Home / التشويق / الإثارة / رماد السطوة / الفصل (9) : ليلة العاصفة والترقب

Share

الفصل (9) : ليلة العاصفة والترقب

last update publish date: 2026-08-21 11:59:29

تلبدت سماء المدينة بسحب ركامية سوداء انحدرت من عرض البحر كجيوش غازية، معلنة قدوم عاصفة بحرية عاتية طالما حذرت منها مراصد الأرصاد الجوية. كانت الرياح الشمالية العنيفة تعوي بين الهياكل الفولاذية للمسبك القديم، وتضرب ألواح الصفيح والزجاج المكسور في السقف بصرير متواصل يشبه استغاثات أرواح عالقة في الجحيم. تحولت باحة المسبك المعتمة إلى خلية نحل عسكرية تعمل في صمت مطبق؛ كان رجال عمران، بوجوههم الصارمة والندوب التي تروي حكايات معارك غابرة، يعبئون صناديق الذخيرة الفولاذية، ويفحصون البنادق الهجومية، ويضبطون سترات الاقتحام التكتيكية تحت أضواء كشافات صفراء خافتة بالكاد تبدد حلكة الظلام.

في غرفة العمليات المحصنة، كانت شاشات المراقبة ترمي بوهجها الفسفوري الأزرق على وجه إلينا الذي ازداد شحوباً وتركيزاً. جلست خلف الطاولة الحديدية، وأصابعها تتحرك بمهارة خاطفة فوق لوحة المفاتيح، بينما استقرت الشريحة الذهبية "أوميغا 7" داخل قارئ البيانات الرقمي. كانت خطوط التشفير المعقدة تتفكك تباعاً على الشاشة المركزية، كاشفة عن طبقات سرية من الاتصالات والخرائط العسكرية ثلاثية الأبعاد لرصيف الميناء رقم تسعة ومستودعات التخزين الجمركي المحيطة به.

وقف طارق خلفها مباشرة، مستنداً بيديه القويتين على حافتي مقعدها، ملقياً بثقله وهيبته الطاغية في المساحة الضيقة المحيطة بها. كان قربه يبعث حرارة محسوسة في برودة الغرفة الخرسانية؛ عيناه الداكنتان تتابعان تدفق البيانات بانتباه صقري لا يغفل عن تفصيلة واحدة، بينما لامست أنفاسه الدافئة خصلات شعرها المنسدلة على كتفها العاري من سترة الكيفلار. لم يكن أي منهما يملك ترف الالتفات إلى المشاعر، لكن الشحنة الحسية المكتومة بينهما كانت كفيلة بإشعال المكان؛ مزيج غريب من الثقة المعمدة بالدم والانجذاب المحفوف بالخطر، حيث يدرك كلاهما أن الساعات القادمة قد تكون الأخيرة في حياتهما إن خان أحدهما الآخر أو أخطأ في قراءة رقعة الشطرنج الدموية.

"انظر هنا يا طارق،" قالت إلينا بصوت منخفض يحمل نبرة تحذير مشدودة، وهي تشير بمؤشر الفأرة نحو قطاع محدد في الخريطة الرقمية. "فيكتور لم يكن يخطط فقط لاستلام الشحنة وتفريغها في المستودعات... لقد زرع شبكة من المتفجرات اللاسلكية الموجهة في أساسات الرصيف الخرسانية. إذا شعر بأي تهديد مباشر أو محاولة للاستيلاء على البضائع، فبإمكانه نسف الرصيف بأكمله وتفجير السفينة، مغرقاً كل الأدلة ومن معها في قاع الحوض المائي."

ضيق طارق عينيه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة تقطر قسوة: "فيكتور يتصرف كفأر محاصر يدرك أن نهايته اقتربت... يريد أن يأخذ الجميع معه إلى القبر إن سقط عرشه. هل يمكنكِ إبطال صواعق التفجير عن بُعد عبر كود 'أوميغا 7'؟"

نظرت إلينا إلى عينيه، واستدارت بنصف جسدها نحوه لتصبح المسافة بين وجهيهما مجرد أنفاس متقاطعة. كان بريق عينيها الزمرديتين يفيض بجرأة لا تنكسر: "الشريحة تمنحنا السيطرة الكاملة على نظام الدفاع والمستشعرات، لكن إبطال الصواعق الرئيسية يحتاج إلى إدخال مفتاح مادي مباشر في غرفة التحكم المركزية الواقعة في برج الرافعة العملاقة رقم أربعة. هذا يعني أن شخصاً منا يجب أن يتسلق الرافعة تحت وابل النيران في الدقائق الأولى من الاقتحام."

