو المحيطة بالحدائق المعلقة، وقفت إلينا بجوار مهاد عاجي فاخر مرصع بالذهب وخشب الأبنوس، تت

  • رماد السطوة   الفصل (55): ميلاد العهد الجديد

    تهادت زرقة البحر الأبيض المتوسط في صبيحة خريفية دافئة، لتغسل أمواجها الهادئة قواعد الجرف الصخري الشامخ لقصر «لو بيلفيدير»، حيث استقرت أساطيل الحماية التابعة لقيادة «رماد السطوة» في تشكيلات بحرية مهيبة ترسم حدود العاصمة السرية للعالم الجديد. لم تعد الممرات المعلقة في القصر تشهد صخب بنادق الاقتحام أو رنين أجهزة الإنذار التكتيكية؛ بل ساد المكان هدوء ملكي فاره، تتخلله حركة دبلوماسية استثنائية لم تشهد لها القارة مثيلاً منذ قرون. في المرفأ الخاص المنحوت في الصخر، اصطفت مروحيات الوفود الرسمية وسفن الدبلوماسيين القادمين من عواصم آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، بعد أن خضع كل وفد لإجراءات تفتيش بيومترية دقيقة أشرف عليها قادة «حراس العهد»، ليجتمعوا تحت سقف واحد للتوقيع على المعاهدة الشاملة التي خطتها أيدي المنتصرين بعد سحق آخر أطياف مجلس الظل في جنيف.في الجناح الإمبراطوري الشرقي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية العاجية، لتلقي بظلالها الوارفة على أرضية خشب الساج المعتق والمفروشات المخملية الفاخرة. وقفت إلينا أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على البحر؛ ارتدت فستاناً أسطوري

  • رماد السطوة   الفصل (54): فجر النظام الأبدي

    تنفس فجر جنيف البارد دخاناً أسود كثيفاً تصاعد من أنقاض قصر «لو بريزيدينسيال»، ليشهد العالم السري واحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث؛ هزة لم تسجلها مقاييس الزلازل الجيولوجية، بل رصدتها خوادم غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وبكين، ولندن، وموسكو. في غضون أسبوعين فقط، تهاوت الرؤوس السبعة التي حكمت الكوكب من وراء أقنعة الظل لأكثر من نصف قرن؛ سقط دراكوف في الكاربات، وميداس في كومو، وكروغر في بحر البلطيق، ويانوس في محافل جنيف، ورافاييل في أودية الأندلس، وشتاينر في صقيع بيرنغ، وصولاً إلى اللورد سيباستيان مورغان—«أوريون»—الذي احترق عرشه الأخير في وضح الفجر. تجمدت أسواق المال المشبوهة، وانسحبت خلايا المرتزقة من بؤر النزاع الإقليمية كفئران مذعورة أدركت أن جحورها باتت مكشوفة، بينما خيم وجوم مرعب على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ لم يعد هناك مجلس أطياف يدير دفة النزاعات، بل صار هناك سيدان مطلقان لا شريك لهما في السيادة على هذا الكوكب: طارق وإلينا.حطت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» فوق المهبط الصخري السري المعلق في خاصرة جرف قصر «لو بيلفيدير». تلاشت عواصف الثلوج وأمطار الشمال الباردة

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status