"أنا من سيتكفل بالرافعة،" قال طارق بنبرة قاطعة لا تحتمل الجدال.

رفعت إلينا يدها ببطء، ولمست بأطراف أصابعها صدر سترته التكتيكية، في حركة حملت في طياتها اعترافاً خفياً بالخوف عليه خلف قناع القوة المعتاد: "الرافعة مكشوفة بالكامل للقناصة يا طارق... إنها مهمة انتحارية إذا لم تكن هناك تغطية نارية ساحقة."

أمسك طارق بيدها وضغط عليها بقوة، مثبتاً إياها فوق موضع قلبه النابض بثبات مذهل: "لا يوجد شيء اسمه مهمة انتحارية حين تكون الذئاب هي من تقود الهجوم... عمران ورجاله سيمطرون مواقع القناصة بنيران الرشاشات الثقيلة، وأنتِ ستكونين عينيّ في الظلام من خلال غرفة المراقبة."

انفتح الباب الفولاذي فجأة ليقطع تلك اللحظة المشحونة، ودخل عمران بخطواته الثقيلة، حاملاً بندقية قنص حرارية متطورة من طراز حديث. وقف عند عتبة الباب، وتأمل التناغم الصامت بين طارق وإلينا بنظرة لم تخلُ من الاحترام والتقدير: "كل شيء جاهز يا ابن أخي... الشاحنات محملة، وفريق الضفادع البشرية جهز الزوارق المطاطية الصامتة للتسلل عبر الممر المائي الشمالي وتطويق مؤخرة السفينة فور رسوها. العاصفة في الخارج بلغت ذروتها، والأمواج في الخليج تجاوزت أربعة أمتار؛ هذا يعني أن دوريات خفر السواحل ستلزم مراسيها ولن تتدخل في معركة الليلة."

نظر طارق إلى ساعته التكتيكية؛ كانت تشير إلى الحادية عشرة ليلاً. بقيت ساعة واحدة فقط قبل أن تخرق مقدمة سفينة "أتلانتيك ستار" جدار الضباب وتدخل حوض الرصيف رقم تسعة.

توجه طارق إلى خزانة الأسلحة، وتناول بندقيته الهجومية من طراز "إم 4" المعدلة بكاتم صوت ومنظار ليلي، وتأكد من تلقيمها بمهارة عسكرية ميكانيكية. ثم استدار نحو إلينا وعمران، وألقى نظرة شاملة على الخرائط المضيئة، متحدثاً بصوت مفعم بالعزم والسطوة:

"الليلة لا مجال للأسرى ولا مكان للتراجع... فيكتور كوفاتش ومجلس العائلات الخمس ظنوا أنهم بدماء والدي قد اشتروا حكم هذه المدينة إلى الأبد. الليلة، سنعيد كتابة القوانين بدمائهم، وسيعلم كل خائن أن الأرض التي سرقوها لا تزال تطالب بحق أصحابها الشرعيين."

ناول طارق جهاز اتصال لاسلكي مشفر لإلينا، وربط حزام خوذته التكتيكية، ثم أشار لعمران بالتحرك. خرج الجميع إلى صالة المسبك الكبرى حيث اصطف المقاتلون في طوابير منتظمة كأشباح ليلية مدججة بالسلاح. انطلقت الشاحنات والمصفحات في رتل صامت عبر البوابة الخلفية، تبتلعها أمواج المطر وظلمات الأزقة المهجورة، متجهة نحو نقطة الحسم عند حافة المحيط حيث تنتظرهم أكثر المعارك دموية في تاريخ صراعات النفوذ.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • رماد السطوة   الفصل (58): خيوط المؤامرة الأخيرة

    عادت الغواصة «قاهر الظلمات» لتستقر في الحوض الجاف الصخري أسفل قصر «لو بيلفيدير» مع انبلاج خيوط فجر ندي غسل زرقة البحر الأبيض المتوسط برذاذ فضي نقي. انحسرت مياه البحر الهادرة عبر البوابات الفولاذية العازلة بصرير هيدروليكي مهيب، مخلّفة سحباً من الأبخرة البيضاء ورائحة الملح المركز، بينما اصطفت كتائب «حراس العهد» على الأرصفة الخرسانية ببنادقها المجهزة في انضباط فولاذي صارم. لم يكن النصر في هاوية سوندا السحيقة نهاية المطاف، بل كان استئصالاً لقلب الخطر البيولوجي قبل أن ينفث سمومه؛ غير أن الجسد المتفرع لحلف الأيتام كان لا يزال يمتلك أطرافاً تتحرك في عواصم الظل، تتغذى على حسابات سرية معقدة وشركات أمنية وهمية أُسست خصيصاً لتنفيذ الانتقام بعد سقوط الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف.صعد طارق وإلينا عبر المصعد الصخري الصاعد نحو الجناح الإمبراطوري العلوي بخطوات هادئة تنضح بالجبروت واليقظة. كان طارق قد استبدل بزة الغوص بقميص أسود من القطن المعالج يلتصق بصدره العريض وساعديه المفتولين، بينما استقر خنجره الفولاذي الدمشقي في غمده الجلدي على خاصرته، وعيناه الصقريتان الداكنتان تفيضان ببرود مفترس يبحث عن

  • رماد السطوة   الفصل (57): هاوية سوندا المشتعلة

    انحدرت الغواصة الاستراتيجية للأعماق السحيقة «قاهر الظلمات» كحوت تيتانيومي أسود في أحشاء المحيط الهندي، مخترقة طبقات المياه المظلمة نحو قاع خندق "سوندا" على عمق أربعة آلاف ومائتي متر تحت سطح البحر. في هذا السديم المائي المعزول، حيث لا يجرؤ أدنى بصيص من ضوء الشمس على التسلل منذ الأزل، كان وزن المحيط يشكل ضغطاً هيدروستاتيكياً ساحقاً يهدد بسحق أعتى الدروع الفولاذية في رمشة عين، بينما تصاعدت من الشقوق التكتونية السفلية أعمدة دخان كبريتي ومياه مغلية تقذفها الفوهات البركانية الحرارية كجحيم مستعر في قاع الصقيع. لم تكن هذه البقعة مجرد هوة جيولوجية منسية في خرائط الملاحة الدولية؛ بل كانت المعقل الأكثر عزلة لمشروع «البرزخ الأسود»، حيث تم تشييد محطة الأبحاث «نيكسوس-سوندا» داخل تجويف بازلتي محمي بحقول ألغام مغناطيسية ومجسات رصد صوتي ترصد دبيب حركات القاع.في مقصورة القيادة المتقدمة للغواصة، خيم ضوء قرمزي شاحب امتزج بأزيز أجهزة تنقية الأكسجين ورنين نبضات السونار السلبي. وقف طارق كطود صخري لا تزعزعه أهوال الأعماق؛ ارتدى بزة غوص تكتيكية مصفحة بصفائح ألياف الكربون المعالجة بالتيتانيوم السائل لمق

  • رماد السطوة   الفصل (56): يقظة البرزخ المظلم

    مرت سبعة أشهر على ميلاد «آدم»، واستكانت مياه البحر الأبيض المتوسط تحت شمس ربيعية دافئة غمرت شرفات قصر «لو بيلفيدير» بضياء عسجدي وهاج. بدا القصر الإمبراطوري الرابض فوق الجرف الصخري الشامخ كقلعة أسطورية صلبة حفرتها يد القدر لتكون منارة السيادة للعالم الجديد؛ لم تعد البوارج الحربية الشبحية تجوب مياهه في حالة تأهب قتالي مستمر، بل اصطفت على مسافات محسوبة كحراس عملاقة تنفث وقار القوة المفرطة، بينما كانت حركة التجارة العالمية تجري في المضايق الدولية بنظام ساعاتي محكم يخضع بالكامل لشفرات وضوابط منظومة «رماد السطوة». خيل للعواصم الكبرى ولغرف التجارة أن الكوكب دخل أخيراً في عصر الاستقرار الأبدي بعد احتراق الرؤوس السبعة لمجلس الأطياف، لكن القمم الشاهقة التي تصنع الملوك تدرك دائماً أن أشد أنواع الخطر ضراوة ليس ذلك الذي يزمجر بالمدافع في وضح النهار، بل الذي يتخلق في صمت مطبق داخل الأرحام المظلمة للمؤسسات المندثرة.في الجناح الإمبراطوري العلوي، حيث تتداخل نسائم البحر الرطبة مع أريج زهر البرتقال وأشجار السرو المحيطة بالحدائق المعلقة، وقفت إلينا بجوار مهاد عاجي فاخر مرصع بالذهب وخشب الأبنوس، تت

  • رماد السطوة   الفصل (55): ميلاد العهد الجديد

    تهادت زرقة البحر الأبيض المتوسط في صبيحة خريفية دافئة، لتغسل أمواجها الهادئة قواعد الجرف الصخري الشامخ لقصر «لو بيلفيدير»، حيث استقرت أساطيل الحماية التابعة لقيادة «رماد السطوة» في تشكيلات بحرية مهيبة ترسم حدود العاصمة السرية للعالم الجديد. لم تعد الممرات المعلقة في القصر تشهد صخب بنادق الاقتحام أو رنين أجهزة الإنذار التكتيكية؛ بل ساد المكان هدوء ملكي فاره، تتخلله حركة دبلوماسية استثنائية لم تشهد لها القارة مثيلاً منذ قرون. في المرفأ الخاص المنحوت في الصخر، اصطفت مروحيات الوفود الرسمية وسفن الدبلوماسيين القادمين من عواصم آسيا، وأوروبا، والأمريكتين، بعد أن خضع كل وفد لإجراءات تفتيش بيومترية دقيقة أشرف عليها قادة «حراس العهد»، ليجتمعوا تحت سقف واحد للتوقيع على المعاهدة الشاملة التي خطتها أيدي المنتصرين بعد سحق آخر أطياف مجلس الظل في جنيف.في الجناح الإمبراطوري الشرقي، كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر الستائر الحريرية العاجية، لتلقي بظلالها الوارفة على أرضية خشب الساج المعتق والمفروشات المخملية الفاخرة. وقفت إلينا أمام الواجهة الزجاجية الكبرى المطلة على البحر؛ ارتدت فستاناً أسطوري

  • رماد السطوة   الفصل (54): فجر النظام الأبدي

    تنفس فجر جنيف البارد دخاناً أسود كثيفاً تصاعد من أنقاض قصر «لو بريزيدينسيال»، ليشهد العالم السري واحدة من أعنف الهزات في تاريخه الحديث؛ هزة لم تسجلها مقاييس الزلازل الجيولوجية، بل رصدتها خوادم غرف العمليات المغلقة في واشنطن، وبكين، ولندن، وموسكو. في غضون أسبوعين فقط، تهاوت الرؤوس السبعة التي حكمت الكوكب من وراء أقنعة الظل لأكثر من نصف قرن؛ سقط دراكوف في الكاربات، وميداس في كومو، وكروغر في بحر البلطيق، ويانوس في محافل جنيف، ورافاييل في أودية الأندلس، وشتاينر في صقيع بيرنغ، وصولاً إلى اللورد سيباستيان مورغان—«أوريون»—الذي احترق عرشه الأخير في وضح الفجر. تجمدت أسواق المال المشبوهة، وانسحبت خلايا المرتزقة من بؤر النزاع الإقليمية كفئران مذعورة أدركت أن جحورها باتت مكشوفة، بينما خيم وجوم مرعب على أجهزة الاستخبارات الدولية؛ لم يعد هناك مجلس أطياف يدير دفة النزاعات، بل صار هناك سيدان مطلقان لا شريك لهما في السيادة على هذا الكوكب: طارق وإلينا.حطت الطائرة الشبحية النفاثة «الصقر الأسود» فوق المهبط الصخري السري المعلق في خاصرة جرف قصر «لو بيلفيدير». تلاشت عواصف الثلوج وأمطار الشمال الباردة

  • رماد السطوة   الفصل (53): عرش أوريون في جنيف

    هطلت أمطار جنيف الخريفية كشلالات باردة من الرصاص المذاب، تغسل أرصفة ضاحية "كولوني" الأرستقراطية وتلف قصورها الرخامية بغلالة رمادية كثيفة من الضباب الرطب العالق فوق مياه بحيرة "ليمان". كانت شوارع المدينة الدبلوماسية غارقة في هدوء مخادع، إلا أن قصر «لو بريزيدينسيال» الشاهق، الرابض على تلة حرجية معزولة تشرف على صفحة الماء والضفاف المقابلة للحدود الفرنسية، كان يعيش استنفاراً غير مرئي للعين المجردة. لم تكن هناك مدرعات تجوب الحديقة أو جنود بزيهم الرسمي؛ بل انتشر حول الأسوار الحجرية العتيقة خمسون عنصراً من نخبة "الحرس الأسود"، مدججين بأسلحة كهرومغناطيسية ونظارات رؤية بيومترية متصلة بغرف التوجيه المركزية، بينما جابت أسراب من الطائرات المسيرة فائقة الصغر فضاء القصر، تحميه من أي تسلل بري أو جوي. هنا، في هذا الحصن المنيف الذي توارثته عائلات الظل لأكثر من قرن، جلس رأس الأفعى الأخير: "الإمبراطور أوريون"، البارون الأكبر والمهندس الحقيقي لمجلس الأطياف؛ الرجل الذي نسج خيوط المؤامرة، ومول كارتيلات الشمال، ووجّه حروب القارات الخمس دون أن تُلتقط له صورة واحدة في سجلات العالم العلني.في قبو صخري مه

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status